سعيد كاباري لك الرحمة

صالح بوزان
2020 / 5 / 16

قبل أن أدخل إلى صلب الموضوع أريد القول أن المطرب الشعبي الكردي (Stranbêj) كان له دور متميز في الحفاظ على اللغة الكردية وفلوكلورها، وجعل الشبيبة تتعلق بها ذاتياً ودون توجيهات وشعارات. وبالتالي يستحق هذا الكردي إلى تقدير كبير. فقد لعب دوراً قوميا أكثر من أغلبية الأحزاب والساسة والكتاب الكرد. ولهذا مهما كان الموقف السياسي للمطرب الكردي غير مقبول، فإنه بالمقابل ناضل ببسالة من خلال فنه لنهضة الوعي القومي الكردي.
ومهما تكن آراؤنا مختلفة حول سعيد كاباري فإنه يبقى أحد المناضلين بصوته من أجل شعبه. لا يمنع هذا القول أن ألفت القارئ إلى ما انتشرت من تعليقات متناقضة بعد وفاته في الفيسبوك. وبإمكاني حصر المعلقين في ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى اعتمدت على الخلفية السياسية للفنان الذي بنى كل مواقفه السياسية على موالاة قادة أربيل، ولا سيما السيد مسعود البرزاني. وهذه المجموعة هي أيضاً على نفس الخط السياسي للفنان وللمجلس الوطني الكردي. وبالتالي قامت بتضخيم الفنان سياسياً وفنياً لدرجة ضاعت علينا الحقيقة. المجموعة الثانية، وهي على خط حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي قللت من أهميته الفنية وهاجمته سياسياً، لأن الفنان صرح في فيديوهات علنية كلاماً غير معقول عن هذين الحزبين.
أما المجموعة الثالثة، فهي من عشاق صوته ولحنه وأغانيه. هذه المجموعة عبرت عن مشاعرها وقناعاتها بعيداً عن السياسة. لكن أغلب كلماتها جاءت على نمط الشعارات الحزبية باستخدام مصطلحات غير واقعية مثل "امبراطور الغناء الكردي".. وما شابه ذلك. وقد سبق أن قالوا مثل هذا الكلام عن المرحوم سعيد يوسف قبل شهر. في النتيجة سنضطرّ للقول أنه يحق للعاشق ما لا يحق لغيره. فكاباري بالنسبة لهم بهذا المستوى.
لم أقرأ أي رأي جاد يقيم كاباري فنياً ويحاول تعريف الناس بأهمية فنه. وهذا نقص كردي ليس على هذا الصعيد فقط، بل كذلك على صعيد الموسيقى والأدب بكافة فروعه.
أقرّ أنني أعرف القليل عن هذا الفنان، ومن خلال ما نشر محبوه وموالوه من فيديوهات لأغانيه بعد وفاته وكذلك ما نشر منتقدوه بعض تصريحاته السياسية، تكونت لدي صورة أنه شخص بسيط سياسياً وثقافياً وحتى فنياً. لم أستطع تميزه بين مطرب أو فنان. أقصد أنه مغني فطري، وليس لديه نمط خاص في التلحين. أما سياسياً فأميل إلى أن هناك من دفعه ليصل إلى مستوى تشبيه حزب الاتحاد الديمقراطي والعمال الكردستاني بداعش. ويبدو لم يكن لديه صديقاً مخلصاً لينصحه بأن هذا التشبيه من صنع المخابرات التركية وبعض المعارضين السوريين الأكثر شوفينية وليس كلهم.
أصارح القارئ أنني لا أستذوق هذا النمط من الغناء، ولذلك لم أستمع له كثيراً في السابق. زد على ذلك أنني في الحقيقة لا أمتلك معرفة نقدية فنية حتى أقيم هذا الفنان. فكل ما أملكه على هذا الصعيد أن أشرح لماذا أحب هذه الأغنية ولا أحب تلك، ولماذا أحب هذا الفنان ولا أحب ذاك. قد أقنع القارئ بشرحي وقد لا أقنعه. ومع هذا، فذوقي لا يقلل من مكانة سعيد كاباري كمطرب شعبي كرس حياته للغناء الكردي، وله جمهور واسع.
أريد استغلال مناسبة وفاته، وكل الرحمة له، لأقدم شعوري تجاه الفن الغنائي الكردي الشعبي السوري، لا أقول "رأيي" لكوني لست ناقداً فنياً كما سبق القول.
لدي احساس أن أغلب الفنانين والموسيقيين الكرد في كردستان ايران وتركيا لديهم قدرة متميزة في الابداع الفني، سواء على صعيد الفلكلور أو الغناء الحديث أو اللحن أو الموسيقى. لا يسعون إلى تكرار التراث الكردي الكلاسيكي، وإنما يبثون فيه روحاً عصرية دون أن يفقد الفلكلور لباسه القومي الشعبي، بينما أغلب المطربين والفنانين الكرد السوريين يكررون الفلكلور كما هو. أقصد أنهم يكررون ما أبدعه القدماء. أكاد لا أفرق كثيراً بين ألحان محمد شيخو وسعيد يوسف وكاباري. إنهم يمتلكون أصواتاً جميلة ولكن قلة الابداع. لا شك أنني أستثني محمد شيخو لكونه وضع أساس الغناء الكردي السوري، وخاصة النمط الذي يحبه كرد الجزيرة. وبالتالي ممكن اعتبار محمد شيخو مدرسة. ينطبق معيار هذا على المرحوم باقي خضو المطرب الكوباني المشهور. لم يكن صوت باقي خضو جميلاً في الحقيقة، وربما أنا الذي لم أكن أستذوقه. لكنه أوصل التراث الكردي الشعبي إلى كل بيت في منطقة كوباني وسروج في كردستان تركيا. وبالتالي ممكن القول أن هذا الانسان الذي كان من أصول عربية له دور في انماء الشعور القومي الكردي في المنطقة من خلال التراث.
