قراءة في كتاب : طبيعة السلطة السياسية وأليات التغيير بالمجتمع المغربي

عبد الصمد المليلي
2020 / 5 / 23

قراءة في كتاب "طبيعة السلطة السياسية وأليات التغيير بالمجتمع المغربي"




قراءة في كتاب "طبيعة السلطة السياسية وأليات التغيير بالمجتمع المغربي"

دواعي القراءة
شكلت طبيعة السلطة السياسية بالمغرب اهتمام المفكرين و الباحثين في الحقول الاجتماعية المختلفة بصفة عامة والمختصين في العلوم السياسية و السوسويولوجيا والانتربولوجيا بصفة خاصة ، فهي و حسب توصيف العديد من الدراسات الأكاديمية مغلقة البناء مع ما يقتضيه ذلك من تجاوز بنيوي لإمكانية المنافسة السياسية المفتوحة أو تشاور واسع في مسلسل تشكيل القرار السياسي في مساراته الإستراتيجية وكذا التداول والتناوب السلس للسلطة ،الأمر الذي يجعل من وإدراك مفهوم التغير السياسي أمرا غاية في الصعوبة وذلك لما يكتنف هذه العملية من غموض والمتتبع للتحولات والتغيرات التي عرفتها المجتمعات العربية والإسلامية ، يلاحظ الصعود السريع للحركات الاسلامية التي قفزت من الهامش إلى قلب المشهد السياسي، مستغلة تفوقها النوعي في القدرات التنظيمية وفعالية خطابها الديني في الحشد والتعبئة للوصول إلى السلطة، وممارستها ومحاولة الاستئثار بها ،وهو مايجعلنا أمام ضرورة معرفية ومنهجية تتمثل في القيام بعملية تفكيك سوسيولوجي وحفر جينالوجي لظاهرة الحركات الإسلامية؛ وتبيئتها في سياقاتها المحلية والتاريخية والثقافية باعتبار أنها تُعد جزءًا رئيسًا من خريطة الفواعل؛ المؤثرة في أحداث الواقع ومآلاته ،وذلك تمهيدًا لبناء تصور أو إطار تفسيري يُسهم في فهم الواقع الذي تنغمس فيه الحركات الإسلامية والتنبؤ بمآلاته .
ومن هذا المنطلق تنبع اهمية الكتاب "طبيعة السلطة السياسية وأليات التغيير بالمجتمع المغربي، الصادر عن مطبعة الحمامة بتطوان، لصاحبه الدكتور عبد القادر بوطالب ،أستاذ علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، ومنسق ماستر الديناميات الاجتماعية ، المجال والظواهر الاجتماعية ومنسق تكوين الدكتوراه الديناميات الاجتماعية المجال والسلطة والمجتمع ، والذي يحاول من خلال هذا الكتاب فهم ظاهرة التغيير السياسي في واقع مجتمعي مركب كما هو الحال بالنسبة للمجتمع المغربي ، عبر الوقوف على أليات وطبيعة التغيير وفق خطاطة تستهدف تشخيص هذه الظاهرة ضمن سياق تاريخي واجتماعي يسمح بفهم الحاضر من خلال الاستناد الى الماضي وفق رؤية تنطلق من أن ثمة خيطا ناظما يظل مفسرا للكثير من الوقائع والظواهر ضمن صيرورة التحول والتغيير وبالخصوص عندما يتعلق الأمر بالتمثلات والبنيات الثقافية .

مرفولوجيا الكتاب
يقع الكتاب في 157 صفحة موزعا على قسمين , و كل قسم موزع عبر ثلاثة فصول تحاول التطرق لمحاور عديدة مترابطة فيما بينها على مستوى الموضوع و المنهج .
