تضاعف الاجهزة الاستخبارية في العراق وتجاوزاتها وتخادمها

سعد السعيدي
2020 / 5 / 17

من نتائج سقوط النظام السابق حصول تضاعف غير مسبوق لاجهزة الدولة الاستخبارية. ولا يختلف اثنان حول اهمية الاجهزة الاستخبارية في الحفاظ على امن البلد. لكن الامر البديهي والمتفق عليه هو ان يكون امر اي جهاز استخباري واضحا للجميع. اي ان يكون واضحا ومعرفا عما تكون غاية هذا الجهاز فيما يجب ان يقوم به وما لا يجب، والاهم مرجعيته وكيفية استرجاع الحق العام منه عند تجاوزه عليه. ولهذا الامر من الاهمية بالنظر الى التجارب المريرة التي جرت مع الانظمة السابقة واساليبها. إذ ان من الواضح بان ثمة من يريد الاستمرار بالعمل وفق هذه الاساليب. ولا يمكن تحديد اي من هذه الامور من دون قانون يعرّف هذه الاجهزة ويوضح عملها ومرجعيتها وشروط اصطفاء قادتها. ومن حقنا كمواطنين معرفة سبب تزايد هذه الاجهزة في البلد والغاية منه وسبب غياب القانون المحدد والمعرف لها. فغياب القانون يسهل من استغلال هذه الاجهزة حسب مشيئة ورغبة الجهة المسيطرة عليها في القيام باعمال لا علاقة لها بامن الدولة. وهو ما يعكس الفساد السياسي ويشير الى نفس دكتاتوري.

تغطي هذه المقالة اجهزة الاستخبارات المدنية فقط لا العسكرية. ادناه الاجهزة المدنية مما نعرف منها للآن:

1- مستشارية الامن الوطني : تعرف ايضا باسم المجلس الاعلى للامن الوطني او جهاز الامن الوطني. القانون الذي ما زالت تعمل وفقه هو امر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (68) لعام 2004 المبتسر غير المصوت عليه في مجلس النواب. ولا يبدو للآن وجود ارادة نيابية لغرض سن قانون يستبدل الامر الذي سنه المحتل.

ومستشارية الامن الوطني هذه ليست جهاز استخباري كما يمكن تصوره، وإنما جهة تقييم للاوضاع الامنية العامة يستمد معلوماته من الاجهزة الاستخبارية ووزارات الدولة. وهو يهدف كما نعتقد الى احاطة رئاسة الوزراء بهذا التقييم مع تقديم الاستشارة اليه كما هو مذكور على موقع المستشارية. نقول كما نعتقد لاننا لم نرى تطبيق هذا الكلام خلال تظاهرات العام الفائت. إذ قد قام رئيس المستشارية فالح الفياض باستغلالها لاغراض وغايات ليست من ضمن عملها. فقد اشير اليه في الاعلام وفق مصدر أمني رفيع بتورطه بعمليات اختطاف وتعذيب لناشطي التظاهرات من دون مذكرات قضائية مع التعتيم تماما على هذه العمليات. والفياض وفق نفس المصدر هو أحد أبرز من أطلق تهديدات بقمع التظاهرات والمساندين لها في مؤتمر صحفي قال فيه إنه يعرف الأطراف المؤججة للاحتجاجات وسيلاحقها ويبطش بها "وفق القانون". هذا العمل هو خرق للدستور في المادة (9) الذي يقول بحيادية الاجهزة الامنية في اي صراع سياسي داخلي، وان لا تكون اداة لقمع الشعب العراقي. ويحتل الفياض منصبا حكوميا أخر فضلا عن هذا هو رئاسة هيئة الحشد وهو ما لا يجوز حسب القانون.

2- وكالة وزارة الداخلية لشؤون الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية : هذه الوكالة هي احدى اهم اركان الوزارة وهي مذكورة في قانون وزارة الداخلية رقم (20) لعام 2016. تدعي هذه الوكالة حسب ما مذكور على موقع الوزارة بانها تختص بجمع المعلومات من خلال المصادر السرية والعلنية لغاية المساهمة في تحقيق الأمن الداخلي الاتحادي. وقد ذكرت مكافحة الارهاب من ضمن مهامها. ويمكن الاطلاع على كامل ما ذكر حولها على موقع الوزارة. السؤال هنا هو لما كان احد وظائف هذه الوكالة هو مكافحة الارهاب، فما تكون اذن خلية الصقور الاستخبارية؟

3- خلية الصقور الاستخبارية : يقع مقرها قرب مطار بغداد. تاريخ تشكيلها غير معروف، فقد ظهرت اخبارها لاول مرة خلال فترة الحرب على داعش. غير واضح ايضا غاية تشكيل هذه الخلية. إذ تدعي هي ايضا مكافحة الارهاب. فهل ان وكالة الوزارة الآنفة غير كافية، ام ان ثمة اهدافا اخرى من تشكيلها؟