عندما أستمع للمطربين والفناني الكرد السوريين أشعر أنهم يلهثون وراء كلمات الأغنية ولا يستطيعون غالباً تحويلها إلى كائنات حية من خلال صوتهم ولحنهم. وكذلك بالنسبة للموسيقى التي يستخدمونها. فهي الأخرى تلهت وراء صوتهم. بمعنى آخر ليست الموسيقى مفتاح أغانيهم وإنما الصوت هو مفتاح الموسيقى. أي أن الموسيقى تبقى تابعة للصوت.
ربما يسألني أحد القراء ماذا تعني "تحويل الكلمات إلى كائنات حية"؟ سأشرح لكم رأيي بشكل بسيط. منذ عام نشر أحد الأصدقاء فيديو لمطربة كردية شعبية أعتقد من كرد تركيا تغني أغنية "kederê":
https://www.youtube.com/watch?v=LHTLYz39tJk
لا شك أن الكلمات بحد ذاتها مليئة بالحسرة، ولكن نلحظ تلاحم حزن معاني الكلمات مع نغمة الصوت الحزين، وكأن ملحناً متمكناً وجه المطربة أن تغني الأغنية بهذا النمط. فكم هو بارز الانسجام في الأغنية بين اللحن والصوت والكلمات، ليخلق هذا الهرموني فضاء خيالياً يستطيع أي مستمع أن يتخيله من خلال احساسه الذي يصبح جزءاً من التراجيديا المفتوحة للحزن النازف.
عندما أستمع لكرابيتي خاجو تصيبني حالة ذهول. فحسب علمي أن هذا المغني الأرمني الأصل كان مجرد انسان بسيط، ربما كان راعياً، ولم يتخرّج من أي معهد موسيقي أو غنائي. لكن ما يلفت الانتباه في غنائه ليست الكلمات فقط، رغم قيمتها التراثية العريقة، وإنما كيف يقود بإبداع صوته ويطوعه لروح الكلمات ومعانيها. يأتي التنوع في طبقات صوته ليجعله بديلاً عن الموسيقى، وكأن لديه حس مغني الأوبرا دون أن يعرف في حياته ما هي الأوبرا، وربما لم يستمع إليها يوماً.
كان المطرب الشعبي الكردي يتلاعب بمهارة بطبقات صوته ليقترب إلى النمط الأوبرايي، فتشعر معه وكأن الابداع الفني الشعبي يسكن خلف حسه الفطري. إنه يقوم بدور قائد الأوكسترا لصوته. هذا الابداع واضح عند عارف جزيري وكاوس آغا وتحسين طاها. وأعتقد أن هذا الجانب الابداعي في الغناء الفلكلوري الكردي جعله فناً تراثياً متميزاً في المنطقة.
أريد أن ألفت انتباه القارئ إلى هذا الصوت العميق الذي يغطي الجبل والوادي ويتسلق أمواج الهواء ليطير بعيداً في سراديب معاني كلمات الأغنية التراثية. هذا الصوت لا يختلف في أدائه عن أي مغنية أوبرا في أوروبا. لو كانت هذه الفنانة تحت رعاية أي بلد أوروبي منذ صغرها لكانت اليوم من أشهر مغنيات الأوبرا.
https://www.youtube.com/watch?v=1jxTJJi5im8
سأورد نمطاً آخر يعتبر قفزة نوعية في الغناء الكردي عند الفنانة العظيمة (حسب قناعتي) Pervin Chakar وهي تغني أوبرا "Ay Dîlber "
https://www.youtube.com/watch?v=IgzIwbU_gq8
كثيرون من الفنانين الكرد لحنوا وغنوا هذه الأغنية التراثية الجميلة بكلماتها المشبعة بالعواطف الملتهبة. غير أننا نجد أنفسنا مع بروين شاكر أمام روح ابداعية تخلق حالة خشوع صوفي تجاه الكلمات والصوت والموسيقى السيفوني. لقد أعادت يروين شاكر هذه الأغنية الكردية الشعبية العريقة إلى الحياة وكأنها عروسة شابة. فالتداخل الهرموني بين الكلمات والصوت واللحن والموسيقى السيمفونية يجعلنا أمام كائن سحري في "آي دلبري". لقد أعادتنا بروين شاكر إلى زمن الأغنية الأول دون أن تجتثنا من العصر. أي أنها خلقت تزاوجاً مبدعاً بين الماضي والحاضر.
في الختام، أتمنى من عشاق كاباري وسعيد يوسف وباقي خضو ولا سيما عشاق محمد شيخو أن يقدموا للجيل الشاب تصوراً فنياً نقدياً لتراثهم. فهذا الجيل الشاب مازال ضائعاً في التقليد.