وبما أن الغلاف عتبة الكتاب الأولى التي تنقلك إلى مضامين الكتاب، وفكرة موجزة عن ما يوجد بداخله ، فإن الكاتب قد نجح في رهانه الى حد كبير ،فاللون الاصفر الباهت الذي يكسى صورة الغلاف يحيل الى نوع من الغموض والضبابية وهو الأمر الذي في اعتقادنا يتماهى مع طبيعة السلطة السياسية في المجتمع المغربي ، أما من حيث المضمون فقد جاءت صورة الغلاف حاشدة بالدلالات السوسيوثقافية والدينية لتؤرخ لفترة زمنية هو مغرب الاستقلال ولحدث غاية في الأهمية وهو طقس الاحتفال بالبيعة حيث يظهر السلطان في وسط الصورة مرتديا جلبابا أبيض يمتطي صهوة حصان مع مظلة كبيرة يستظل بها ،يحملها احد الخدم والتي تشكل رمزا لتجدد النظام واستمراريته ، ويلتف حوله مجموعة من الافراد بزيهم التقليدي المعبر عن اصالة الحضارة المغربية وفي خلفية الصورة يظهر المسجد باعتباره مكانا له قداسته وحرمته في جميع المجتمعات الاسلامية والذي لم يكن فقط مكانا مقدسا للتعبد فبالإضافة الى دوره الديني يعتبر ملتقا اجتماعيا وعلميا وسياسيا وهو باختصار عصب المجتمع النابض ، ومصدر السلطة والشرعية الدينية والسياسية .
وما يميز هذا العمل الاكاديمي قياسا مع مجموعة من الأبحاث والدراسات السوسيولوجية التي تناولت نفس الموضوع هو أن المؤلف قد عمل على ضبط عمله منهجيا بشكل دقيق ورصين وهو في نظرنا الحجر الاساس لكل بحث يهدف الى الوصول الى نتائج دقيقة وموضوعية تسمح بالكشف عن الميكانزمات والأليات المتحكمة في ظاهرة التغير الاجتماعي التي تتسم بالتعقيد والتركيب، وهو مقارنةً بغيره من الكتابات في هذا المجال ، يعد مرجعًا توثيقيًا مهمًا ،وذلك لما يزخر به من مراجع عربية وغربية لها قيمتها العلمية والمعرفية داخل حقل السوسيولوجيا .
وينطلق الباحث في هذا الكتاب من إشكاليات أساسية يمكن صياغتها على الشكل ألأتي :
كيف يمكن فهم ظواهر الاستمرارية والتحول في المجال السياسي ؟ وهل بالإمكان الحديث عن حتمية تاريخية تحددها شروط اجتماعية ؟ وماهي طبيعة السلطة السياسية بالمجتمع المغربي ؟ وماهي الاليات التي يمكن من خلالها إحداث التغيير بالمجتمع المغربي
وتنبني هذه الدراسة على فرضيتين اساسيتين هما :
اعتبار التحكم في المحال الترابي متغيرا مقلقا لبنية السلطة المركزية
اعتبار المهدوية ألية لإحداث التغير السياسي بالمجتمع المغربي
وهو ما فرض على الباحث الخوض في مسألتين اساسيتين :
تتمثل المسألة الأولى: في تحديد طبيعة السلطة السياسية ومدى انسجامها وتلاؤمها مع حجم وطبيعة التحولات التي عرفها ويعرفها المجتمع المغربي
أما المسألة الثانية: فتقترن أساسا بأليات التحول والتحول والتغيير بالمجتمع المغربي ، وبمدى اكتمالها ونضجها لإحداث ذلك وبالخصوص في البنيات الأساسية .
سنقدم فيما يلي عرضًا لأهم الأفكار والرؤى التي عمل الكاتب على استشكالها والاستدلال عليها، وسنتبع نفسَ التقسيم الهندسي الذي وضعه المؤلف لكتابه، حيث وَزَّعَ أفكاره على قسمين كبيرين، وكل قسم موزع على ثلاث فصول .
جاء القسم الاول معنونا على الشكل الأتي : توصيف السلطة السياسية : الثابت والمتحول في علاقة المخزن بالمجال وقد تضمن ثلاثة فصول على الشكل التالي:
الفصل الأول: المخزن ضمن الأبحاث الكولونيالية
الفصل الثاني: المخزن ضمن الابحاث الوطنية
الفصل الثالث: اللامركزية كألية لمراقبة المجال السياسي .
