الميتافيزيقا وأساطير بعض الشعوب

طلعت رضوان
2020 / 5 / 23

من خلال قراءاتى فى الكتب التى تناولتْ أساطيربعض الشعوب، خاصة الكتب التى كتبها علماء متخصصون فى دراسة الحضارات القديمة (المصرية، اليونانية والبابلية..إلخ) اكتشفتُ أنّ الكثيرمن الأفكارالتى تـمّ العثورعليها فى البرديات وعلى جدران المعابد، قد انتقلتْ إلى الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) ومن بين ذلك أنّ الخالق (بغض النظرعن اسمه لدى كل شعب) يستجيب لدعاء من يتوجهون إليه ويتعبدونه..وهذا المعنى جاء صريحـًـا فى الأساطيرالبابلية حيث نقرأ أنّ الإله هو:
((رب القداسة.. إله النسمة الخالقة..
سميع مستجيب الدعوات..
هوالمعطى دون حساب..
الذى حقق رغباتتنا وأفاض..
ليلهج بذكره الجميع..وليسبــّـحوا بحمده..
توتو(اسم الإله) ليعظم اسمك..
رب التميمة المقدسة.. الذى بعث الموتى..
أحق الحق وأزهق الباطل..
ومحق الأعداء جميعـًـا..
وهوالذى يـُـجزى بالخير..ويـُـجزى بالشر..
وهوالجليل الذى أعطى لكل اسمه..
وهومانح الذُرة ومُـنبــّــت الشعير..
وهوالذى سخـّــرالسحاب فوق المياه..
ورفع السماوات..
وهومُـقسّـم الأرزاق..
خالق السماء والأرض..ومُـجرى السحاب....إلخ))
(انظركتاب: مغامرة العقل الأولى- تأليف المفكرالسورى الكبيرفرّاس السواح- دارعلاء الدين بدمشق- الطبعة العاشرة- عام1993- من ص88- 92)
وكان تعليق السواح أنّ هذه الأفكارجاءتْ بعد ذلك فى سـِـفرالتكوين العبرى (التوراة) ومن بينها أنّ الإله (يهوه أوايل أوإسرائيل) هوالذى ((فى البدء خلق السماوات والأرض..وكانت الأرض خربة وخالية..وعلى وجه القمرظلمة..وروح الرب يرف فوق وجه الماء)) وأضاف السواح ((وإلى يومنا هذا لم يقبل العلم الحديث فكرة العدم المطلق. فكل نظريات التكوين العلمية تتحدث عن نشوء الكون من مادة ما، بدئية، ووجود ما سابق..وجاء فى القرآن ((وهوالذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام..وكان عرشه على الماء)) (سورة هود/7) وكذلك أشارالنبى محمد فى الأحاديث إلى نفس الموضوع عندما أجاب عن سؤال: ((أين كان ربنا قبل أنْ يخلق الخلق؟ فقال: كان فى عماء)) وفى الهامش: العماء هوالغيم الرقيق الذى يحول بين الناظروبين الشمس..وهونفس المعنى الذى ذكره محيى الدين بن عربى، فى الفتوحات المكية- طبعة القاهرة- عام1972- ج1- ص49)
والشىء الملفت للنظرفى كتابات المفكرالسورى الكبيرهوتجاهله لما ورد فى البرديات المصرية (فى حقبة ازدهارالحضارة المصرية) بالرغم من أنه قرأ الكثيرمن الكتب..واعتمد على الكثيرمن المراجع، كما يظهرمن مصادره التى كتبها فى كتبه عن الحضارات القديمة. ومن بين الإفكارالمصرية وانتقلتْ إلى الأساطيرالبابلية، على سبيل المثال (فقط) ما جاء فى الأساطير البابلية عن الإله (توتو) الذى يستجيب لدعاء من يتعبدونه ويلجأون إليه، وهوالمعنى المذكورفى الأساطيرالمصرية، ومن بينها ما جاء فى الصفات التى منحها أخناتون لإلهه (آتون) وأنّ الناس كانوا يرتلون له فى صلاتهم قائلين:
رب الصدق.. خالق الناس وبارىء الحيوان..
رب كل كائن..
ومُـنشىء شجرة الحياة..
خالق الأعشاب ورازق الماشية لتحيا..
وبالرغم من أنّ أخناتون ابتدع (فكرة التوحيد) وترجمتها (الإله الواحد الأوحد) وهى الفكرة التى انتقلتْ إلى الديانة العبرية، فإنه (= أخناتون) خاطب الإله (رع) فى هذا النشيد وكذلك الإله (آتوم) ومعناه (المتمم الكامل) وفى باقى النشيد نقرأ:
سلام لك يا (رع) يا رب الصدق..
يا آتوم الذى خلق الناس..
والذى حـدّد صورهم..وخلق أرزاقهم..
والذى ميـّـز لون كل جنس عن الآخر..
والذى يسمع دعوة من فى الأسر..
والذى تتدفق من قلبه الرحمة عندما يدعوه إنسان..
والذى يـُـخلــّــص الضعيف من المستكبر..
ويفصل بين الضعيف والقوى..
رب المعرفة الذى فى فمه الأمرالسائد..
والذى يضع قوت السمك فى النهر..
والذى يعول الطيورفى كل شجرة فتعيش..
وأنت يا واحد يا أحد..
أنت لاتنام وكل الناس نيام..إلخ.
هذا النشيد ورد ضمن (ترتيلة صلاة من أنشودة (آمون الكبرى) فى بردية محفوظة بدارالآثارالمصرية.. ويرى بعض علماء علم المصريات أنها أقدم من عهد أخناتون (أنظركتاب: فجرالضميرتأليف عالم المصريات الأمريكى جيمس هنرى برستد- ترجمة سليم حسن- أكثرمن طبعة- وأنا أعتمد على طبعة مكتبة مصر- دارمصرللطباعة بالفجالة- عام1957- ص334، 335)
ومع مراعاة أنّ ما كتبه برستد ذكره كثيرون غيره من علماء (علم المصريات) ومن بينهم العالم الألمانى الكبير(أدولف إرمان) الذى الذى ذكرأنّ (آمون رع) هوالذى خلق الناس والحيوانات..وأنّ الناس خرجوا من عينيه. أما الآلهة فخرجوا من فمه. وهوالذى يـُـنبتْ الحشائش للماشية..وهوالذى خلق شجرالفاكهة للناس ليأكلوا منها..وهوالذى خلق ما تعيش منه الأسماك فى النهر والطيورفى السماء..وهوالذى منح الكائنات نسمة الحياة..هوالقادرعلى كل شىء..وله قلب يستجيب لكل من يلجأ إليه..وبذلك صارآمون إلهـًـا شعبيـًـا.. إنّ عينىْ آمون وأذنيه فى كل مكان..ويصيخ السمع لدعاء من يدعوه..ويستمع إلى تضرعات الفقراء..وأضاف إرمان أنّ كان لكل إقليم إله.. فكانت كل الآلهة تستجيب إلى دعاء الناس..ونقل إرمان العديد من صورالبرديات وعليها رسم لأذن الآلهة وهى تستمع لدعاء المواطنين (ديانة مصرالقديمة- ترجمة د. عبدالمنعم أبوبكر، ود. محمد أنورشكرى- مكتبة الأسرة- هيئة الكتاب المصرية- عام 1997- الصفحات 122، 152، 162، 164)
***