ذكريات العيد وحلوياته

أيمن زهري
2020 / 5 / 22

ترتبط ذكريات العيد لدي كلٍ منا بمجموعة من الممارسات التي لا يستطيع بعضنا الفكاك من أسرها. أمضيت سنوات الطفولة في مسقط رزسي في صعيد مصر حيث كانت الحياة بدائة وتختلف تمام الاختلاف عن حياة المدينة، وبالطبع عن حياة القاهرة وصخبها ومجدها. أرصد في هذا المقال بعضا من ذكريات القرية في ذلك الزمن البعيد. في أواخر الستينات وأوائل السبعينات لم نكن نستمتع في طفولتنا بما يستمتع به أبناؤنا الآن من تشكيلة غير محدودة من الحلويات والمقرمشات والشيكولاتات والعصائر. كانت الحياة بدائية إلى حدٍ كبير، وإيقاع الحياة بطيء، والملذات شحيحة، ولكن النفوس كانت أكثر رضا وقناعةً مما نحن فيه الآن. كانت حلوياتنا إما طبيعية مجانية من المزارع، أو صناعية تشتريها قلةٌ قليلةٌ من الأطفال من دكاكين القرية. كان من أهم حلوياتنا الطبيعية البلح الذي كنا ننتقيه من تحت أشجار النخيل، وكنا نأكله فَجَّاً أيضاً، وكان الأشقياء يتعجّلون نزوله فيقذفون أشجار النخيل بالحجارة لتساقط عليهم بلحاً فجَّاً في كثير من الأحيان، ورُطَباً جَنِيَّاً في بعض الأحيان. وكان أكثرنا جسارة يتجرأ علي صعود النخيل للفوز ببعض ثماره ومشاركتها مع الرفاق. لم أكن من فئة الأكثر جسارة لكنني أذكر أنني تسلقتُ النخيل عدة مرات رغم تحذيرات أمي الشديدة بعدم إرتكاب ذلك الفعل.

كنا نستمتع أيضاً بتسلق أشجار "النَبْق" لجمع بعض حباته أو قذفه بالحجارة كما كنا نفعل مع أشجار النخيل. بالإضافة إلى البلح والنبق كنا نصادف أحيانا نبات "عِنَب الديب" وهو نبات تشبه ثماره عناقيد العنب ولكن حباته أصغر كثيراً من حبات العنب ولون حباته الناضجة بنفسجي داكن يميل للسُمرَة، فنَلْتَهِم حباته التي تشبه في مذاقها ثمار "الحَرَنْكَش". بالإضافة الى ذلك كنا، وبلا إستئذان في حالات كثيرة، نسمح لأنفسنا بقطف بعض الثمار من الحقول مثل الخيار والفلفل الأخضر وأحيانا نأكل ثمار الباذنجان الفجة.

كانت الفاكهة في ذلك الوقت شحيحة ونادراً ما يشتريها الكثير من أهل بلدتنا إلا على فتراتٍ متباعدة، كانوا، عادة، يشترونها في المناسبات خاصة لعيادة المرضى. كان البطيخ والشمام يباعان بالقطعة في الشارع التجارى بالقرية لتكون متاحة لمن لا يمتلكون رفاهة شراء بطيخة أو شمامة كاملة، وكان من المعتاد أن تجد البائع وقد وضع أمامه قفصاً من الجريد عليه قِطع البطيخ أو الشمام، الواحدة بتعريفة (نصف قرش)، وكان من المعتاد لمشتري تلك القطع أن ينحت قطعة البطيخ كما تُنحت قطعة الشمام. في الحقيقة لم أكن بحاجة الى أن أسلك تلك المسالك وأنا إبن أحد موظفي القرية فكان أبي، رَحِمَّهُ الله، يشتري لنا الفاكهة من عند "عمِ شوقي سالم" بصفة دائمة. هذا بالإضافة الى أنواع الفاكهة الغريبة على القرية في ذلك الوقت التي كان يشتريها لنا من مدينة سوهاج، عاصمة المحافظة، مثل الجزر الأصفر، الذي لم تكن تعرفه غالبية أبناء القرية، وكذلك ثمار "الكاكا" التي تشبه الطمام.

بالنسبة للحلويات كان هناك نوعان، نوع يمكن شراؤه من الدكاكين والنوع الآخر يتم تصنيعه في المواسم والأعياد. الحلويات المتوافرة في دكاكين القرية كانت حصراً عبارة عن الدروبس – خاصة بطعم النعناع – والملبن وقطع الحلاوة الحمصية والسمسمية والحلاوة العلف – تشبه بالفعل علف الحيوانات لكنها مكونة من السمسم والسكر - وبسكويت "بسكومصر" والطوفي. ولم نكن وقتها نعرف شيئاً عن تاريخ الإنتاج وتاريخ الصلاحية، ولا أين أو متى تم تصنيع هذه الحلويات. هذه الحلوى، وإن كانت القطعة بنصف قرش، كانت عزيزة على نسبةٍ كبيرةٍ من أطفال قريتي في ذلك الحين.