اما القسم الثاني ،فقد حمل عنوان السياسي وأليات التغيير : قراءة في تشكل السلطة السياسية بالمجتمع المغربي . وقد تضمن بدوره ثلاثة فصول على الشكل التالي :
الفصل الأول : المهدوية وأليات الاشتغال
الفصل التاني: الخطاب الاسلامي وأليات التعبير عن الشرعية
الفصل الثالث : المجال المهدوي
أما فيما يخص خاتمة الكتاب فقد ضمَّنها المؤلف أهمَّ الخلاصات التي انطوى عليها هذا العمل.
هكذا يتبين من خلال هذه الهيكلة المتناسقة الطرح العلمي والمنهجي والنقدي الذي اعتمده الباحث في الكشف عن طبيعة السلطة السياسية والأليات التي يتم من خلالها إحداث التغيير بالمجتمع المغربي .
داخل فصول الكتاب
الفصل الأول: المخزن ضمن الأبحاث الكولونيالية
ينطلق الباحث في بداية هذا الفصل من الاعتراف بأن مجمل الأبحاث والدراسات التي أنجزت حول مؤسسة الحكم بالمغرب والمتمثلة في المخزن وبالخصوص في مجالي التاريخ والسوسيولوجيا، خرجت بطريقة أو بأخرى من منعطف البحث الكولونيالي" فالكتابات الاستعمارية أثرت بشكل واضح في الكتابات الوطنية إلى درجة يمكن الجزم أن هذه الأخيرة لم تكن - في العمق - سوی مجموعة من ردود الفعل توخت تقديم صورة مغايرة عن تلك التي تقدمها الكتابات الكولونيالية . وهو ما يحلنا الى قيمة هذه الكتابات السوسيولوجية والاثنوغرافية التي أنجزت في هاته المرحلة ،والتي تمحورت حول ثنائية بلاد السيية وبلاد المخزن.
ركز الباحث في اطار البحث والتنقيب عن دلالة مفهوم المخزن ضمن الأبحاث الكولونيالية على "روبير مونطاني" باعتباره مفكر المرحلة الاستعمارية بامتياز والمجسد لكل تناقضات هذه المرحلة وذلك بسبب الاقتران الحاصل بين البحث العلمي والعمل السياسي والإيديولوجي ،وقد توصل بعد تسلحه بزاد نظري قوي متمثل في النظرية الانقسامية إلى أن علاقة المخزن بالقبائل تشي بغياب السلطة أو بالأحرى تشتتها ومشاعيتها، ،فالمجتمع المغربي كان يعيش حالة من التوتر والتناحر المستمرین وذلك لكون القبائل حسب مونتاني كانت تعيش على نمط حياة قائم على ا لعزلة والاستقلالية ورافض للسلطة والتبعية ، ومخزن بلا سلطة حقيقية، حدوده ليست واضحة وثابتة، تتسع وتضيق تبعا للظروف التاريخية .
