(هايشة الشيخ الجديد)

حميد حران السعيدي
2020 / 5 / 22

ربما كانت خطه من الدوله لتطوير الثروه الحيوانيه آنذاك ، لذا شجعوا الفلاحين على شراء الأبقار المهجنه بأصول أوربيه وإستراليه ذات الصفات الأنتاجيه الجيده وكانت إحدى هذه الأبقار من نصيب (مزبان) رئيس جمعية (أم البطنج) حيث عقد صفقة شراءها مع الجهه المعنيه وعاد الى القريه على أمل أن تصله البقره بعد أيام حيث تتكفل تلك الجهه بإيصالها ، ومنذ يوم عودته صارت وصايا( الحكومه) حول العنايه بالبقره هي موضوع حديثه الرئيس مع سكان (أم البطنج) مما حفز أهل القريه على إنتظار الوافد الجديد بلهفه ... وفي عصر يوم خريفي وقفت سياره زرقاء مكشوفه عند الموقف المعتاد للباص الخشبي ولاحظ أحد أبناء القريه تلك الكتله الكبيره البيضاء المبقعه باللون البني تستقر في الجزء المكشوف فهب من فوره راكضا بإتجاه بيت (مزبان) مرددا بصوت مرتفع (وصلت وصلت عمي ابو فاخر وصلت أريد البشاره وصلت) ، سمع أهل القريه صوت الهاتف المبشر بوصول الهديه السنيه فهبوا من فورهم نحو موقف الباص وكل منهم يُمني النفس بأن يكون أول من يراها , جسام الذي إعتاد على النوم عاريا خرج من بيته كما ولدته أمه وحمد الله وشكره أن لم ينتبه له أحد لأن الأبصار كانت متجهه صوب السياره الزرقاء فعاد لبيته مسرعا ليرتدي مايستر به عورته ، (مزبان) أو (الشيخ الجديد) كما تُسميه (إفطيم) خادمة الشيخ القديم و(الريس) كما يُطلق عليه أعضاء الجمعيه كان أخر من خرج من بيته بعد أن أكمل هيئته بلبس الزي (المشيخي) وأصلح لفافة التبغ ووضعها في (مشرب اليسر) وبدأ بنفث دوائر الدخان وتوجه نحو سائق السياره مُتظاهرا بإنشغاله بالضيف الآدمي تاركا لأهله وسائر أهل القريه الأنشغال بالوافد الجديد ذو القوائم الأربع والعجل المرافق له .

تكفل (عوده) بمهمة إنزال البقره (الأسترانيه) كما شاع أسمها بين أهل القريه نقلا عن (الريس) خلال أحاديثه التي سبقت يوم وصولها , (عوده) بصفته أحد حاشية الشيخ السابق يُجيد التعامل مع سكان القريه بمتراكم خبراته وأراد أن يكون هذا اليوم مناسبة لإعلان ولاءه (للريس) , وقف عند مؤخرة السياره والتفت نحو (الشعب) طالبا منهم (الصلاة على النبي) ثم أردف (عين الحاسود بيها عود) وطلب من (خير الله) أن يأتيه (بحبل) ...ركض الفتى من فوره فرِحا بهذا التكليف قاصدا دار أهله ليجلب (الحبل) , حين دخل الدار لاهثا إنتبه (جده) لهذا الدخول المريب فتوجس خيفة متصورا إن الفتى قد دخل بمشاده وأنه يبحث عن سلاح فصاح به :

- (إشعندك بويه خير الله خو ماكو شي) ؟

-(أريد حبل للسترانيه وصلت)

هز الشيخ يده ساخرا مُرددا :

الحمد لله ألف الحمد لله الوادم كلها مخبوصه على هايشة (مزيبين) شنه كحيله طبت للعرب إشمالكم ماتستحون ؟

-(جدي كل وكت وإله جني وكت الكحيلات راح وهذا وكت جني السترانيات ومزبان ابو فاخر ريسنا لاتگول عنه مزيبين)

وصل الحبل على متن (الطائر الميمون) وطلب عوده من إثنين من الشباب مساعدته بربط البقره من رأسها وطلب من الثالث أن يُمسك بذيلها وتمت المهمه بنجاح ووطأت قوائم (الأسترانيه) أرض (أم البطنج) وسارت بخطى ملكيه نحو بيت (الريس) محاطة بهالة من الحفاوه من جميع سكان القريه بإستثناء (إفطيم) والشقيقان (فهيد وسنيد) حيث كانا يُراقبان المشهد عن قرب وهما جالسان ... أمعن (فهيد) النظر فلاحظ أن (السترانيه) كبيرة الحجم قياسا بحجم الأبقار المحليه وكان (ضرعها) منتفخ كدلاله على غزارة محتواه من الحليب فالتفت نحو شقيقه متساءلا :

-(خويه سنيد أبو فاخر يگول ذوله باسترانيه لايصلون ولايصومون وشوف ربك مطيهم حلال هم أكبار وهم حلو وهم حليبه هوايه واحنه نصلي ونصوم وحلالنا مدگور عود ليش ؟)

-(إحمد الله وإشكره يفهيد عدنه وادم تصلي وتصوم صدگ وهالضال هوشنا على حاله واذا الصلاه والصوم مثل صومك وصلاتك هوشنا يصير أزغر من الأرانب ) .

حين مرت الجموع المحتفيه بضيف القريه أمام بيت (إفطيم) صاحت بأعلى صوتها (إلعب بيها يمزيبين حتى الهوش يودونه الك من الولايات البعيده) .