لا يذكر قانون الداخلية ولا اي قانون آخر خلية الصقور هذه، وهذا مما لا يجوز. اي لا يجوز استحداث جهاز استخباري من دون قانون يثبت مرجعيته ويعرف عمله والغاية منه. وإلا فسيسهل استغلال الجهاز حسب مشيئة ورغبة الجهة المسيطرة، وسيستخدم في اعمال غير مشروعة. وإنشاء الاجهزة الامنية بالسر خارج القانون وتركها سائبة بلا مرجعية تراقبها هو بالضبط لغرض القيام بمثل هذه الاعمال. يلاحظ بان هذه الخلية الغامضة الاهداف والمرجعية قد ظهرت في الاعلام بنفس فترة التصويت على قانون وزارة الداخلية تقريبا. ولا يمكن ان لا يستنتج في امر تشريع قانون الوزارة بنفس وقت التغاضي عن تشريع قانون الخلية من عدم تقصد هذه الفوضى. وهو ما يأخذنا الى مجلس النواب الذي واضح انه قد حنث باكمله بالقسم الدستوري في امر هذا التشكيل الاستخباري. وحنث به مرة اخرى لدى ايلاء قيادته الى من يشغل منصب حكومي آخر هو قيادة عمليات هيئة الحشد الشعبي. إذ لا يجوز لاي شخص حسب القانون شغل منصبين امنيين مثل هذين، عدا عن الاسئلة الاخرى المتعلقة بولاء شاغل المنصبين هذا.

يقود هذه الخلية المدعو ابو علي البصري، واسمه الحقيقي هو علي عدنان إبراهيم محسن المحسني. وهو من قدامى قيادات منظمة بدر العسكرية وكان أحد أعضاء الهيئة المركزية للمجلس الأعلى. وقد شارك قبيل سقوط النظام السابق بتأسيس مجموعة عقائدية جهادية تحت عنوان (التجمع الإسلامي) ممولة من قبل (فيلق القدس) يقودها قاسم سليماني. وكانت تقوم بالتطويع ونشر "الدعوة الإسلامية وفق عقيدة ومنهج الولي الفقيه". وقد شارك كذلك بانشاء مؤسسة اخرى لاحقا هي (دار القرآن) تنشط في مدن العراق الجنوبية وبغداد وتعتبر أحد أكبر المؤسسات الثقافية الناشطة التابعة لهيئة (مبين) لنفس الفيلق اعلاه. وبهذا يكون البصري الذي يترأس جهازا امنيا استخباريا خارج القانون قد كان مسؤولا بواسطة هذه المؤسسات الاسلامية عن نشر التطرف الديني في العراق.

تدعي الخلية مكافحة الارهاب مثلما يجري الايحاء به في الاعلام. بيد ان لدينا شكوكا من ان لها اهدافا اخرى كالتضييق على الحريات العامة بحجة مكافحة الارهاب. فقد اشارت الاخبار الى مشاركة الخلية في رصد متظاهري البصرة خلال تظاهرات صيف العام 2018 تمهيدا لاعتقالهم. وكالحال مع مستشارية الامن الوطني يخرق هذا العمل الدستور في مادته (9). وبسبب غياب القانون الذي يحدد عمل هذه الخلية واهدافها ومرجعيتها لن يمكن محاسبتها واسترجاع الحق العام منها لدى تجاوزها على القانون. وغياب هذه المرجعية مع غموض الاهداف وصمت مجلس النواب هو مما لا يجوز في دولة تعتبر نفسها دولة قانون. إذ تعيدنا الاجهزة الامنية الغامضة الصلاحيات الى فترة ممارسات النظام الدكتاتوري السابق.

4- جهاز المخابرات المسمى بالوطني : ساكت عن اختراق اجهزة الدولة ووقوعها بيد اشخاص يوالون بلدان اجنبية.

هذا الجهاز هو الجهاز الاستخباري الرسمي الاقدم في العراق. وقد قام الامريكيون باعادة العمل باسلوب النظام الدكتاتوري السابق لدى تنظيم اركان الدولة الجديدة حين اعادوا في الدستور ربط جهاز المخابرات برئاسة الحكومة بدلا من الداخلية. بهذا الربط يكون خاضعا لهذه الرئاسة ومسؤول امامها حصرا ويأتمر بامرها بدلا من الداخلية. ولو ان الجهاز قد اعيد للاخيرة، لما كنا قد حصلنا على تضاعف لاعداد الاجهزة الاستخبارية. رئيس الجهاز هو احد اعضاء مستشارية الامن الوطني.

لجهاز المخابرات قانون مهيأ فشل تشريعه عدة مرات في الدورات النيابية السابقة، وفشل مرة اخرى في التصويت النهائي في الدورة قبل الحالية. وفد حصل هذا الفشل بسبب خرق بنوده للمادة (40) من الدستور في مجال الحريات العامة وتصارع القوى السياسية للسيطرة عليه. وقد اعيد تأجيل طرح القانون الى الدورة اللاحقة (الحالية) حيث قد عاد الى مجلس شورى الدولة حسب الاخبار.