هكذا وحسب الكتاب عملت السوسيولوجيا الكولونيالية على بلورة استراتيجيات الاختراق من خلال استخدام فرضية التعارض بين البربر والمخزن، والتي عكسها الظهير البربري كإيديولوجيا تتجاوز ذلك التعارض لتجعل منه تعارضا اجتماعيا وعرقيا وحضاريا بين العرب والبربر "وذلك كمبرر لإضفاء الشرعية على الحركات الاستعمارية والتي اعتبرت أن لها رسالة حضارية اتجاه الشعوب الأخرى، والمتمثلة في نقل هذه المجتمعات إلى مرحلة الدولة "
الفصل الثاني: المخزن ضمن الابحاث الوطنية :
تتسم المعرفة التي أنتجتها السوسيولوجيا الكولونيالية بالتعقيد والتركيب الامر الذي استدعى من السوسيولوجيا المغربية الناشئة بعد الاستقلال القيام بفحص نظري تقدي للإرث الكولونيالي ، وعليه سيعمد الباحث من خلال هذا الفصل الى الكشف عن أليات التعاطي الفكري للمغاربة إزاء المعرفة التي خلفها الاستعمار، وذلك من خلال عرض مواقف وأراء مجموعة من الباحثين المغاربة حول الروابط التي تجمع المخزن بالقبائل وحول موقفهم من ظاهرة السيبة ، من قبيل موقف"جرمان عياش" الرافض للأطروحة الاستعمارية جملة وتفصيلا، والواصف إياها بالتساهل والسذاجة ، فالمغرب حسب وجهة نظره دولة قائمة، يمتد تاريخها ألف سنة ، وما العنف والاضطرابات الداخلية إلا مسألة عادية وطبيعية ومألوفة عبر تاريخ المجتمعات الطويل ،فكل المجتمعات تعرف تناقضات داخلية، تصل أحيانا إلى حدود المطالبة بالاستقلال والانفصال، كما أن كل الدول تعتمد على القوة، وتستخدمها ضد مواطنيها . وبالتالي فإن" حضور المخزن بالنسبة لجرمان عياش، داخل المجتمع المغربي ظل وعبر التاريخ قائما، ولم يحدث أن انقطعت علاقته بالقبائل المكونة للمجتمع المغربي، إذ كانت تلجأ إليه لحل النزاعات والخلافات التي كانت تحدث فيما بينهما، وكان في هذه الحالات حكما مقبولا تحض تدخلاته بالاحترام ورضي كل الأطراف" ..
وفي نفس سياق الكشف عن أليات التعاطي الفكري للسوسيولوجيا الوطنية إزاء المعرفة الكولونيالية ، عرض الباحث موقف محمد لحبابي في كتابه " الدولة المغربية في مطلع القرن العشرين " والذي انطلق من فكرة محورية مفادها أن هناك ثمة رابطة قوية جرت على الدوام بين المخزن وسائر مكونات المجتمع المغربي، وهي رابطة البيعة، وهذه الرابطة لا تشير فقط إلى الوحدة والانسجام الداخليين، وإنما تعبر عن وجود كيان سياسي، شبيه بالدولة الحديثة، إن لم يكن مطابقا لها تمام التطابق
فالسلطة في المجتمع المغربي - حسب لحبابي - ظلت وعلى مر التاريخ مقيدة ذلك أن سلطة السلطان لم تكن تخرج عن شرطين أساسيين هما : الإسلام والتقاليد المغربية .
وبعد عرض الباحث لمجموعة من المواقف و الأطروحات والرؤى التي تناولت المخزن لاحظ على أنه وعلى الرغم من الاستعمال الواسع للمفهوم الا أنه لا يزال عصيا على الفهم وينطوي على دلالات متعددة ومتباينة . وعليه عمل على تحليل شفراته انطلاقا من اعتباره المخزن كعتبة في إشارة منه الى المقر الشخصي للسلطان وكل اشارة اليها في الادبيات المخزنية تقترن بالتقبيل وتقديم فروض الولاء والطاعة والعتبة حد فاصل بين مجالين :
أحدهما مقدس والثاني مدنس تتضمن هذه الرمزية امكانيتين : إمكانية الفصل والعزل ثم إمكانية التوحد والاندماج
تم عمل على تحديد المخزن باعتباره يبت للمال ثم باعتباره سلطة سحرية لما يقترن به في أذهان المغاربة بالرهبة والإحساس بالخوف ،احساس يمتزج بالعجز المطلق ، إحساس صقلته التجربة التاريخية والتي انطبعت في الذاكرة والوجدان الجماعيين فارتبط المخزن بأشد الظواهر الطبيعية خطرا وفتكا وهما: النار والماء كما يقول المثل الشعبي .
