مملكة الأمس

مظفر النواب
2020 / 5 / 9

ـــــــــــمملكة الأمس..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمظفر النواب .




أميرٌ ومملكتي الأقحوانُ
يَضجُّ بِنهديكِ للأعتداء ..
جسدٌ مثلُ جَليِ الأباريقِ
مُشتعلٌ بالصَفاء ..
أُحِبُّكِ إذ يُمطِرُ الليلُ
والقلبُ بَردٌ عريقٌ بقلبي
لِدِفءِ النساء ..
ويرجِفُ دَهري
أُناساً أجاملهم
رحمةً بِهِمُو وبنفسي
أرى ما وراءَ الطِلاء..
رُغابِك ما عَقَدَ اللوز
مِن شَرَر النار
تحت نَثيثِ الشتاء
ويَدفع قِمّةَ نَهدَيكِ
بركانُ وردٍ
إذا ثارَ أركضُ طِفلاً
فراغُ الوجودِ على راحتيَّ
أذوقُ الخليقةَ في حَلمَتيكِ
وسرَّ السماء
ويغفو حديقةَ همسٍ سُكوتُكِ
لا صوتَ...لا عطرَ
لا شيءَ خارج صمتك
تفقِدُ كلُّ الطيور اتجاهاتها
خارجَ هذا السكون الجميل
يُرَقرِقُني ظمأً
كلما أرتِوي الإرتواء
نفورٌ شديدِ التُّقى
في مُعاقَرَتي
كلما استَلَّني العِشقُ
طارت رؤوسُ النُعاس
ودارت على شَرَفِ الخمر
كلُّ الرؤوسِ
وصاحَ على البابِ
داعي الفَناء
ثَمِلنا بِمَن
كُلما حَلُكَ الليلُ
شفَّت شمائلُها
بشذى الروحِ
أكثرَ مما تَشِفُّ الكؤوس
فما بالَهُ الوقتُ؟
يمسحُ كالقطِّ فَروَتَهُ
بزجاجِ النوافذِ
والقبَّراتُ نفضنَ الرذاذَ
ففزَّ الفضاء
رحابِكِ فوقَ سريري تمادت
فلم يَبقَ مِن غرقٍ
لم أذقهُ
سريري طفا فيكِ
حُجرةُ نومي
رفوفي وصبري
وِصالُكِ أوسعُ من جسدي
والممرات بين ثيابِكِ والنومُ
حالكةُُ بل مرايا
وقُربك أضيَقُ مما يشاء ..
قليلاً من الذّوقِ يا عُمرُ
لا تطرق البابَ كالدائنين
فأنت مدينٌ لنا طَرِباً
ونساءاً وخمراً وشعراً
سَقَيناكَ ما لم يَذُق أحدٌ
من خمور الوفاء ..
ذهبنا إلى خَلَوات الوجود
سَوِياً
ذهبنا إلى خَلَوات السجون
سوياً
ورُحنا إلى خلواتِ الجنون
فهل لم أُجَرِّعكَ
صهباءَها للثماله؟
وهل لم أُحَصِّنكَ
ضدَّ الكساحِ الثقافيِّ؟
لكنكَ الآن تتعبُ
تغفو بكلِ مكانٍ جَلَستَ
ووحدي أُواصلُ
أقصى جنوني
وأنضَمُّ للشمس
في عشقها لاحتضان المدينةِ
رغم وساخَتِها
تعشقُ الشمسُ فيما تُنظِّف
بالعِشقِ ذا مذهبي
فلتَشُدَّ المزابل
كل سواعدها مذهباً
خاسرٌ من يُحاربُ
ضدَّ الضياء ..
لئِن خابَ ظنّي
بأكثرِ من صاحبٍ
لا أزالُ وخيبةُ ظني
بِهِم أصدقاء ..
مضى مُوهِنانِ من العمر
يا رِفقةَ الحان
شُقّوا من الباب
ما فَخِذَيّ ناقةٌ
تتأهبُ للفَحلِ
أي غريبٍ يَمرُّ
يرانا تَركنا له مَوضِعاً
حولَ طاولةِ الخمرِ
نحن اشتراكية الخمرِ
والعشقِ والخبز
نَخبَكَ يا ضَيف
مَن قال أنّ المساواةِ
تعني العراء؟
نديمي من أين للخمر
تَبلُغُ صِدقكَ؟
وَشوِش بأُذني
كأنّكَ مستأذنٌ للبساتين
وَشوِش عن الخيل
عَمّا أصيلٍ
ودَعني أشمُّ
غُبارَ النعاجِ وأصوافَها
في دروبِ حديثِكَ
دعني أُحِسُّ
حنانَ الأزقةِ .. أُنظُر
لعلَّ على الباب
مَن مِثلِنا
يَغزِلُ الذكرياتِ
ليسكُنها وطناً
آهِ من وطنِ الذكريات
وعن وطنٍ
خَلف جَمرِ الجُفونِ
كثيرُ البكاء
علينا بقارورةِ الزيتِ
مَجلُوَّةً كالعروس
وكَمّونَ أعتقُ
مِمّا نداءُ طيورِ الغرام
وكِسرَة خبزٍ
وقنينةٍ كُلما أغتُصِبَت شَرُفَت
وبقبضةِ عَزمِكَ
أهرس كما شئت
رأساً من البصل النيئ
يُشبِه رأس الرئيس الفلانيِّ
لا بد أن نتدبَّرَ
أمر الزمان
فقد كان فيما عرفنا
شريفاً كثيرَ الدماثةِ
فارسَ سيفٍ
ومعرفةٍ وخمورٍ
ولكن تغيَّر في دول السفهاء ..
مشى الفجرُ
يحملُ العابَه الورقيّةَ
يدعو خُدودَ الصغارِ
وضحكاتهم ويضيءُ القلوبُ
ومن بينِ كلِّ الشبابيكِ
شاهدت صَمتكِ مُلتهباً
بالزجاجِ المُلّونِ
أنتِ المصابيحُ
بينَ الرصافةِ والكرخِ
والليل يُمطِرُ
ما زال يُمطرُ
يبقى مدى العمر يُمطرُ
أنت المآذنُ
أنت الفراشُ
أنامُ بِه يَقِظاً
أبَدَ الدّهر لا أستفيقُ
وأنت السّهاد الكريم
نُعاساً ومِسكاً
على هودجٍ عربيٍ
تَهادى ببحرِ الحِداء
أميرة مملكة الأمس
ما زِلتُ أسحب حزني
إلى غوطة الشام
إنه الأمس سيدتي
اخطر الاوفياء
لئِن خاب ظني
بعشقِكِ سيدتي
لا أزال وخيبةُ ظني
وحُبكِ والأمس
مِن أخلَص الأوفياء.