أغلب المستقلين شرفاءٌ مخلصون .

يوسف حمك
2020 / 5 / 19

كتب السيد khalil kerro على صفحته الفيسبوكية بالحرف : " أنا أحسد (( المستقلين )) . لا أحد يستطيع محاكمتهم سوى وجدانهم ."

و تعليقاً على هاتين الجملتين كتبت السيدة nagham draie بالحرف أيضاً : " المستقل هو شخصٌ جبانٌ لا مبدأ له ، يجيد القفز في كل الجهات . "

لا خلاف لنا مع ما كتبه السيد خليل كرو . بل نوافقه الرأي تماماً ، و نشد على يديه تطابقاً فيما ذهب إليه .
أما السيدة نغم دريعي التي علقت بعنفٍ و تحاملٍ ، بوضعها كل المستقلين في سلة الجبن و خانة الانتهازية ، دون أن تستثني منهم ولا شريفاً واحداً .
فعتابنا عليها لعدم كتابتها كلمة ( بعض - أو معظم - أو الكثير .)
هذه الكلمات الثلاثة تنفي مفهوم الكلي للمجموعة ، لتأكيد الجزئي .
غير أننا لسنا بصدد شرح و تفسير القضية الفلسفية لعلم المنطق حول علاقة الكل بالجزء .
لكننا نقول للسيدة : لو أنها كتبت : بعض المستقلين جبناءٌ لا مبادئ لهم ، فهم يجيدون القفز في كل الجهات . - أو معظم المستقلين جبناءٌ .... - أو الكثير من المستقلين جبناءٌ ..... إلخ
لأغلقت على نفسها باب النقد من الكثيرين ، و وفرت علينا جهد الرد أيضاً .

فالمستقل يا سيدة نغم دريعي كما قصده السيد خليل كرو : هو الشخص الذي ليس له انتماءٌ لحزبٍ ، يترقب أخطاءه فيحاسبه . ولا مسؤول له يترصد عثراته فيؤنبه . ولا تكليف له لمهمةٍ من قبل غيره ، إن تقاعس في أدائها فيوبخه . كما ليس له ارتباطٌ ملزمٌ بهيئةٍ أو مؤسسةٍ ، إن بدر منه ما لا ينسجم مع مبادئها ، أو أبدى رأياً مغايراً لنهجها ، فعاقبته بالتوقيف أو الفصل أو الطرد أو دفع الغرامة المالية أو حتى خصم الراتب .

لا أحد يوكله عملاً ، لا يرغب بإنجازه . ولا سلطة تفرض عليه التعامل مع فئةٍ يبغضها ولا يطيقها . كما لا يتعرض لاختبارٍ في ذكائه و طاقاته ، كي يرتبك و يتلعثم ، فيداهمه القلق و الاضطراب .
هو بغنىً عن ضغوط الواجبات المفروضة عليه مكرهاً .
لا ارتباط له بموعدٍ مرغمٍ ، ولا توتر من لقاءٍ غير مثمرٍ ، أو جفاءً من حوارٍ مخيبٍ للآمال . أو ابتلاءً بمسؤولٍ أحمق غير كفءٍ - وما أكثرهم ، فهم بعدد شعر رأسك - .

و بما أنه عاقلٌ ناضجٌ ، فهو يعرف ما عليه من مسؤولياتٍ فرديةٍ و اجتماعيةٍ و قوميةٍ - طوعيةٍ و غير حزبيةٍ أو مؤسساتيةٍ - تجاه الأفراد و الوطن و المجتمع .
و بناءً على ماسبق : فالاستقلالية هي التمتع بنعمة الحرية ، كما إدراك معناها الحقيقي ، و التلذذ بطعمها الطيب .
حتى العمل الحر الخاص به ، يدفعه لأن يتصرف بحريةٍ و بلا قيودٍ . وهو خيرٌ من العمل تحت إمرة أحدٍ يجعل نفسه سيداً عليه .
كما يشعره بالارتياح و انشراح الصدر أكثر من ارتباطه بعملٍ حزبيٍّ أو مؤسساتيٍّ ، يضيق خناقه بتوجيهاتٍ روتينيةٍ و مواعظ مملةٍ .