لينتقل بعد ها إلى تحديد طبيعة المخزن باعتباره أولا قبيلة إذ يقر بأنه لا وجود للمخزن بدون قبائل المخزن فتاريخ الاسر الحاكمة بالمغرب يشير الى ارتباطها بقبائل محددة شكلت دعامتها الاساسية ونقطة ارتكازها نحو السيطرة على جهات البلاد والمخزن وثانيا باعتباره زاوية ، وذلك لأن كل الحركات الدينية كانت تختبر قوتها وتحاول التوسع، فإن نجحت كونت مماليك أو إمارات وإن فشلت رضيت بدورها المعلن وهو ماعبر عنه بول باسكون بقوله "إن الحركة (الزاويا )التي تنجح تؤسس مماليك والتي تفشل تنكمش حول ضريحها "
وفي نهاية هذا الفصل عمل الباحث رصد علاقة المخزن بالمجال، والتي أعتبر أنها تشكل مأزقا يهدد استمرارية السلطة المركزية وعلى أكثر من صعيد، ذلك أن التحكم في المجال لم يصاحب تحول في آليات وأساليب التحكم والمراقبة معتبرا أن سكونية المجال السياسي لا تتلاءم وحجم التحولات والتغيرات الاجتماعية التي مست مختلف القطاعات، وعلى كافة المستويات، فدولة ما بعد الاستقلال ما تزال تحتفظ بمعظم الهياكل التقليدية بشكل أوبأخر، وما تزال مصادر مشروعيتها ثابتة، لم تتغير. ونتيجة ذلك تجد السلطة اليوم نفسها في مأزق يهدد استمراريتها.
الفصل الثالث : الامركزية كألية لمراقبة المجال السياسي
من خلال هذا الفصل حاول الباحث وبحذر شديد تتبع مختلف مراحل تطور الامركزية سواء كقرارات أو كخطاب سياسي ليخلص ان الامركزية برزت كتقنية وكرهان لتوسيع المجال السياسي والتحكم فيه وذلك عبر مراقبة المجال الترابي وضبطه، بالشكل الذي يسمح بالهيمنة على المجالات الهامشية والمنفلتة عن الرقابة المباشرة، بل إن الدولة تبحث في هذه المجالات عن مرتكزات جديدة، ودعائم جديدة للمشروعية .وهنا ينبغي أن تكون
مسؤولية الدولة مزدوجة : أن تحافظ على فعاليتها، کې تضمن الوحدة والانسجام الداخلي، ولكن وفي نفس الوقت، أن تقبل توزيعا لسلطتها بين مختلف الفاعلين في الحياة الاجتماعية، إن التوفيق بين القرار الحر للدولة وضرورة التعاون مع الجماعات الترابية هو أحد المشاكل الحساسة بالنسبة للدولة المغربية. إن إدارة المجالات اللامركزية والتمثيلية للسكان المحليين تفرض مفهوما ديمقراطيا للسلطة، وتوزيعا للوسائل والإجراءات. إن إشكالية الدولة الحديثة تعود أساسا إلى ضبط العلاقات بين المركز والهامش وبين الوطني والمحلي
وفي هذا الصدد يرى الباحث أن ثنائية المجال لا زالت مستمرة، وان اتخذت أبعادا مختلفة في الوقت الراهن، فإذا كان المغرب في عهد الحماية ثنائية بلاد المخزن وبلاد السيبة، ثم أثناء الفترة الاستعمارية، ثنائية المجال العربي والمجال البربري، وأخيرا وخلال عهد الاستقلال، هیمنت ثنائية المجال القروي والمجال الحضري، والتي ترتبت عنها اختلالات مجالية عميقة، حيث تفرع عن المجال القروي ثنائية القطاع المعصرن والقطاع التقليدي، بينما انقسم المجال الحضري بين مركز وهوامش، وما تضمنهما من تناقضات ومفارقات.
الامر الذي جعل الدولة أمام مجالات منفلتة من المراقبة والضبط والتي اصبحت تشكل خطرا حقيقيا خصوصا في ظل تنامي الاحتجاجات والا نتفاضات وأمام مجالات منفتحة بوصفها تعبيرا عن إيديولوجيا حركات الإسلام السياسي، بحيث تسمح المجالات المنفلتة بتفعيل وتنشيط الممارسة السياسية لهذه الحركات توسيع مجال دعوتها، و تشكل المساجد السرية إحدى القنوات الأساسية لتصريف المحتوى السياسي للمجال المنفتح، وحيث يصبح لزاما تحویل کل الفضاءات إلى مساجد وفي هذا السياق يقول عبد السلام ياسين :" تحت الحكم الجبري ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الاسلام الرسمي مطلبا أساسيا" .