النوع الآخر من الحلويات كان موسمياً يتم تصنيعه فقط في عيد الفطر المبارك وفي الأفراح والليالي الملاح. لا يذهب خيالكم بعيداً للبسبوسة والجاتوه والتورته والكيك، فكل تلك الأسماء كانت غريبةً على مسامع غالبية أبناء قريتي. الحلويات التي كان يتم تصنيعها في الأعياد والأفراح كانت عبارة عن البسكويت والكعك والغريبة، وكانت كالبسكويت والكعك والغريبة التي يتم تصنيعها الآن غيرَ أنها تُعَدُّ في البيوت بالسمن البلدي والدقيق البلدي، لذلك كان لها نكهة خاصة ورائحة زكية تنتشر في أرجاء القرية خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان وحتى إنتهاء أيام عيد الفطر المبارك. بالإضافة الي تلك المخبوزات، كانت بيوت القرية تخبز "الفايِش" وهو خبزٌ يشبه البقسماط كنا نغمسه في "الشاي بالحليب" كلَّ صباح.

كانت حلويات الأفراح هي ذاتها حلويات العيد يضاف إليها في بعض الأحيان نوع آخر يسمى "فطيرة أم الشعور"، ربما تكون من خصوصيات قريتنا والقرى المحيطة بها أو ربما تكون عادة أهل الصعيد الجواني بشكل عام. وفطيرة أم الشعور يتم تصنيعها من الفطير المصنوع من عجينة القمح والذي يتم تقطيعه لشعيرات تشبه الكنافة يتم وضعها في صينية مع كمية كبيرة من السمن البلدي ومحلول السكر، ويتم إنضاجها في الفرن البلدي لتصبح مثل صينية الكنافة ولكنها تمتاز عنها بدسامَتِها الزائدة وإمكانيه تخزينها لفترة أطول دون أن تفقد نكهتها المحبَبَة. كانت أسرة أمي في القاهرة تحب هذا النوع من الفطائر وكانت أمي تحرص على أن تُعِدّ كميات كبيرة منها ضمن ما تحمله من خيرات الصعيد لأُسرتها بالقاهرة.

كانت الأسرة الممتدة في قريتنا تحتفل في رمضان بتصنيع الكنافة منزلياً، وكانت أمي تشارك عَمَّاتي في إعداد كمية كبيرة منها مرة أو مرتين في رمضان. كانت أمي وعمّاتي يجتمعن في البيت القبلي المجاور لبيتنا لإعداد الكنافة وإعداد فرن خاص مصنوع من الطين، مثبت عليه صينيه كبيرة لإعداد الكنافة. بعد إعداد العجينة السائلة تتولى إحدي النساء حشو الفرن بالبوص وإشعال النار والحرص على إستمرارها مشتعلة بينما تتولى الأخرى صب العجينة السائلة على الصينيه الساخنة من خلال "الكوز" ذو الفتحات المُتَرَاصَّة بحركاتٍ بهلوانية كم سعِدنا بها، ثم ترفع القرص الطازج لتدهن الصينية بالزيت إستعدادا لصب العجينة السائلة مرة أخرى، وهكذا حتى انتهاء الكمية. هذه العملية منذ بدء الإعداد لها حتى إنتهائها كانت مناسبة إجتماعية سارَّة للكبار والصغار. كنا نلتهم كميات كبيرة من الكنافة قبل أن تنتهي هذه المناسبة ثم تأخذ كل أسرة نصيبها. نسيت أن أقول لكم أن بلدتنا لم تكن تعرف بعد "صواني الكنافة"؛ وكنّا نقتصر عادة على أكل الكنافة بصب الحليب الساخن عليها مع ملعقة من السمن وكثير من السكر.

كان تناول البلح المحفوظ في الأزيار والبلاليص وكذلك الفول السوداني والحلوى من ضمن طقوس عيد الفطر. وكُنّا ننتقل، مع الكبار، من بيت لآخر للمعايدة والاستمتاع بحلويات العيد. الفول السوداني لم يكن يقدم محمصاً أو مملحاً ولكن كان عادة ما يقدم منقوعاً في الماء. لم تكن أمي تنقع لنا الفول السوداني في الماء كما كانت تفعل عمتي "تفيدة"، فكنّا نحرص على عيادتها في هذه المناسبة للاستمتاع بالفول السوداني المنقوع. كانت طريقة إعداد الفول السوداني كما كانت عمتي رحمها الله تقوم بتحميص الفول السوداني بقشره في الفرن البلدي ثم تلقيه ساخنا في وعاء به ماء وملح ليلة العيد، وتتركه حتى الصباح قبل أن تقدمه لزوارها. أحببت هذه الطريقة واعتدت على إعداد هذا النوع من الفول السوداني كل عيد، ربما لأتذكر تلك الأيام الخوالي وأتذكر عمتي.