مايحدث في مصر الآن : تعايش مع المرض أم إبادة جماعية؟

أمين المهدي سليم
2020 / 5 / 19

العبارات تصبح هامة أو خطرة أو مخيفة بقدر ماتحمل من معاني أونوايا، وهذه العبارة بدأت في التردد بكثرة وخاصة على ألسنة الأطباء اللذين يشكلون مع أطقم التمريض رأس الحربة المنهك، ودون أي دعم من النظام العسكري الحاكم في مواجهة وباء كورونا، بل وعلى العكس هناك تشكيك وعرقلة يومية من الحكومة لهم، واهمال صرف مستحقاتهم المالية، التى هى أصلا على حد الكفاف، ووصل الأمر لتهجم بعض كلاب الأجهزة المخابراتية المسعورة الجرباء من نواب برلمان المخابرات وأبواقهم في الإعلام، والأخطر في وزارة الصحة نفسها التى تقودها ممسحة بيادة تافهة ومعتوهة ورخيصة. ناهيك عن محاولة تخريب مهنة الطب والصيدلة معا، وتهجم مسخ وطفيل عسكري سام من مايسمي الأكاديمية الطبية العسكرية على مجلس نقابة الأطباء "المنتخب" واستدعائهم لهذا الكيان الأجوف الهدام.

منذ بدأ الوباء في الانتشار عالميا في نهاية العام 2019، بدأت في مصر حزمة رسمية من السياسات والقرارات والسلوكيات تتبلور كلها وعلى نحو منهجي ومبرمج في اتجاه التهوين من المرض أمام أخباره الخارجية، والتوجه الدعائي الغوغائي الأجوف فيما يتعلق بالمواجهة، بينما الاستعداد شبه صفري، والأكثر رخصا وخسة أن النظام العسكري بدأ في اعتبار الوباء فرصة للتربح واستغلال المدنيين في الداخل والخارج، وسرقة السيولة من جيوبهم بجشع يصل إلى حد الجنون، حتى أنهم وجدوا في العالقين في الخارج فرصة لتشغيل واحدة من أفشل شركات الطيران في العالم وهى مصر للطيران، بل وتشغيل فنادق معينة على حساب فئات متعبة أصلا. وكانت ذروة السفه ارسال معونات طبية إلى دول ليست فقط ثرية ومتقدمة بل وتهزأ من سفالة عسكر مصر ونفاقهم تحت قيادة السفاح العاهر الخائن السيسي.

وعندما بدأ الوباء في التغلغل في مصر بدأت لعبة تزييف الأرقام، بل أنني أعتقد أنه لاتوجد أصلا عملية جدية للحصر ومتابعة مستويات الانتشار، بجانب تزييف تشخيص الوفيات، واهمال متعمد لمتابعة المخالطين، وغياب وجود خطة جادة لمكافحة الوباء، وغياب اسلوب محدد أو معروف للعلاج، والأهم عدم وجود أماكن أصلا للعلاج.

لاأعتقد أنه من المبالغة التوصل إلى عدة استنتاجات من هذه المعطيات :

أولا : أن اهمال البنية التحتية للصحة والعلاج والتعليم، وتخزين الميزانيات المعروفة والسرية في المقاولات والخرسانة والكباري والطرق الرديئة، ومشاريع سيسي العبثية في قناة السويس ومدنه المشبوهة وقصوره السفيهة، بجانب الامتيازات الجنونية الممنوحة للجيش، وممارسة الجباية من المدنيين خارج كل أنواع المنطق، وتخريبه لكل هياكل الإنتاج والاقتصاد المدني وفي مقدمته القطاع الخاص قاطرة التنمية الوحيدة، وسلوك اسرته الجرابيع، كل ذلك كان متعمدا ومبرمجا.

ثانيا : أن المقصود مباشرة الآن هو توطين الوباء في مصر كي يحصد أكبر عدد من المصريين، خاصة المدنيين، ضمن برنامج ضخم كتبت عنه مرارا هدفه إنهاك المجتمع المدني وتخريب كل أنواع الرفض والمقاومة فيه، ولهذا البرنامج جوانب متعددة منها نشر نسخة دينية وأخلاقية منحطة وجبانة ومتطفلة ومنتهكة لكل الخصوصيات والحريات الاجتماعية والمبادرات الشخصية والفردية الابداعية بكافة أنواعها، بجانب سحق همجي وحشي غير مسبوق للحريات السياسية والفكرية، وبناء شبكة هائلة من السجون ومعسكرات التعذيب والقتل والاعتقال، وإظلام إعلامي كامل، مع أضعف شبكة إنترنت في العالم وأعلاها تكلفة.

عندما قال كيسنجر في مقابلة شهيرة صادمة مع الدورية البريطانية المتخصصة المرموقة ديلي سكويب The Daily Squib في 27 نوفمبر 2011 في معرض تصوره للنظام العالمي الجديد، أن إسرائيل ستقتل أكبر عدد من العرب، يومها قلت لنفسي هذه نهاية الرجل الطبيعية وهى "الخرف" بعد عمر مديد، لأن الأمر لم يكن منطقيا، ولكن الآن كم تبدو مقولة الرجل منطقية، عندما يقوم بهذا القتل الجماعي عصابات وشبكات مافيا ضخمة مسلحة على هيئة جيوش عربية محشوة بالجواسيس واللصوص والبلطجية والخونة، وفي مقدمتها منظومة جاسوس الفالوجا عبد الناصر حصاد مولده وعمره المجهول الغوغائي الملوث، والتى لم تكن سوى تأسيس شبكة من أحصنة طروادة هدفها الحرب على الشعوب العربية وعلى انتمائها للإنسانية، وهذه الأحصنة الغادرة هى جيوش يوليو وبناتها السبعة، أي مصر وسوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا والجزائر ومنظمة التحرير. الأيام السوداء على مصر والعرب لم تأت بعد، وهى للأسف محنة مستحقة، لأن الإنسان كائن معرفي، وعندما يقصر في استهلاك المعرفة والعلم، ويعجز بالتالي عن إنتاجهم يجد نفسه معاديا للحرية والعقل والتعايش والتنمية والسلام، وينتهي به الأمر إلى الاستسلام للكراهية والقبح والشر، وفي النهاية يخرج من عضوية الجماعة البشرية وبالتالي يخرج من التاريخ إلى مكب النفايات. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي