آثار التباينُ الفكري والثقافي الذي طرأ على المُجتمع العراقي بعد 2003!

بكر محي طه
2020 / 5 / 22

لاشكَ بأن ثورات الربيع العربي وتغيير الأنظمة، كان لهُ دوراً فعال في نشر مفهوم الديمقراطية الحديث، والتي تتوجه نحو حرية إبداء الرأي، وحرية التعبير والإنتماء، لكن بشرطٍ مهم وهو أن لا تتعدى على حريات الغير، تحت غطاء الحرية التعبيرية للفرد أو الافراد أو حتى المؤسسات، لكن للاسف لم يهتم مُجتمعنا العربي بشكل عام، والعراقي بشكلٍ خاص، بأهمية الحدود في التعبير عن الآراء، بل وصارَ كل من يخالف الرأي المطروح يُواجه الإنتقاد الحاد والتهديد، إذا ما وصل الأمر الى القتلِ، ويعود السبب الى قلة / ضعف الثقافة المجتمعية، كذلك التمسك بالموروث والذي يصدف بأن يكون غالبيته مبني على الحكم المُسبق للأحداث من جهة، وحداثة مفهوم الديمقراطية التي دخلت وغزت البلدان العربية والعراق من جهةٍ أخرى، فبعض الشرائح المجتمعية مازالت غير مستوعبة للحرية، كونها مازالت تعاني من سنوات الحكم الدكتاتوري، والذي مسح الشخصية الإختيارية لهم وإستبدلها بشخصية الطاعة العمياء، ولأجيالٍ عدة، الأمر الذي إستغلهُ البعض ممن يُحسبون على الدين أو السياسة، لأغراضهم الشخصية أو لتحقيق مصالح إقتصادية مهولة من ذلك، بسبب شخصية الطاعة العمياء والتي تتخذ من شرائح مختلفة من المجتمع أرضيةً خصبةً لها.
الأمر لايتوقف على جهل المجتمعات أو تجهيلها المُتعمد، بل يتوقف على مدى تقبل هذه الشعوب للتغيير الجذري لنمط حياتهم، بحيث يكون لهم حرية التعبير والإختيار بعيداً عن الضغوط والمُمارسات المُمنهجة لتغيير سلوكهم تجاه موضوعٍ معين، فبالمُقابل نجد بأن هناك فئات أخرى من المجتمع تواقة ومُتعطشة للحرية لتمارس حياتها بكل شفافية، وبعيدة كل البعد عن التزمت بالآراء، وتحترم حريات الغير ولا تنتقص منها، وتدعوا الى التطور ومواكبة الأحداث، وتسعى لان تكون سباقة في المبادرات.
إلا إن مُجتمعاتنا برغم تباينها الفكري والثقافي إلا أن الفئة الاولى والتي تمثل جزء مهم من النيسج الإجتماعي، مازالت تُعرقل سير الحياة وتقدمها، برغم المجال الفسيح أمامهم، إلا إنهم مازالوا يعيشون عُقدة الدونية والشخصية المطيعة بلا رأي -قطيعٌ بشري- يتبع أياً كان، ومهماً كان غريباً عنهم، المهم هو الصواب والبقية جميعهم على خطأ، وإن التعرض بالرأي المعاكس أو المُخالفة لما يُبديه هذا الغريب أشبه بالكفر والألحاد، ومعروفٌ مصيرُ من يفعلها!!!!،
حيث إن أقوى سلاحاً يستخدموه هو الغدر وتشويه السُمعة، فيما عدا السب والشتائم من ذُبابهم الإلكتروني، وهاشتاكاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصل بهم الأمر حتى من أزال الغمامة عن عينيه وأبصر الواقع المرير الذي يعيشهُ، وطالب بأبسط حقوقهِ وهي (الحياة الكريمة)، يُخون وينسب ولائهُ للنظام القديم، فيما عدا عمالتهُ لبلدٍ أجنبي وجوكرتهُ، في حين هم أول الناس من كان يهتف ويرقص للنظام القديم كونهُ أستفاد منهُ، والتاريخ يعيد نفسهُ اليوم مع نفس الوجوه، لكن بمسمياتٍ جديدة وإنتماءاتٍ مُتشعبة، والاغرب هو الرأس الكبير وحاشيته هم من يستفاد والرابح الوحيد في اللعبة، الفرق سابقاً كانوا مُجبرين مُكرهين على الطاعة أما اليوم فهم يلهثون على طاعة الغريب.
إن الديمقراطية التي كانوا يحلمون بها جاءت إليهم من أمريكا وأوربا والتي يصدف بأن أغلب السياسيين ورجال الدين ذو النفوذ اليوم المُعارضين سابقاً، يحملون جوازات سفر تلك البلدان، والتي يدعون للثورة ضدها، تحت مسميات (الشيطان الأكبر) والكفار وووو... الخ، العجيب ليس في من يُصدق، بل في من يندفع وكأنه شأن أسرته وليس شأناً عام!، ليذهب في حروب ودهاليز مظلمة لايعود منها أبداً كونها صُممت لهذا الغرض مُسبقاً، الحرية التي كانوا عطشى فقط لقول كلمة (لا) من خلالها، أصبحت تترجم الى أفعال أخرى، أفعال عدائية جداً ومقيدة للحريات الأخرى، بل صار أمر واقع علينا التعايش معهُ بالغصب لا بالإختيار، وغير قابل للنقاش، ولكن لو تمهلنا قليلاً أليس هذا الواقع كان مرفوضاً سابقاً كونهُ يسلب الحريات الشخصية، وحق الإختيار، ويضيق الخناق على بعض (المعتقدات الدينية) وغيرها من قبل النظام القديم!!، إذاً ما الذي جعل التاريخ يُعيد نفسهُ مع العلم بأنه الطبقة الواعية سابقاً كانت خجلةً بعض الشيء مُقارنةً بالطبقة الحالية الواعية التواقة للحرية الحقيقية لامجرد شعارات رنانة!!،
إن الإجابة بسيطةٌ جداً وهي طالما كان الإنسان لايريد تقبُل الحرية العقلية (الفكرية) قبل الجسدية، ولايود أصلاً المحاولة لتقبلها فلن ينفع معهُ تغيير نظام الكواكب وليس نظام الحكم وحسب، لأن الانسان هنا قد إختار مُسبقاً بأن يكون عبداً مُطيعاً لا سيد نفسه، مُتحملاً قرارته الشخصية لأنهُ كيان بحد ذاته، ليتعلم من أخطاءهِ السابقة، فبدل ذلك جلب وتمسك بالاخطاء الماضية، وكأنه لاحلول غيرها في مواجهة مشاكل اليوم، والكارثة إن هذه الفئة المطيعة أو مدعية الحرية، تزداد رقعتها الجغرافية بظل الفقر وقلة التوعية والاهم آفة الجهل، والتي باتت تأكل الاخضر واليابس من عقول الناس، ولعل السبب الأهم هو حالة اليأس التي صارت تُخييم على الشارع العراقي، بسبب الوضع الراهن من تعاقب حكومات مابعد 2003، الى الأن، لكن لاخوف طالما هناك جيلٌ واعي ومُثقف أخذ بزمام الأمور، نحو حرية التعبير والديمقراطية الحقيقية، وهو يتوسع برقعتهُ الجغرافية، تحت شعارٍ واحد غلبَ الدين والمذهب وحتى الإنتماء العشائري، إلا وهو (نريد_وطن)، أي منزل يضم الجميع بلا إستثناء، يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، ليعيشوا فيه مُكرمين جميعاً لامُحقرين.