نكبة فلسطين

كاظم الموسوي
2020 / 5 / 12

اطلقت مفردة “النكبة” على جرائم تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه فلسطين، على أيدي “العصابات الصهيونية المسلحة” وقوات الانتداب البريطاني، وقرار الامم المتحدة في تقسيم الوطن إلى نسب لم يحافظ عليها. كان هذا في 15 مايو/ أيار عام 1948، ومنذاك وكل عام، يحيي الفلسطينيون بمسيرات احتجاجية وندوات ومهرجانات ومعارض فولكلورية تؤكد ارتباطهم بأرضهم وحقهم في العودة إليها، وتصدر أغلب الجهات السياسية، حكومات أو حركات سياسية بيانات شجب واستنكار ودعوات لانصاف الشعب الفلسطيني واسترداد حقوقه المشروعة في العودة و الحرية والاستقلال على كامل تراب وطنه.
عقود سبعة وسنتان مضت.. وتأتي غيرها وقد تمر.. ولم تأخذ قضية شعب ارتكب ضده كل ما تصفه القوانين المتفق عليها، بالجرائم الكبرى، التي تعقد محاكمات دولية لمرتكبيها، ما تستحقه قانونيا وأخلاقيا وسياسيا، وما وردت من قرارات للأمم المتحدة بمجلس أمنها أو جمعيتها العامة، لم تنفذ منها، بل وأتخذت قرارات الفيتو على كل ما يتعلق بها أو يحقق للشعب الفلسطيني ما يحق له ويتوجب عمله، ومثلها ما تصدره الإدارة الأمريكية وحكومات حليفة لها، وليست آخرها صفقة الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب وولي عهده جيرارد كوشنر، والتي أعتبرت وبعد كل تلك السنوات وعدا جديدا آخر. ولم يكتف هذا الرئيس الأمريكي، بصفقته وإنما يعرض باستمرار اتهامات وتهديدات وعقوبات مسبقة لكل من يخالفه هذا التصور .
كل تلك الكوارث التي اختصرت باسم النكبة، لشعب شرد وقتل واحتلت أرضه وصار ما صار عليها من تطهير عرقي وإبادة جماعية وروايات ترددها الألسن وتقول بها الأيام، وظلت التساؤلات عنها قائمة ومستمرة أيضا، رغم كل حقائقها معلنة في مؤتمرات وشعارات وخطب سياسية. حتى اصبحت "النكبة" سؤالا للجميع. يطرح أمام الفكر العربي والممارسات السياسية خصوصا أن تراجع وتعيد النظر باطروحاتها بفكر قانوني إنساني يحاكم المجرمين ويقر بحق الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض، والحياة فيها دون مساومات واتفاقات فردية وخضوع مخجل وارتهانات محزنة، وغيرها مما يحيّر العاقل ويكشف عن هوان عجيب.
خلال تلك العقود شنت حروب ومعارك وحصارات أنتجت خسائر لا تعد ولا تحصى، مادية وبشرية، وآثارها وتداعياتها على الشعب الفلسطيني والوطن العربي والعالم أيضا ماثلة وشاهدة. تتوازى معها أسئلة كثيرة عن دور ووعود الإدارات الأمريكية والغربية عموما، وحتى مندوبي ما سمي بخارطة الطريق وموقفهم من القضية ومستقبلها. وكذلك ما يحدث على الأرض الآن وما تتعرض له القضية والشعب العربي من جرائها.
ما أعلن من خطط للقضية الفلسطينية ومؤتمرات عقدت وخطب صدعت لم يكن كلاما عابرا في ظل الظروف التي تحيط بالقضية وواقعها ومحيطها، ولا ينفع معها الغضب فقط. إذ لا يمكن أن تستمر في هذا الوقت ومع كل هذه التطورات والتحولات في العالم والمنطقة، دون رد وموقف شجاع.
يبقى المهم هو ما يقرره العرب عموما، والفلسطينيون خصوصا، وتصوراتهم من المستجدات الجديدة وإعادة النظر في قدراتهم الكامنة وطاقاتهم المضيعة. الصمت المريب أو التواطؤ الغريب صار مكشوفا ومعلوما ويتطلب الآن أن ينتهي وان يقف النظام الرسمي العربي أمام المرآة ويرى نفسه ومستقبل وطنه ويفرض على العالم إقرار الحق والقرارات الدولية التي اقرها بنفسه وطبقها في غير مكان، لا التفرج عليها أو طيها في ملفات النسيان. والتوقف عن خطوات شاذة اتخذت أو أعمال مشينة وجهت ودعمت للتفرقة والفتنة وخدمة المخططات المعادية لكل حر شريف.
ألا يحرج رئيس أمريكي سابق، كان أحد مهندسي المفاوضات والصلح مع الكيان سابقا، جيمي كارتر، أن يصف الكيان بأنه عنصري ويمتلك أسلحة نووية علنا ويطالب برفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ويعتبر الحصار على سكان قطاع غزة جريمة ضد الإنسانية، حيث كتب: "إن العالم يشهد الآن جريمة بشعة في حق الإنسانية على أرض غزة، حيث يعيش 1.5 مليون إنسان داخل سجن كبير، ولا سبيل أمامهم للخروج، سواء بحراً أو جواً أو براً. إنه عقاب جماعي وحشي لأهل المنطقة بالكامل". ولا يسمع مثله من ذوي القربى من أترابه والمتحمسين للقضية أو المتباكين عليها والمبذرين أموال أمتهم خداعا للدفاع عن عروبة القدس التي قال عنهم الشاعر المعروف، النواب، ما قاله في حينه واليوم أيضا؟.
على الصعيد الفلسطيني يواصل الشعب صموده ويقدم صورا عن بطولات اسطورية، لم يهدأ يوما، ظل مناضلا ومواصلا وماسكا بمفاتيح بيته الذي هدم وخارطة مدينته التي ازيحت، وطرقات الوصول إليها رغم كل المتغيرات على الأرض فيها، ويستمر جيلا بعد جيل، بدمائه وصبره وكفاحه الوطني، بمسيرات العودة، واضرابات الاسرى، واعتصامات الأهالي في المناسبات والذكريات، رفع اسم القضية ووضعها دائما أمام العالم، قضية شعب وارض، حرية واستقلال وعودة ودولة كاملة السيادة، من بين ركام المخيمات أو في بلدان الشتات المجاورة والبعيدة.
ويظل سؤال: ماذا قدم للشعب الفلسطيني في نكبته المتواصلة؟، سؤال دائم يتطلب العمل الواجب، في وحدة وطنية وبرنامج كفاحي والتفاف شعبي واسع واصرار على رفض ما يخطط ويعمل عليه لتصفية القضية والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، والعمل عربيا ودوليا على ما يتفق مع القانون الدولي والشرعية الدولية وحقوق الشعوب وإرادتها في التحرر والاستقلال والسيادة الوطنية وبناء الأوطان بثرواتها البشرية والطبيعية وإقامة علاقات مشاركة عادلة ومتكافئة ومتوازنة لمصالح كل من تهمه الأمور فيها دون بخس أو نهب أو استغلال وهيمنة استعمارية.
بعد كل هذه السنوات، وكل ما حصل فيها وما جرى للشعب الفلسطيني من نكبة ونكسة ونكبة متوالية لابد من نظرة موضوعية ومراجعة ضرورية لها ولما سيأتي بعدها، وتقدير استراتيجي ورؤية مستقبلية لآفاق تحرر وطني. و