يخلص الباحث في نهاية هذا الفصل أن الحركات الإسلامية ظاهرة جيوسياسية تستند على المجالات المنفلتة، وبذلك تتشكل حركتين متفاعلتين ومتكاملتين: إحداهما: داخلية ونلمسها في الاتجاه الذي يأخذه التنافس حول المجال والهيمنة عليه من خلال الحضور فوق المجال، وتكثيف كل أنواع الضغط الرمزي والمادي، أما الثانية: فخارجية، وتكمن في التأكيد على التضامن مع المسلمين في كل مكان من العالم وعلى ضرورة التنسيق فيما بين الجماعات الإسلامية ( واجب النصرة ) بهدف تهيي شروط إقامة الدولة الإسلامية
وسعيا لربط النظري بالواقعي قام الدكتور عبد القادر بوطالب ببحث ميداني رصين رصد من خلاله الاليات التي يتم من خلالها إحداث التغيير السياسي بالمجتمع المغربي والكيفية التي تتشكل من خلالها وبها السلطة السياسية، وذلك عبر ثلاثة فصول هي كالأتي :
الفصل الاول : أليات اشتغال المهدوية :
ينطلق الباحث في هذا الفصل أن التغيير السياسي بالمجتمع المغربي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تکرار نموذج محدد، تمثله الحركات المهدوية، والتي يمكن أن نعتبر الحركات الإسلامية نسخة منها، إذ في ظلها، تزداد إمكانية تعبئة الناس و في أحضانها تتكون الإيديولوجيات والأوتوبيات ذات المنحى المهدوي وعليه عمل الباحث الى اختبار مدى التشابه بين حركة المهدي ابن تومرت وحركة العدل والإحسان ،وذلك عبر ابراز السمات الأساسية للمهدوية وأليات اشتغالها .
ليتوصل من خلال عرضه لأهم سماتها ، أن المهدوية تنطلق من الفكرة التالية وهي : أنه لا بد في أخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، ويستولي على المماليك الاسلامية ويسمى المهدي . وهي كفكرة وكمشروع سياسي لم تنضج بين عشية وضحاها، بل إن ذلك استغرق ردحا من الزمان، عرفت خلالها تطورات وانتكاسات، وتأثرت بديانات وثقافات، بعضها سبق ظهور الإسلام، وبعضها حصل نتيجة انتشار الإسلام شرقا وغربا، لكن الثابت من الناحية التاريخية، أن ظهور المهدوية يرجع إلى مرحلة حكم الأمويين، وذلك باعتبارها جزءا ثابتا من عقيدة الشيعة، وإن كان ما يشبه هذه الفكرة وجد لدى العباسيين والأمويين على حد سواء.
وتعمل المهدوية كحركة تحتل فيها الخلفية الاجتماعية والسياسية ، حسب الباحث مقام الصدارة في تشكيل المتخيل تأطيرا لمجتمع السلطة في طور التشكل والتبلور، تكتسب من الفعالية وقوة التأثير ما يجعلها قابلة للانتشار والامتداد السريعين، لذلك نرى أن ظهورها يغذي أمل المحرومين، ويقوي صمودهم عبر التعالي والارتكان إلى متخیل تحرکه شحنة روحية من نوع خاص، لكنها تتحول إلى طاقة سياسية، إذا ما تم استثمارها على النحو الأمثل، وهو مانجح فيه المهدي بن تومرت إذ أبان عن حنكة وذكاء قل نظيرهما هيأ له كل شروط نجاح دعوته المنبنية على فكرة ملأ الأرض عدلا كما ملأت جورا .
الفصل الثاني : الخطاب الاسلامي وأليات التعبير عن الشرعية
ينطلق الباحث من خلال هذا الفصل الى عقد مقارنة بين حركة العدل والإحسان وتجربة المهدي ابن تومرت، سواء من حيث الممارسة والخطاب.
