الذكرى المئوية لميلاد مغنى الثورة -الشيخ إمام-

رياض حسن محرم
2020 / 5 / 23

من عمق هزيمة 1967 ولد صوتان غاضبان ليشعلا المرج ضجيجا، هما الشيخ إمام عيسى والشاعر أحمد فؤاد نجم.
كانت مصر تغلي ببركان من الغضب واالألم بعد هزيمة يونيو 1967. وفي فبرايرسنة 1968، خرج عمال حلوان لأول مرة في مظاهرات عارمة احتجاجًا على أحكام الطيران. شدّت هذه المظاهرات طلاب الحامعة فخرجوا هم أيضًا إلى الشوارع بأعداد ضخمة يهتفون ضد الفساد وضرورة التغيير، وحاولت القيادة السياسية وقتها إمتصاص الغضب، فألقى غبد الناصر خطابا قال فيه: عندما تصطدم الثورة مع الطلاب فهناك شيئ خاطئ "وأهمل ذكر مظاهرات العمال"، وأصدر بعدها "بيان 30 مارس" كخارطة طريق جديدة، . ثم هدأت الحركة حتى سنة 1970، وبرحيل عبد الناصربدأت موجة جديدة من الحراك الثورى في 1971 –1972 ثم في 1972 – 1973، "كانت الجامعات هى المحرك الأساسى لتلك الموجة" في حالة غليان وتفجرت مظاهرات الطلبة التى لا تهدأ. وبالطبع لم يتوانى نظام السادات لحظة لقمعها، فتم القبض على الكثيرين، وتواكب مع ذلك أيضًا إضرابات عمالية كبيرة خاصة في حلوان وبدأت في التصاعد بشكل ملحوظ في عام 1974؛ ثم اندلعت إضرابات أخرى واسعة في الإسكندرية بين قطاع عمال الغزل. وفي عامي 1975 و1976، قامت إضرابات عديدة في مناطق مختلفة: في شبرا الخيمة.
فى اطار هذه الموجات المتتالية من مختلف الفئات والطبقات خرج الشيخ امام ونجم بصوت شديد الغضب والرفض، ليحتصنهما مجموعة من مثقفى اليسار على رأسهم "رجاء النقاش" الذى هيأ لهما اقامة أمسية فنية بنقابة الصحفيين، ليتحقق لهم قدر من الشهرة والإنتشار، بعدها أصبحا أفيونة كل التيارات والقوى اليسارية والوطنية وفى المقدمة حزب التجمع الذى أتاح جميع مقراته فى مختلف المحافظات لحفلاتهم الغنائية، وأيضا حاولت مختلف فصائل اليسار احتذابهما كالحزب الشيوعى المصرى وجزب العمال الشيوعى"صاحب الشعبية الأكبر بالجامعة"، ولكن للأمانة فقد حافظ كلا من امام ونجم على الحياد.
شهدت تلك السنوات من تاريخ مصر مدًا نضاليًا مؤثرًا، وفي خضم هذه المعركة لعب نجم وإمام دورًا ثوريا، (على الرغم من أن الخلفية الاجتماعية والسياسية لكل منهما التى لم تكن تنبئ بأي نوع من الفن الثورى)، إلا أنهما تطورا كثيرًا في قلب هذا الصراع على أرض الواقع، من هنا صقل تمرد إمام ونجم من خلال الشعر والغناء. وتواصل تمردهم بتمرد الجماهير ضد الاستغلال، والتحم الشعر والغناء بمظاهرات الطلبة والعمال، وتفاعل كل ذلك مع توحش الطبقة الرأسمالية في سنوات السبعينات، ومظاهرات العمال، وانتفاضة 18و 19 يناير 1977، وهاجم الإثنين الأنظمة الحاكمة في مصر والعالم العربي، ونقدا الإمبريالية بعنف، وصارعا أشكال العنصرية والصهيونية، ودافعا كثيرًا عن المشروع القومي العربي. إندفع نجم وإمام نحو المعركة بكل قوّة حيث شدتهم على أرضيتها وأرضية الجماهير المستغلة، واستطاعا من خلال فنهما أن يدفعا فئات من هذه الجماهير للالتحام بالمعركة.
