الكابتن/الكولنيل توم مور

كاظم الموسوي
2020 / 5 / 5

اراد الاستعداد لحفل عيد ميلاده المئة، في بيته وحديقته، لكن جائحة الكورونا غيّرت البرنامج. وبدلا من الحفل، أطلق مبادرة سُجلت له، وحولته الى بطل قومي ورمز إنساني، ماثرة فردية فتحت كشاف الاضواء عليه، ودعت نشاطات أخرى معه، فكرته ملخصها العمل على تجميع الف جنيه إسترليني للتبرع بها إلى مصلحة الخدمات الطبية الوطنية NHS في ظروف انتشار جائحة الكورونا. هذه الفكرة، المبادرة غيرت الصورة وقدمت معنى أن يسهم الانسان في دور مبتكر في الحياة.
هذا الرجل هو الكابتن توم مور أحد أبطال المملكة المتحدة في الحرب العالمية الثانية، الذي اصبح حاليا بطل المملكة ايضا في حربها على فايروس كورونا المستجد. ولأنه بادر .. وتحولت المبادرة الى وسام له، أسهمت معه فيها فرقة غنائية ومنظمة خيرية وتمكنت من جمع ثلاثين مليون جنيه استرليني (تعادل 37.4 مليون دولار) لحد كتابة المقال، والحملة مستمرة، فانه يستحق كل ما حصل له بعدها. والجميل فيها انها اقترنت ايضا بعيد ميلاده المئة، قرن كامل من الزمان، في الثلاثين من نيسان الماضي، لتزيد الاهتمام أو فرض نفسه على الجميع. وسائل الإعلام والاتصال احتفلت معه، ونقلت من بيته الذي انطلق منه بمبادرة التجميع ومغامرة التجول حول الحديقة، صورة الخطوة ألاولى لحملة التبرعات وتبعتها صورة آلاف البطاقات البريدية التي ملأت قاعات احتفالات ومدرسة من مختلف قطاعات الناس الذين شاركوه المناسبة، إحتفاء وتقديرا وتكريما.
بدات الخطة في السادس من نيسان/ أبريل الماضي، حيث حدد توم مور لنفسه تحديا بجمع الف جنيه استرليني للتبرع بها إلى مصلحة الخدمات الصحية الوطنية، من خلال قطع حديقته البالغ عرضها 25 مترا مئة مرة. وأراد بذلك تكريم الطواقم الصحية التي عالجته من مرض السرطان ومن كسر في الورك. وبعد عشرة أيام على ذلك، اجتاز كابتن توم الأمتار الأخيرة من مغامرته متكئا على جهاز يساعده على المشي، بين صفين من العسكريين أدوا له التحية. ومع خطواته وإصراره وقدرته على التحدي ازداد سخاء المتبرعين كل التوقعات، إذ وصلت التبرعات حتى يوم عيد ميلاده إلى 30 مليون جنيه استرليني، والحملة لم تتوقف بعد.
قدم هذا الكابتن الذي خدم في صفوف الجيش في الهند وبورما أيام شبابه، مثالا إنسانيا رائدا، وقد أشادت به الحكومة معتبرة أنه “مصدر إلهام” للبلاد في الأزمة غير المسبوقة التي تواجهها. وكرمته بتحية وبطاقة وإشادة احترام وتقدير.
كما منحته موسوعة غينيس للأرقام القياسية “الرقم القياسي العالمي لشخص جمع أكبر مبلغ من المال من خلال المشي لأغراض خيرية” مشيدة ب”رجل عمره 99 عاما لا يقهر يستحق عن جدارة مكانه في كتب التاريخ”.
واصل ابن المئة عام بشجاعة وعزم مبادرته التي أطلقها في جمع الأموال والتبرع بها علنا. حيث ارفق مبادرته بالتعاون مع الفنان البريطاني مايكل بال وجوقات المؤسسة الصحية الوطنية في استعادة أغنية “يو ويل نيفر ووك ألون” المأخوذة من مسرحية غنائية من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي أصبحت نشيدا لمشجعي كرة قدم ورمزا للتكافل في ظل الأزمة الصحية. وما إن طرحت الأغنية حتى احتلت صدارة تصنيف الأغاني المنفردة في بريطانيا.
