صفحة من التاريخ: مواقف ورجال.. قضية نوحا 1942

ابراهيم أحنصال
2020 / 5 / 22

النص من إنجاز الراحل الرفيق محمد بوكرين:

نوحا هو شيخ آيت حمزة من ملحقة تكلفت الذي حُكم بسنة سجنا عام 1942 لأنه رفض الترخيص للفرنسيين بتجنيد أفراد من قبيلته ليحاربوا إلى جانبهم ضد الألمان.

استدعى ضابط الشؤون الأهلية المعروف ب "إغيل" IRYL" شيوخ قبيلة آيت داود أعلي السبعة في شهر شتنبر من عام 1942. وقال لهم "إن المقيم العام والجنرالات والقواد والباشاوات سيحضرون، كالعادة، الاحتفال السنوي لتدشين مرعى مرتفع تينكارف Tingarf، وقد كلفني أن أبلغكم طلبه الذي سينفذ مع مجيئه: إن عدوا اسمه ألمانيا يريد احتلال بلدكم المسلم، وهذا العدو يقتل المسلمين والآن، وقد أشفقنا عليكم، سندفع لكم السلاح وأنتم تمدوننا بالرجال الشجعان الذين سبق لهم أن امتهنوا السرقة، ونحارب جميعا هذا العدو المشترك" فشكر الشيوخ الضابط إلا نوحا. فقال الضابط : "وماذا تقول أنت يا نوحا؟" فأجاب: ״لقد دخلتم بلدنا بالقوة وقاومناكم حتى النهاية، ولما غلبنا على أمرنا صرتم تحكمون والآن إذا احتلها عدو مكانكم فلا نستطيع مقاومته، لأنه لو كان في إمكاننا ذلك لبادرنا بإخراجكم قبل دخوله. إذن اذهبوا وقاتلوه، فان انتصرتم فستستمرون في احتلالكم لبلادنا، وإن كانت الغلبة له فسيأتي ليحكمنا بدلكم، ولهذا لن أعطيك رجالا للقتال. فليدخل العدو إن شاء ذلك״. غضب الضابط وانصرف الجميع، ثم رفع تقريرا لرؤسائه عما حدث.

بعد ذلك صار نوحا يشجع نظرائه قائلا׃ ″هذه المرة سأتناول الكلمة أمام المقيم العام، فإذا سألكم قولوا׃ نقول ما قاله نظيرنا نوحا″. وعلى هذا تم الاتفاق.
ولما جاء المقيم العام الجنرال نوكيس Nougues لتدشين المرعى، كالعادة، تناول الكلمة حول الموضوع. وقام كولونيل فرنسي بترجمتها شفويا إلى جمهور الأمازيغيين. عندئذ تقدم نوحا إليه ليؤكد ما قاله للقبطان إغيل Iryl وتراجع باقي الشيوخ عن موقفهم خوفا من بطش الجنرال.
غضب الجنرال شارل نوكيس والتحق بطائرة الهليكوبتر مع بقية الضيوف دون تناول وجبة الغذاء.

ومن جديد استدعى الضابط Iryl الشيوخ بعد شهر من الاحتفال، واستثنى منهم نوحا حيث ألزمه بيته. عندئذ قام أحد أفراد القبيلة بوشاية لدى الضابط ناصحا إياه׃ ″إذا لم تدخلوا نوحا إلى السجن فان الحرب ستنطلق من هنا ضدكم ″.
فلما بلغ ذلك نوحا أنشد يقول:

″أو اويو او لكبس نعطر أيبلس ///////// أو اويو او ورد شي نق خس أك يسود″
معنى ذلك׃(الواشي كمسدس العطار. يخيف ولا يقتل).

فلما سمع الشيوخ هذا البيت الشعري تدخلوا لدى القبطان الفرنسي ليسجنه، فلبي طلبهم . عندئذ أنشد الواشي بدوره يقول:

أو أو يو أو والله أرتسند إذ مكير ///////// أو أو يو او زكوسش د اغو إركل إدّ
معنى هذا:(و الله إنك لتعلم أنها حية الركام لما استدعاك وأغلق الباب عليك). وهنا يوجه الواشي خطابه إلى نوحا الذي وصفه بمسدس العطار ليؤكد له أنه أكبر من ذلك. اذ هو حية (أفعى) غادرة أو رصاصة قاتلة مادام قد استطاع إقناع المسؤول الفرنسي باعتقال الشيخ نوحا.

بعد ذلك، بدأ الناس من مختلف المشايخ يهجون نوحا.
وقال احدهم ׃
″أو أويو أوكرت تكلاي إنوحا سدوس أو أويو أو أد سفغ إششون سزما″
معنى ذلك׃(ضعوا البيض تحت نوحا ليفرخ بالنتانة) أي بالرائحة المبيثة المنبعثة منه.

عبر نوحا عن معاناته داخل الجدران بهذا البيت الشعري.
″أو أويواو أيلحر نو كركل إد ////////// أوأويو او أون تسر أرد يفو″
معنى هذا ׃(كم كنت أتألم كلما أغلق الباب وانصرف حاملا معه المفاتيح حتى الصباح)، ويتحدث نوحا هنا عن سجانه الذي يغلق باب السجن بشكل يومي طوال مدة الحبس. من الرابعة مساءا إلى السابعة من صباح يوم الغد مما يزيد من ألم السجين خصوصا مع غياب المراحيض وتوفر الحجرة على نافذة صغيرة الشيء الذي يسهل معه الاختناق وقت الحر ووو ....

رد نوحا على أعدائه بهذا البيت الشعري قائلا׃
″أو أويو أو أرشرغ لحبس أول دنغ ///////// أو أويو او أرسلغ إعرمن سكير″
ويعني بهذه العبارة׃(ما كنت سارقا إنما السجن من أجل كلمة قلتها .لن أزوده بالشباب ليحاربوا معه).

ورغم أن الترجمة تفقد الشعر، قطعا، جماليته. إلا أنها، على الأقل، تعبر عن فحوى خطاب وجدال يؤكد في جوهره أن لكل عصر خونته ومنبطحوه كما له أبطاله ورجاله، لكل ثورة ثورة مضادة. وأن التناقض هو ضامن من حركية التاريخ.

بقلم أكنول القريني

********************************************************

المقال/ النص الإبداعي أعلاه هو للمقاوم والمناضل الراحل محمد بوكرين نشره في مارس 2000، والذي وقعه الرفيق يومها باسم رمزي: أكنول القريني. فتحية إكبار واعتزاز بمعتقل الطغاة الثلاثة في مثواه الأخير، وسلاما عليه حين ناضل فأحسن وأبدع فأتقن. (ب.أ)