ترأس جهاز المخابرات بعد سقوط النظام السابق عدة اشخاص دانوا جميعهم بالولاء للمحتلين. وآخرهم هو مصطفى الكاظمي الذي اصبح رئيسا للوزراء مؤخرا. ولا يقل تاريخ الكاظمي سوادا عن تاريخ اقرانه في الاجهزة الاخرى. إذ نشر الكتاب والناشطون في الاعلام الكثير من هذا التاريخ.

يعرف الكاظمي قطعا هوية الطرف الثالث الذي ذكره وزير الدفاع السابق، ومعه يعرف اماكن السجون التي يحتجز ويغيب فيها المتظاهرين، عدا عن جرائم اختطاف جهازه هو وهذا الطرف الثالث للمواطنين من دون اوامر قضائية. ويعرف ايضا هوية مرتكبي الجرائم السياسية كتزوير الانتخابات وحرق صناديقها واغتيال الكتاب والناشطين، ومرتكبي جرائم ضرب الاقتصاد الوطني مثل التي في المنافذ الحدودية وحرائق المحاصيل الزراعية، عدا عن مهازل انتحال البعض لصفة منتسب في جهازه لاستخدامها في تهريب المخدرات. ويعرف قبل هذه هوية مرتكبي التفجيرات الارهابية في مدن العراق كما عن جرائم اخرى ثقيلة مثل جرائم سرقة ارشيفات الدولة والاخرى الثقافية التي هي ممتلكات تعود للدولة والشعب، وغيرها من جرائم اختراق حواسيب وهواتف المواطنين. وكل هذا هو غيض من فيض حيث لا يمكن ان يستمر الى ما لا نهاية. غير واضح إن كان يمكن اعتبار هذا السجل خدمة للبلد خصوصا مع غموض علاقة الكاظمي برؤوسائه. لكن ربما يكون هذا تحصيل حاصل إن اخذنا بنظر الاعتبار الجهة الدولية التي اتت بالكاظمي الى جهاز المخابرات والتي اطلت برأسها بعد حصوله على الثقة في مجلس النواب كرئيس للوزراء.

من الصعب تصور عدم تعرض اي من الاجهزة الامنية المتضاربة المصالح والاهداف اعلاه لبعضها البعض وعدم لجوئها الى التآمر ضد بعضها البعض. لكن بموازاة هذا الصراع لا يمكن ايضا استبعاد حصول توافق بينهما. فتتخادم الجهة الماسكة بجهاز المخابرات مع الماسكة بالداخلية ومعها قطعا المستشارية وخلية الصقور. فتصمت الاولى عن تغاضي الثانية عن التصدي للارهاب وانهائه بشكل حاسم بدليل ما نراه من استمرار الفساد والعمليات الارهابية في المحافظات المحررة. وتتساهل الجهة الثانية عن تغاضي الجهاز نفسه عن استمرار الجرائم الاخرى المذكورة اعلاه دون معالجة وحلول.

وتكون كل هذه الاجهزة الامنية قد استبدلت الحفاظ على امن البلد بالتلاعب به لخدمة مصالح مرجعياتها الاجنبية المسيطرة عليها. ويكون الكل رابح وسعيد من وجود الكل. ولن نثير امر الامن والدفاع النيابية التي يسيطر عليها الصدريون الذين لم نعد نستطيع تمييز الجهة التي يقفون فيها. إذ لا يبدو على هذه اللجنة المفترض بها مراقبة الاجهزة الامنية انها معنية بتكاثرها وسقوطها بالتالي بيد جهات دولية متخادمة.


مصادر المقالة:

قانون مستشارية الأمن الوطني
امر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (68) لعام 2004
https://nsa.gov.iq/page/2/incorporation-law

رعب "السيارة السوداء".. من يختطف الناشطين المتظاهرين ويغيبهم؟!
http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2446

قانون وزارة الداخلية
http://arb.parliament.iq/archive/2016/07/28/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9-2/

وكالة شؤون الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في وزارة الداخلية العراقية
https://moi.gov.iq/index.php?name=Pages&op=page&pid=109

"بدري" مخضرم على "ولاية الفقيه" .. من هو أبو علي البصري؟
https://ultrairaq.ultrasawt.com/%D8%A8%D8%AF%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%AE%D8%B6%D8%B1%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%8A%D9%87-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%9F/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9

نص قانون جهاز المخابرات
"بالوثائق" أحرار العراق ينشر نص قانون المخابرات ( السري) والذي يخول السلطات الأمنية التنصت على الهواتف
http://www.alforat.info/index.php?page=article&id=39142

مشروع قانون جهاز المخابرات العراقي
https://www.tellskuf.com/index.php/mq/63145-de68.html