عن استمرار الدوران في الدائرة (1)

خليل قانصوه
2020 / 5 / 22

من البديهي أن الناس ليسوا راضين على الأوضاع المتردية وأنهم يلقون باللوم على الحكام في حين أن الأخيرين لا يظهرون ندما أو أسفا بل على العكس من ذلك يعتدّون بالإنجازات التي حققوها و التي ينوون تحقيقها . لذا نراهم يصرون على مواصلة العمل في " خدمة الناس " على حد زعمهم، و الأخذ بأيديهم إلى الأمام ، من نصر إلى نصر ( هزائم الدولة انتصارات القيادة )
يأخذك العجب إلى حد الذهول من هذه الازدواجية في ظاهر الأمر : حكام يتبارون في اطلاق التصريحات مفاخرة بما قدموا بينما الناس تلعنهم في سرها و تتهمهم بأنهم فككوا المجتمع الوطني و جعلوا الدولة مسخرة ، هزيلة متداعية . هكذا يبررون الانتفاضة ضد سلطة متآمرة في نظرهم ، و التمرد عليها . لعل ذلك يوفر الظروف الملائمة لمتغيرات جذرية في البلاد كفيلة بإطاحة سلطة غير شرعية بكل المقاييس ، استولت على الدولة و نهبت خزائنها و أفقرت السكان
لا حرج في القول أن هذه الصورة تنطبق و إن بفروق بسيطة استنادا إلى ما يتناهى إلى العلم ، على ثلاث بلدان موجودة في عين العاصفة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن . المقصود هنا العراق ، سورية ، و لبنان ، فمن المعلوم أن هذه البلدان غزيت و احتلت و نهبت و تعرض أهلها للمجازر و اجتذبوا إلى مصائد خبيثة فتباغضوا و تنابذوا و اقتتلوا فيما بينهم .
أضع هذه التوطئة تذكيرا بمعطيات مثبتة لا جدال حولها ، يعرفها القاصي و الداني ، كون ما يجري في البلدان المشار إليها أشبع وصفا و تمحيصا ، دون أن يؤدي ذلك من و جهة نظري إلى خلاصات عملية و اقتراحات غايتها الخروج من النفق . بناء عليه ، من البديهي أن هذا المسألة تستحق التفكر و الاجتهاد ، أي تفضيل البحث عن حلول و علاجات على تكرار الكشف عن أوجه انحلال أهل السلطة اذي صار معروفا أنه كالح .
ما أود قوله في الحقيقة هو التالي : إذا كانت السلطة مسؤولة ، أو انها تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية عما يجري ، فإن اقتصار البحث علي إظهار مساوئها لا يكفي ، و الدليل على ذلك أن هذه السلطة لم تتغير جوهريا منذ أن قامت الدولة ضمن الحدود التي و ضعها المستعمر بموجب اتفاقية سايكس بيكو 1916 ، بمعنى أن الأمور كانت ستسير على نفس المنوال لولا المتبدلات التي طرأت بمرور الوقت، داخليا على المجتمع الوطني ، و خارجيا على الصعيد الدولي . أي أن الناس في هذه البلدان يعانون في الواقع من انعكاسات العوامل الخارجية من جهة و من عجز و تقصير السلطة عن القيام بالدور المنوط بها من جهة ثانية . و التقصير هو في لبه مسألة ضمير و أخلاق
إن الموقف السليم من السلطة التي يتوافق الناس على نعتها بالانحلال ، هو في الظروف الدقيقة التي تحيط بالبلاد ، الانخراط في النضال من أجل اسقاطها و استبدالها و إلا انهارت الدولة و تلاشت ، و ضلّ الناس البسطاء و الجهلاء . أما إذا كانت المؤسسات الدستورية في الدولة مخدرة أو صماء أو مرتهنة ، فلا تتأثر أو تستجيب لنداء الناس وجب عندئذ ايقاظها و معالجتها و تحريرها .
ينبني عليه أن مستقبل القضية الوطنية يتوقف على الدور الذي تؤديه السلطة تجاه الدولة ومؤسساتها الدستورية فهذه هي بمثابة الدماغ و القلب و الرئة للكيان الوطني . ينجم عنه أن مرحلة تشخيص حالة السلطة ليست ملهاة متعددة الفصول إلى ما لا نهاية ، و أنما هي محطة قصيرة تمهيدا للانتقال إلى الإجابة على سؤالين اساسين هما : ما هي خطة النضال الوطني لكي تكون الدولة في خدمة الناس ؟ ما هو الخطاب الفكري التوعوي و السياسي القمين بأقناع الناس بهذا الخطاب ؟
لا بد من القول أيضا أن الدولة المرتهنة من السلطة تصير أداة بيد هذه الأخير لخدمة مصالحها على حساب الناس . دولة السلطة أو السلطات هي نقيض الدولة الوطنية الواحدة !