هو مستقلٌ أي تحركاته ذاتيةٌ ، و تصرفاته كيفيةٌ ، و اختياره للشيء بإرادته .
لا مسؤول يسيره ، ولا مدير يرأسه ، ولا قائد يذله أو يقلل من شأنه ، ولا رزمةً من البنود يكبله ، ولا أيديولوجية تضخ أفكاراً في رأسه على أنها هي الصائبة وليس سواها .
هو مستقلٌ أي : هو معتدلٌ بفكره دون تقليدٍ ، و بآرائه حرٌ لا يتقيد بما يملي عليه ، فلا دائرة مرسومةً حوله ، ليشعر بالحرج للخروج من طوقها .

سيدتي نغم : معظم المستقلين كانوا حزبيين شرفاء - لا متحزبين - و كانوا يشعرون بوخز الضمير لعجزهم عن تحقيق مطالب الجماهير ، و إصلاح ما يجب إصلاحه .
كان نضالهم يذهب سدىً ، و كفاحهم غير مثمرٍ يذهب أدراج الرياح .
و إن قال أحدهم : كان عليهم مواصلة النضال لتذليل العقبات و إزالة التعثرات ، و تصحيح المسار .
فنرد عليهم : لا طاقة لقلةٍ من الشرفاء في مواجهة كثرةٍ من الفاسدين و الانتهازيين ذوي النفوذ داخل الحزب . و ناهيك عن الارتباط الخارجيِّ ، كون ملف الأحزاب دائماً في جعبة الدول الإقليمية و القوى العالمية .
شعورهم بالإحباط من النضال الخائب و الصراع مع رفاق الدرب في الحزب الواحد على المناصب و المنافع و النفوذ - فصراع الرفاق ضد بعضهم أشد شراسةً مع الأعداء - يجعل المخلص منهم بغنىً عن ذلك ، و ناهيك عن أن تعداد الأحزاب بعدد النجوم - فيخرج من الحزب مكرهاً محبطاً ، لا خوفاً و جبناً كما أدعت السيدة نغم ، فمبدأ الأخلاق مزروعٌ في نفسه لا يبيعه لكنوز الدنيا ولا يسترخص روحه لقاء نفوذ الكون كله ... بعكس الكثير من الحزبيين و المتحزبين ، تجار المبادئ البارعين بفنون القفز في كافة الاتجاهات - بحسب تعبير السيدة نغم - و السياسيين الذين لا يراعون ذمةً في سبيل مصالحهم .
معظمهم متلونون لا يثبتون على لونٍ ، يميلون دائماً حسب منافعهم .
الفساد مهنتهم و القتل ، الوعود الكاذبة و تشويه الحقائق دون برهانٍ استرتيجيتهم ، أما وظيفتهم فتأجيج عواطف الجماهير بالخطب الحماسية و إثارة المواضيع القومية بالتضليل لاجتذابهم طمعاً في الوصول للسلطة و المال و النفوذ .

باسم الشعب دائماً ، وبلسان الكادحين بل و الأمة كلها يتكلمون دون أي توكيلٍ أو تخويلٍ من أحدٍ .
أجنداتهم خارج سياق الوطن ، و ممارساتهم تسير في مجرى مصالحهم .
هزائمهم متواصلةٌ ، و خيباتهم متتاليةٌ ، و فسادهم معلنٌ ، و انكساراتهم على قدمٍ و ساقٍ .
كما السواد الأعظم منهم مدَّاحون للظالم ، مطبِّلون للمستبدين و الطغاة ، و لبائعي الأوطان مصفقون ....
حقاً إنهم لو يفلحوا إلا في جمع الثروة و تكديس المال ، وخلق الفوضى و الانقسام و التفكك ، و تشريد الناس و تهجيرهم و تجويع العباد ، و دمار البلدان و بيع الأوطان .

أما المستقل المسكين فماذا يملك من نفوذٍ لينهب و يهدم ، أو قوةٍ ليقتل و يشرِّد ، فيبيع الأوطان بأرخص الأثمان ؟!!!