فعلى مستوى خطاب الحركة الاسلامية يرى الباحث أنه ينطلق من خلال إبراز صورتين نمطيتين للمجتمع، إذ يتم التأكيد على جاهلية المجتمع، والتي تعني في مدلولها العميق رفضا
لهذا المجتمع، ويعمل من جهة ثانية على تكوين وعي جديد يعيد إنتاج نموذج المجتمع
الإسلامي بالشكل الذي يعود بنا إلى زمن التأسيس / زمن النبوة .
فالانتقال من الجاهلي إلى الإسلامي أو من مجتمع الفتنة إلى مجتمع الإسلام حسب صاحب النص يجد جذوره في التصورات المهدوية التي يستقي مبرراتها من فكرة " نهاية العالم " أو " آخر الزمان وهو ما تعكسه البنية الدلالية لرسالة الاسلام او الطوفان التي بعثها عبد السلام ياسين الى الحسن الثاني والتي تندرج في اطار تقديم النصيحة والتي تتسم بكثافة تعبيرية ، تتضمن دلالة فكرية ورمزية تقوي بالإحساس والانتماء للجماعة التي تتبناه وفي نفس الوقت ترسم لديها معالم العدو الذي ينبغي تنحيته وتصفيته والقضايا التي ينبغي الاستشهاد من أجلها والمتمثلة في إقامة الخلافة على منهاج النبوة .
الفصل الثالث : المجال المهدوي
يواصل الباحث من داخل هذا الفصل اختبار مدى التشابه بين حركة العدل والإحسان وتجربة المهدي ابن تومرت، وذالك من خلال الوقوف على الارتحال وبنية التصوف التي يلتقي فيها كل من يدعي المهدوية و الذي كان له انعكاسات مجالية إذ تميزت مسيرة الارتحال بتشييد وعمارة المساجد فتشييد المساجد هو محاولة لاحتواء واحتضان المجال ، اذ ينبغي ان يحتل الوسط المركز ، وهذا بطبيعة الحال ما يؤكد مركزيتها ضمن مختلف الاستراتيجيات ، اذ بالإضافة الى كونها مكانا للصلاة ، فالمسجد يشكل مؤسسة عمومية وسياسية بامتياز ، ذلك لأن مختلف الوقائع التي طبعت الحياة السياسية تتم من خلاله ، ومن ذلك الخطبة التي تتضمن الاعتراف بالسيادة والبيعة التي هي عقد الولاء ، كما ان البيانات الرسمية وإعلانات البحث والمتابعة ... والضرائب .... كانت تقرأ من فوق من منبر المسجد ...، ومن فوقه ايضا تستعرض السلطة برامجها .
وهو الامر الذي استثمرته الحركات الاسلامية من خلال احيائها للمسجد وإعادته الى وظائفه التقليدية ،لكونه يعد مجالاً كبير الأهمية في بناء النفوذ؛ فيتم استغلاله في التربية والعمل الدعائي في مرحلة التأسيس، أو عبر الدعاية الواسعة بالبيانات، والمجلات، والمنشورات التي توزع على المواطنين و جعله ملجأ للفقراء والمحتاجين ليتحول مع مرور الوقت إلى قناة لتصريف تصورات الجماعة الإسلامية الاعتقادية ، وفرضها بالقوة في بعض الأحيان وهو ما يعرف بتغيير المنكر..
واختتم الباحث هذا الفصل بالحديث عن الزمن المهدوي الذي يستمد قوته من مخطط مسبق، يشكل فيه الارتباط بین الماضي كأسطورة والحاضر بوصفه تكثيفا لحالة الفتنة .
أو وضعا جاهليا السمة البارزة، ويتكرر هذا المخطط بطبيعة الحال في كل زمان، ويجد ما يبرره، ويدعم حضوره في الأذهان والتمثلات ،بحيث تشكل مرحلة النبوة النموذج، ثم في المرتبة الثانية مرحلة خلافة النبي، ليبدأ بعدها، وبعد انقضاء ثلاثين عاما من وفاة الرسول زمن آخر هو زمن الغربة حيث ستفسد الأحكام، وتموت السنن ويذهب الحق ويرتفع العدل ، إلا أن زمنا جديدا سيولد من رحم زمن الغرية وهو زمن المهدي أو زمن إمامة المهدي ، والذي يعتبر الإيمان بها " واجبا " إذ تعتبر ركنا من أركان الدين وعمدة من عمد الشريعة". وبهذه الكيفية يستكمل الزمن دورته، ويتم استعادة زمن النبوة ، حيث يصبح الزمن زمنا دائريا، أو بمعنى آخر زمنا أسطوريا ينتهي بقيام الساعة.