عندما بدأ نجم وإمام يلمعان في أوساط المثقفين والفنانين وبعض الأوساط العمالية والطلابية، وكان جليا بأنهما يقدمان فنًا مختلفًا عن السائد، فبعد احتفالية "نقابة الصحفيين" قاما بالذهاب إلى قرية كمشيش للغناء في ذكرى استشهاد "صلاح حسين" "الذى اغتالته يد االإقطاع " فى 30 ابريل "عشية عيد العمال"، بالإضافة الى ترديد الشيخ امام لأغنية "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا" المستفزة للنظام ولعبد الناصر الذى أمر بحبسهما واقسم أنه لن يفرج عنهما ما دام حى، وفى 28سبتمبر 1970 رحل عبد الناصر عن دنيانا فتم الإفراج عنهم، (وبالمناسبة فقد كتب نجم مرثية لعبد الناصر بعنوان " زيارة لضريح عبد الناصر، قال فيها:
(من دا اللى نايم وساكت
و السكات مسموع
سيدنا الحسين؟
ولا صلاح الدين ولا النبى
ولا الإمام؟
دستور يا حراس المقام
...
وإحنا نبينا كده
من ضلعنا نابت
لا من سماهم وقع
ولا من مرا شابت
ولا انخسف له القمر
ولا النجوم غابت
أبوه صعيدى وفهم قام طلعه ظابط
ظبط على قدنا وع المزاج ظابط
فاجومى من جنسنا
ما لوش مرا عابت
فلاح قليل الحيا
إذا الكلاب سابت
ولا يطاطيش للعدا
مهما السهام صابت).
لمع نجم وإمام أكثر في سنوات السبعينات بنقدهما الجارح لنظام السادات والطبقة الحاكمة وطبقة الرأسماليين الكبار والصغار، والطبقات التي اغتنت فجأة في سنوات الانفتاح. ولذلك، فقد تعرضا للسجن أكثر من مرة فى عهده، ولكنهما رفضا أن يهادنا في تلك السنوات، فقد كان الشارع المصري يغلي بمظاهرات الطلبة والعمال، وكانت الجامعات تمثل مسرحًا للحركة الطلابية التي شهدت مدًا كبيرا حينذاك، بالإضافة إلى انضمام الكثير من المثقفين والفنانين والكتاب اليساريين إلى صوت الطلبة والعمال، أيضًا الأشعار الحماسية والتحريضية التي تعبر عن إيمان إمام ونجم بالطبقات الكادحة من عمال وفلاحين والتفافهما حول المشروع القومي المصري والعربي ونصرة القضية الفلسطينية بشكل خاص، وإيمانهما بدور الطلبة والعمال في المعركة مع النظام وحرية الكلمة وشجاعة القلم. فكتب نجم مثلاً قصائد”يا فلسطينية”، و”احنا مين وهمه مين”، و”ياما مويل الهوى”، و”مر الكلام” و”عيون الكلام”، وغير ذلك الكثير، هذه القصائد وغيرها تُغنى بها الطلبة في المظاهرات، وفي المعتقل، والقيت وسط التجمعات اليسارية من مثقفين وفنانين وعمال. وقد ساعد على تفاعل الجمهور مع الشيخ إمام أنه كان يغني وهو يعزف على العود فقط بدون أية آلات أخرى فيما عدا الطبلة أو الرق أحيانًا، وكان من السهل جدًا أن يغني الجميع معه. كان هذا الغناء الجماعي الذي لا يتطلب صوتًا متميزًا أو مدربًا من أكثر الأشياء التي جعلت الجميع يغنون مع الشيخ إمام مثل الكورس.
ومع تنوع الأشعار والغناء والأهداف، تنوعت الألحان أيضًا. فتارة نجدها تعبيرية، وتارة تحريضية، مرة حماسية وهتافية، وأخرى هادئة وحزينة، وهكذا. استقى إمام الكثير من التراث الشعبي وطّعم به هذا الكلام السياسي واستطاع أن يقدم فنًا به الكثير من التميز والأصالة..السلام عليكم.