بعد كل هذا، اصبح الاحتفال بعيد ميلاد الكابتن توم مور أمرا اخر، فقد شارك سلاح الجو الملكي البريطاني بتحليق طائرات حربية فوق منزله، كما تم إنتاج علامة بريدية ملكية خاصة، كذلك تم إرسال أكثر من 125000 بطاقة عيد ميلاد إلى مكتب بريده المحلي فى منطقة سكنه.
ارسلت الملكة اليزابيث الثانية بطاقة تهنئة له، وكذلك رئيس الوزراء بوريس جونسون. وقامت وزارة الدفاع البريطانية، بتعيين توم مور كولنيلا فخريا اول لكلية مؤسسة الجيش بعد موافقة الملكة على منحه هذه الرتبة.
كما تم إطلاق اسم الكابتن توم مور على اسرع قطار، تكريما لجهوده الرائعة فى جمع التبرعات لصالح الخدمات الطبية، الذي بدأ الإنطلاق فى الخدمة بين المدن للسكك الحديدية الغربية الكبرى حاملاً اسمه الجديد من يوم عيد ميلاده. وأشاد المدير الإداري لمصلحة السكك ايضا بدور ومبادرة الكولنيل، "بروحه التى لا تقهر، ما حققه الكابتن توم ملهم حقًا ومثال لنا جميعًا"، وأضاف "لدينا فى Great Western تاريخ طويل فى تسمية القطارات بأبطال الماضي والحاضر من جميع أنحاء شبكتنا، ويشرفنى أنه يمكننا اليوم الاستجابة لطلبات الحصول على قطار باسم الكابتن توم مور".
ونقلت وسائل الإعلام اكثر من لقاء مع الكولنيل، منها قوله: "كل قرش نجمعه، تستحقه الصحة الوطنية بجدارة". وقال: إنه لن يتوقف عن السير ويأمل في القيام ب 100 دورة أخرى. وأطلقت طالبة مدرسة، اسمها ريغان ديفيز بالغة من العمر 8 سنوات، حملة يقوم بها الأطفال لصنع بطاقات معايدة للاحتفال بعيد ميلاد مور المئة. ووضعت نصب عينيها صنع 1500 بطاقة افتراضية لمور. وقالت: "يمكنك نشرها على أي من وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاشتاغ #makeacardfortom . كما كتبت حفيدته حنا إنهم كانوا يعتقدون أن جمع ألف جنيه ليس بالأمر السهل، لكن الحصيلة الإجمالية مذهلة. واضافت: "لقد تجاوزت النتيجة أقصى توقعاتنا، ولا توجد هناك كلمات لنعبر بها عن مدى امتناننا للبريطانيين لدعمهم لجدي. لقد جعلونا نشعر بالفخر وبالعرفان". "ما فعله الشعب البريطاني، خلق لديه هدفاً في الحياة، أعتقد أنه لن يتوقف عن القيام بذلك حتى يقول له الجميع كفى، توقف، لا تقم بالمزيد".
واخيرا عبرت إيلي أورتن، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة الخيرية " Charities Together" التابعة لمصلحة الصحة الوطنية، والمستفيدة من التبرعات، عن امتنانها: "إن الوصول إلى جمع هذا المبلغ أمر لا يصدق على الإطلاق". واضافت: كما نود "التعبير عن امتناننا وإعجابنا الكبير بالكابتن توم ومصلحة الصحة الوطنية وكل المتبرعين".
فكرة بسيطة تحولت إلى مثال، وحولت صاحبها الى رمز وطني. مبادرة تحولت إلى ماثرة، لا يمكن الاطلاع أو سماعها دون الإشادة بها والدعوة إلى تعميمها بما يتوفر لها من ظرف واستعداد وروح تضامن وتقدير للجهود المبذولة في الحرب على الجائحة. وتلك من دروسها التي تضاف إلى غيرها في المعنى والدلالة الإنسانية ورد الجميل.