هو الأمر الذي يؤكده الباحث ويتم تداوله في خطابات العديد من حركات الإسلام السياسي، وبالأخص في أدبيات عبد السلام ياسين، إذ يؤكد على نوع من الحتمية التاريخية، والتي تعني الانتصار لهذا التصور، حيث يبدو أن هناك تشابهات في الترويج لنفس التصور الزمني، وإن كانت هناك اختلافات في التأويل، والتي لاتخضع بالضرورة لنفس الخطاطة، لكنها من حيث العمق تسعى إلى محاكاة نفس النموذج وهي نقطة تشابه مركزية، فالحاضر پرز كفتنة أو کجاهلية، بينما يوصف الماضي بنوع من المثالية الغارقة في الأسطورة، وبالأخص مرحلة الخلافة، والتي بالإمكان استعادتها في الحاضر .
هكذا يرى الباحث أن هناك انسداد في صيرورة التغيير السياسي بالمجتمع المغربي مالم تتغير المرجعيات المؤسسة للسلطة السياسية في المجتمع العربي الاسلامي والتي تعيدنا دوما للحظة التأسيس.
خاتمة الكتاب
أما عن خاتمة الكتاب فقد عمل فيها المؤلف على استخلاص الخطوط العريضة التي تضمَّنها هذا العمل؛ مُجْمِلَا إياها في في مجموعة من الملاحظات والخلاصات التي توصل اليها الباحث في رحلته المعرفية هاته ومن أبرزها كون التغيير الذي لا يقترن بالبنيات الذهنية والثقافية، ولا يقترن بسياق يؤسس لقيم أخرى، يعيد نفس الصراع التقليدي، وبأزمات قد تكون أكثر حدة. وعلى هذا الأساس يؤكد الدكتور بوطالب في دراسته، أنه من الضروري التفكير في تغيير البنيات العميقة، بالشكل الذي يرسخ ثقافة تجعل التغير أمرا مقبولا، والتداول على السلطة أمرا ممكنا، والاعتراف بالآخر المختلف سياسيا وثقافيا ودينيا وعرقيا أمرا مقدسا. عندئذ فقط يمكن فهم التغيير السياسي بوصفه انتقالا من وضع لآخر.
وفي ختام هذه القراءة المتواضعة والمقتضبة لهذا الكتاب القيم والممتع، أشير إلى أن صاحبه الأستاذ عبد القادر بوطالب ، قد ألم بأهم الإشكالات المركزية التي يثيرها التغير السياسي في المجتمع المغربي بلغة سوسيولوجية دقيقة على مستوى بناء موضوع البحث ومفاهيمه وأسئلته وبنيته الحجاجيّة ، وبذلك يكون كتاب " طبيعة السلطة السياسية وأليات التغيير في المجتمع المغربي ، مساهمة جادة وملتزمة وإضافة نوعية للخزانة السوسيولوجية المغربية والعربية .

عبد القادر بوطالب ، طبيعة السلطة السياسية وأليات التغيير بالمجتمع المغربي ، مطبعة الحمامة ط 1 ،2014 ص 14
نفس المرجع ص 23
نفس المرجع ص 25

نفس المرجع ص 38
نفس المرجع ص 51
صنفس المرجع 68
عبد السلام ياسين : المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص : 284
عبد القادر بوطالب : نفس المرجع ص 90
Pedro Chalmeta : « Fonctions urbaines et administration » in science sociales et phénomènes urbaines dans le monde Arabe », Casablanca , fondation du roi Abdul Aziz Al Saoud, 1997. P :61