اشتياقات أصيلة نفقدها في خضم الزيف والصخب

نوال السعداوي
2020 / 5 / 18


حين يمتلئ الإنسان بالطعام بعد الأكل، لا يتحدث عن الطعام. فالإنسان لا يتحدث عن شىء شبع منه.


إذا كان الإنسان خاليا من الفضيلة، ظل يتحدث عنها ليلا ونهارا. قال لى أبى وأنا طفلة: «إذا سمعتِ إنسانا لا يكف عن الحديث عن استقامة الأخلاق، فاعلمى أنه خال منها، والإناء الخالى يا ابنتى له صوت عال، أما الإناء الممتلئ فصوته هادئ».

صوت أبى كان هادئا، لم يسمع الجيران صوته أبدا. لم يرتفع صوته على صوت أمى. كان يجادلها بصوت هادئ، وتجادله بصوت هادئ. الرأى النهائى للعقل والمنطق والعدالة، وليس رأى الأب أو رأى الأم. تدرب عقلى منذ الطفولة على التحليل وليس على التسليم. وأذناى تعودتا على صوت أبى الهادئ.

تصورت أن كل الرجال أصواتهم هادئة، لا يرفعونها على أصوات زوجاتهم. أول رجل فى حياتى مرتفع الصوت كان زوج خالتى. سمعته يقول لها بصوت عال يسمعه الجيران: «أنا الرجل، ألا تعرفين ما معنى الرجل؟». خالتى واقفة أمامه صامتة لا ترد. ملامح وجهها تشبه ملامح أمى، لكن رأسها ليس مرفوعا، وفى عينيها دموع. لم أر أمى تبكى أبدا، وحين مات أبوها لم أر فى عينيها دموعا.

ارتدت ثوبا لونه أسود، وعلقت صورة والدها فوق الجدار. جاءت إلينا خالتى ذات يوم وقالت إنها انفصلت عن زوجها بالطلاق، ملامح وجهه ضاعت من ذاكرتى، لكن صوته المرتفع ظل فى أذنىَّ.

تصورت وأنا طفلة أن صوت الزوج المرتفع فى البيت يكفى للطلاق. فى الليل كنت أسمع صوت تشنج خالتى المكتوم، تنظر إلى صورة والدها المعلقة فوق الجدار، جفناها وارمان، عيناها تشوبهما حمرة، صدرها يعلو ويهبط، وأنفاسها فى أذنى كالهمس: «الله يرحمه، أخرجنى من المدرسة وليس لى وظيفة وليس لى معاش، تحوطها أمى بذراعيها قائلة، بيتنا بيتك وطعامنا طعامك». أبى يعمل طول النهار ويعود حاملا كيس البرتقال. يعطى خالتى البرتقالة الأولى، ثم أمه وعمته برتقالتين، ثلاث

برتقالات لأخته وولديها، برتقالة لى وبرتقالة لأخى، سبع برتقالات لأخوتى الصغار، والبرتقالة الأخيرة تأخذ أمى نصفها وهو يأخذ النصف الآخر.

يوم الجمعة، يأتى الأقارب لزيارتنا. يمتلئ البيت بالأطفال. نجرى ونلعب ونأكل الحلوى. ترتفع فى الجو صيحاتنا وضحكاتنا، نقفز على السرير إلى جوار خالتى، نصعد على ظهر أبى وهو يصلى، نلتف حول جدتى التى تحكى لنا القصص، نتخاطف الحلوى من يد أمى، تغمرنا عمتى بالقبلات، أخى يعزف على العود ويغنى، وفى رمضان نسهر حتى الفجر. فى الشتاء نلتف حول المدفأة، نأكل عين الجمل، ونشوى أبو فروة. وفى الصيف نذهب إلى البحر.

منذ الطفولة، أحسست دفء الأنفاس، والبيت الملىء بالناس، ومائدة الطعام وحولها الكراسى الكثيرة، وأمى تعد الطعام، أشم رائحة الزبدة المقدوحة قبل أن أصل إلى البيت، أجرى وفى يدى حقيبة المدرسة، أدق الباب بيدى، أسمع من وراء الباب صوت أمى، يقفز قلبى ثم يهبط، أتذكر أن أم صديقتى ماتت، فهل ستموت أمى أيضا؟.

هذه بعض من ذكريات الطفولة التى لا أنساها. ولاحظت أننى كلما كبرت فى العمر فإننى أعود أكثر إلى هذه الذكريات، وأنها، إلى جانب كتاباتى، تشكل رصيدى الثمين الوحيد فى الحياة، لا يمكن لأحد أن يسحبه، وأنها الملكية الخاصة بى، لا يمكن لأحد أن يصادرها بقرار.

منذ الطفولة وأنا أتساءل: هل يمكننى أن أكتب فوق الورق كل ما أشعر به دون خطوط حمراء، دون خطوط من أى لون؟. مع مرور السنوات، اكتشفت أن ما يحدث لنا فى مراحل الطفولة هو أكثر ما نحاول كتمانه، وإخفاءه، وأكثر ما يتعرض لمقص الرقابة الداخلية، أو الرقابة الخارجية. دائما كنت أحاول، منذ بدأت أمسك بالقلم بين أصابعى، أن أتذكر طفولتى، أعايشها من جديد، أتأمل أحداثها، أستعيد مشاعرى وأفكارى الطفولية. كانوا ينتقدوننى لأننى أكتب عن هذه المشاعر والأفكار الذاتية،

ولأننى أهتم كثيرا بالتحديق فى مرآة طفولتى. فالكتابة عن ذواتنا، بشكل عام، تعتبر فى مجتمعاتنا، كتابة فى الدرجة الثانية، مهمشة، غير مفهومة، وفى بعض الأحيان تكاد تكون محرمة. لكننى كنت مؤمنة بأن معرفتى للواقع المعاش فى اللحظة الحاضرة، بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، ليس ممكنا بدون الرجوع إلى أسئلة الطفولة، ومشاعر الطفولة المكبوتة، أو التى أعبر عنها.

واكتشفت أن الأسئلة «الطفولية»، التى شغلتنى وأنا طفلة صغيرة، هى نفسها الأسئلة التى صاحبتنى فى مراحل النضج الفكرى، الأسئلة الباحثة عن الحرية وعن العدالة.

كما أن القضية، كما أراها، هى ليست الكتابة عن الطفولة أو عن الحاضر أو عن المستقبل. القضية هى كيف أكتب عن الطفولة أو الحاضر أو المستقبل. هل الكتابة تضيف إلى وعينا؟. هل تضىء دربا كان مجهولا؟. هل تثير صدقا مفقودا، واشتياقات أصيلة كدنا ننساها فى خضم الزيف والصخب؟.