دمج المصارف بين المضمر والمعلن...لعب الطوائف على أطراف الهاوية

سعيد عيسى
2020 / 5 / 22

ما الذي يقنع اللبنانيين اليوم، أو بالأمس، أو حتى مستقبلا، أنّ شيئًا ما، هو في طور التغيّر إيجابًا في مساراتهم الحياتيّة، بعد الذي يشاهدونه بأمّهات أعينهم، أو يُغافلون به، يسمعونه، أو يُحاك لهم في السرّ، علانية أو خفاء، من قبل مدبّري أمورهم في السّلطة.

واحدة من التّكايا (مفردها تكيّة، وهي بمنظور العامّة ما يتكأ عليها الفرد في راحته) المطروحة في ورقة الحكومة الاقتصادية هي دمج المصارف، أو على ما يحلو لبعض "التكنوقراط" تسميتها تلطيفًا، من باب العلميّة "إعادة هيكلة المصارف"؛ وحجّة الحكومة في ذلك، أنّها (أي المصارف) أذاقت النّاس الأمرّين، نتيجة الحجر الذي مارسته على أموالهم، وعلّتها في ذلك حفظهم (المودعين)، دَرْءًا لهم، وخوفًا عليهم، من باب التبذير، فالله لا يحب المبذّرين؟

ما أن طرح الموضوع، حتى هبّت المصارف للدّفاع عن مصالحها، رافضة المسّ بها، وناسفة لخطة الحكومة عن بكرة أبيها، مستخدمة ما لها من علاقات ماليّة وغير ماليّة داخليّا، وخارجيّا، راسمة حدود المسرح الذي يمكنها (الحكومة) الّلعب فيه، مستحضرة حقوق الطوائف وحصصها (حتى ولو لم تعلن ذلك على الملأ) التاريخيّة في هذا القطاع، نظير كلّ شيء في لبنان، معتبرة أيّ مسّ به، هو مسّ بجوهر لبنان، تاريخًا وأصالة.

المصارف التّجاريّة المطروحة لإعادة الهيكلة يبلغ عددها ٢٨ مصرفا، وحسب خطّة الحكومة يفترض تنزيلها إلى النّصف من خلال الدّمج، أي إلى ١٤ مصرفا، ويُنشَأ على جانبها بين ٥ أو ٦ مصارف جديدة، برأسمال جديد، وأموال جديدة من مموّلين ومستثمرين جُدُد" لكنّ المصارف المنوي تحجيمها (إعادة هيكلتها)، تتوزّع حسب الطوائف كالآتي: ١٢ مصرفا يملكها مسيحيّون (موارنة وروم)، ٨ مصارف يملكها سنّة، ٣ مصارف يملكها شيعة، ٣ مصارف ملكيتها مشتركة بين السّنّة والمسيحيين، مصرف واحد يملكه دروز، ومصرف يشترك بملكيته سنّة مع دروز، وفي حال تمّت عمليّة الدّمج، فسيكون الخاسر الأكبر المسيحيّون والسنّة، وهنا بيت القصيد، ومن هنا باب الرّفض المطلق، والتشكيك بعمليّة الدّمج وإعادة الهيكلة، واتّهام للحكومة (غير معلن إنّما ضمنيّ) بخلخلة الصّيغة اللبنانيّة، وبالطوائف وحقوقها، وتغيير المعادلات القائمة، خصوصا إذا ما تملّك أكثرية المصارف المنوي إنشاءها أفراد من الطائفة الشيعيّة.

ما يبدو شأنًا ماليّا أو مصرفيّا، أو الإثنين معا، واحتجاجًا على عمليّة الدّمج وإعادة الهيكلة، ورفضه، هو في جوهره احتجاج طوائف تقابل بعضها بعضا، إنّما من أبواب المصارف وجمعيتها، لذلك تبدو على ما هي عليه من قوّة وبأس، ولها في ذلك سند داخليّ وخارجيّ؛ وما يبدو خطّة مجترحة لحلّ الانهيار المالىّ، هو في جوهره لعب على أطراف الهاوية بين الطوائف، والحكومة إحدى وسائله؟