الفنان هشام سليم وابنه نور وحقوق العابرين جنسيا في مواجهة ثقافات قمعية عقيمة لاتتقبل حالات إنسانية مغايرة

أمين المهدي سليم
2020 / 5 / 5

لم يفاجئني موقف الفنان في مساندته لابنته نور من أجل التحول أو العبور الجنسي لتصبح نور، بعد أن لخصت أزمتها في عبارة واحدة :"أنا عايشة في جسم مش جسمي"، وسبب عدم استغرابي معرفتي بوالده الكابتن صالح سليم ليس بسبب لعبة كرة القدم التى ليس لاأتمتع ببهجة ومتعة الاهتمام بها للأسف، ولكن لأنه كان يحضر احتفال يوم الخريجين في مدرستي الأورمان الثانوية، وكان قدوة تشع بالكبرياء واللباقة والأناقة والسلوك المدني الراقي، والتواضع حتى أنه كان يشارك في اللعب في فرق مشتركة من الخريجين وسعاة المدرسة والمدرسين والطلبة وأولياء الأمور بالرغم من أنه كان آنذاك كابتن فريق الكرة القومي، وكان يستأثر بقدر أكبر من الجاذبية الرغم من أن هذا اليوم كان حافلا بالنجوم في الحياة المصرية والعربية، وبالرغم من مشاركة أشقائه طارق سليم وعبد الوهاب سليم.
في هذه المدرسة أيضا كان من الزملاء الأكبر مني حالتين من الترانس أو العابرين المحبوسين في حالة الذكورة في وضع معكوس مع مشاعرهم وتكوينهم النفسي والهرموني، كان أحدهما "شريف" وكان يسر ويفرح عندما كان يقال له "شريفة" والآخر كان رجائي وأيضا كان يطلق عليه رجاء، وأذكر أنهما كانا يضيفان نوعا من الضبط المتعود عليه اجتماعيا في مجتمع مفتوح، ولكنهما أيضا كانا يضيفان رقة محببة وطرافة في فضاء المدرسة العام. ونظرا لطبيعة المدرسة ومستوى الحالتين اجتماعيا يقلل جدا مما يعانونه، وربما كانت المعاناة في الشارع أكثر قليلا، لأنهم كانوا يسكنون في احياء مرتفعة المستوى اجتماعيا، كما أن الثقافة الاجتماعية في مصر في الستينات كانت ماتزال أفضل بكثير حيث كانت القوة الدافعة من الدولة المدنية قبل إنقلاب يوليو مازالت تعمل وإن كانت يومها في طريقها للتلاشي التام. ولذلك لايمكن أن تقارن بالهمجية والبربرية والجهل والقبح والتطفل التى اصطبغت بها الحياة المصرية بعامة الآن بعد الخضوع طويلا لحكم قطاع الطرق من العصابات العسكرية الخائنة الفاشلة اللصة، وبعد أن أصبح "المجتمع متدينا بطبعه" وعابدا للقوة يعتنق الكراهية وتملأ حياته ودفاتره المدرسية قصص مفبركة للأصنام العسكرية المنحطة.
التطور في الحريات الديموقراطية والمعرفية والعلمية والتقدم الإنساني في اتجاه الحقوق المدنية وضع الحق في التحول والعبور من جنس إلى جنس بين أيدي الفرد المدني وحده دون وصاية من أحد، باعتباره يملك جسده كأداة لحياته وموته الخاص، بل ان العمليات الطبية والأدوية المساعدة أصبحت ضمن التأمين الطبي في بلاد عديدة.
اختلاف نوع التحول في مصر من فتاة إلى ذكر أسهل بالطبع عن التحول من ذكر إلى انثى في ظل سلطة ومجتمع بشعين وهمج وجهلة وذوي ثقافات خسيسة غير مستعدة للتعامل مع حالات إنسانية مغايرة، كما أن التفاوت في العصور والمستوى الاجتماعي والجغرافيا الثقافية الاجتماعية تلعب دورا كبيرا في درجة حدة المعاناة. وعلى سبيل المثال من الحالات البارزة حالة الفنانة الممثلة المتحولة حنان الطويل التى انتهى بها الأمر إلى الإنتحار في مستشفى الأمراض النفسية أدخلت له عنوة في 2004، ورفضت عائلتها استلام جثتها منكرين أن لهم ابنة بهذا الأسم. ومن الحالات المعاصرة الجديرة بالاعجاب والاحترام الجسورة الرائعة ملك الكاشف، رغم القمع المزدوج والمضاعف من المجتمع الهمجي الفاشل، حامل ثقافات القسوة والظلام، ومن سلطة العصابات العسكرية في وقت واحد، حيث تعرضت للاعتقال السياسي 5 أشهر، بعد أن نصبت لها أجهزة الأمن والأعمال القذرة كمينا بالضغط على والدتها.
مثلما كل قضايا الحريات في مصر ستنتصر قضية العابرين باعتبارها قضية حريات وحقوق مدنية طالما هناك تضحيات محزنة ومأساوية مثل حالة الراحلة الفنانة حنان الطويل، وبالتأكيد هناك جنود مجهولين غيرها بالآلاف وربما عشرات الآلاف، ومناضلين مثل ملك الكاشف ورجال وآباء محترمين مثل هشام سليم. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي