اليوم العالمي للكتاب: بين الناشر القومي لمصر والسياسة الثقافية

حاتم الجوهرى
2020 / 5 / 4

وافق الخميس قبل الماضي 23 أبريل الذي سبق اليوم الأول من شهر رمضان المبارك لهذا العام، الاحتفال العالمي الـ 20 بيوم الكتاب الذي ترعاه اليونسكو، ورغم أن اليوم هذا العام مر علي المسئولين عن صناعة الكتاب وملف مصر الثقافي مرور الكرام الخفاف، إلا أن لمصر والعرب مع هذا اليوم تاريخ ليس بالهين على الإطلاق، فلو علمنا أنه تم اختيار عشرين مدينة منذ بداية الاحتفال باليوم في تسعينيات القرن الماضي لتكون عاصمة عالمية للكتاب، ستكون المفاجأة أن الدول العربية كان لها نصيب كبير بنسبة حوالي 15 % بما يساوي ثلاث مرات وقع الاختيار فيها على مدينة عربية لتكون عاصمة دولية للكتاب.

الإسكندرية عاصمة عالمية للكتاب
(مطلع الألفية)

ففي عام 2002 وفي ظل مشروع إحياء وافتتاح مكتبة الإسكندرية وزخمه، حظيت مصر بشرف أن تكون مدينة الإسكندرية عاصمة عالمية للكتاب في يوم 23 أبريل من العام نفسه، وهو اليوم الذي اختارته منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة المعروفة بـ"اليونسكو" مواكبة لذكرى وفاة مجموعة من الكتاب المشهورين، ليكون يوما تذكاريا عالميا للاحتفاء بالكِتاب والكُتاب والذي تم تدشينه في عام 1995م.

حضور عربي مشرف
في قائمة عواصم الكتاب العالمية

منذ ذلك اليوم تنقلت العاصمة العالمية للكتاب ما بين حوالي عشرين مدينة حول أرجاء العالم منهم كما أوضحنا ثلاث مدن عربية هم: الإسكندرية (2002) – بيروت (2009) – الشارقة (2019)، حتى وصلت العاصمة العالمية هذا العام إلى مدينة كوالالمبور (2020) في ماليزيا، بما يحمل إشارة على أن الريادة الاقتصادية الآسيوية الجديدة، تأتي مصحوبة بالثقافة والمعرفة والوعي بأهميتهما، حيث قدمت المدينة مشروعا ثقافيا متكاملا يعتبر القراءة مشروعا لدمج الإنسان في مسيرة التقدم، من خلال تطوير البنية الأساسية لصناعة الكتاب وإتاحة الموارد الرقمية وتمكين الأطفال من الوصول لمصادر القراءة المتعددة، والتمدد للمناطق المهمشة بالمدينة بالمزيد من أدوات التمكين من القراءة، والحق في الوصول للمعرفة والموارد والأشكال المتعددة لها.

أزمة الآني
دور الناشر القومي/ الهيئة العامة للكتاب

حقيقة يجعلنا هذا الحدث العالمي نراجع سياسة مصر الثقافية تجاه الكِتاب والكُتاب، التي تراجعت كثيرا حتى أن اليوم العالمي المخصص للكتاب مر دون أن يرد عليه ذكر لائق بأي شكل له حيثية أو وعي بأهمية اليوم، هذا رغم أنه من المفترض أننا نملك مؤسسة رسمية كبرى، من المفترض أيضا انها تقوم بدور الناشر القومي لمصر! وهي الهيئة المصرية العامة للكتاب التي من المفترض كذلك أنه يقع على عاتقها تفعيل مثل تلك النشاطات والبروتوكولات العالمية، والمساهمة في فعالياته الدولية والمحلية!

هل حان وقت مراجعة السياسة الثقافية العامة لمصر؟
(أين الخطأ ونقطة البداية؟)

لكن إحقاقا للحق فإن أزمة السياسة الثقافية المتبعة في الناشر القومي لمصر (أي: الهيئة المصرية العامة للكتاب) هي جزء من كل، جزء من سياق ثقافي أشمل تراكمت تبعاته منذ فترة ما بعد ثورة 25 يناير، وكانت له ظروف سياسة خاصة لم تقف كثيرا على محتوى السياسة الثقافية نفسه، لكن أعتقد أن الوقت قد حان للبحث في مدى مواكبة السياسة الثقافية السائدة الآن ومنذ ما بعد 25 يناير، لمشروع مصر الطموح في الانطلاق للمستقبل ومواجهة التحديات الدولية والإقليمية، خاصة في مرحلة ما بعد كورونا التي تعد "نقطة تحول" عالمية مهمة، تعمل عليها معظم مراكز الأبحاث والمستقبليات الدولية الآن.
دعونا نرجع للوراء قليلا لنرصد سياق السياسة الثقافية لمصر في العموم والتي ستنعكس بطبية الحال على الناشر القومي لمصر (هيئة الكتاب)، حيث يمكن أن تنقسم السياسة الثقافية لمصر في تلك فترة ما بعد 25 يناير الحرجة لثلاث مراحل، مرحلة ما قبل الإخوان، ثم الإخوان، ثم ما بعد الإخوان.

السياسة الثقافية
وتوافيقها وبدائلها في مرحلة ما قبل الإخوان

في مرحلة ما قبل الإخوان، جاءت عدة أسماء بعد ثورة يناير في فترة حرجة هي: جابر عصفور - محمد عبد المنعم الصاوى - عماد ابو غازى - شاكر عبد الحميد - محمد صابر عرب.
الأول؛ د.جابر عصفور معروف بنفوذه الثقافي الواسع على الطبقة الثقافية والصحفية والأكاديمية بالإضافة لصلاته البيروقراطية والسياسية في دولاب الدولة المصرية قبل ثورة 25 يناير بوصفه كان ماكينة فاروق حسنى التي طبعت السياسة الثقافية المصرية بطبعتها منذ التسعينيات، فكان اختيار جاير عصفور اختيارا سياسيا بالدرجة الأولى، لما له من نفوذ واسع قد يجذب التعاطف في فترة حرجة، لكن الأحداث في فترة الثورة كانت أقوى من الحسابات السياسية والرهان على الطبقة الثقافية السائدة التي لعصفور التاثير عليها، لذا سرعان ما استقال عصفور وسط ضغوط الطبقات الثقافية المهمشة بعيدا عن السطح التي صاحبت تصاعد الأحدث، حيث لم يكمل الشهر وخرج في فبراير 2011 .
ثم جاء بعده محمد عبد المنعم الصاوى باعتباره وجها لن يثير المشاكل وفي الوقت نفسه يملك صفة العمل الثقافي المستقل في "ساقية الصاوي"، وفي الوقت نفسه الانتساب للأب عبد المنعم الصاوي الذي كان وزيرا للثقافة في السبعينيات وأديبا وصاحب مواقف نضالية معروفة، لكن تدافع الأحداث السياسية والميدانية للثورة وتناقضاتها كان أقوى بكثير، فلم يكمل محمد عبد المنعم الصاوي الشهر بدوره وخرج في مارس 2011.
ثم جاء بعده د.عماد أبوغازي مدعوما بخبرة إدارية سابقة كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة، وفي الوقت نفسه باعتباره ابنا لبدر الدين أبوغازي الذي كان وزيرا لثقافة مصر أيضا في فترة السبعينيات، وهو الأب المعروف باهتمامته التشكيلية وزواجه من أخت المثال المعروف محمود مختار، لكن تدافع الأحداث السياسية كان أقوى ليخرج أيضا عماد الدين أبوغازي في ديسمبر 2011 دون أن يكمل 10 شهور بدوره، ليكون وزير الثقافة ابن وزير الثقافة الثاني على التوالي بعد محمد عبد المنعم الصاوي، ولا تزال حقيبة الثقافة حائرة في تلك الفترة.
جاء بعده د.شاكر عبد الحميد الذي يعمل أستاذا بكأديمية الفنون التابعة لوزارة الثقافة، حيث كان قد اختاره د.عماد أبوغازي أمينا للمجلس الأعلى للثقافة قبلها بأربع شهور تقريبا، في محاولة ما للدفع بأسماء لها بعض الاستقلالية علّ حقيبة الوزارة تسيرُ، فيبدو وكأن الاختيارات كانت تنتقل ما بين "النمط السائد" وممثليه مباشرة مثل عصفور وأبوغازي اللذان كان لهما علاقة بمؤسسة الثقافة قبل ثورة 25 يناير، وبين نمط جانبي يسير على ضفاف "النمط السائد" وفي ركابه ليس معارضا له لكنه قد يتصف ببعض الاستقلالية، بعيدا عن شبكة العلاقات والمصالح البيروقراطية التي تراكت فيما قبل 25 يناير، وعلى هذا النمط "الأقرب للاستقلال" بعض الشيء قد يحسب الصاوي وشاكر عبد الحميد، هذا الأخير الذي لم يكمل بدوره خمس شهور ليخرج في مايو 2012.
وبعد أن خرج د.شاكر عبد الحميد الأقرب لـ"نمط الاستقلال" وإن كان على ضفاف وتخوم "النمط السائد" ذاته، عاد الاختيار مرة أخرى لمركز "النمط السائد" ذاته مع د.محمد صابر عرب الذي عمل رئيسا لدار الكتب والوثائق القومية وكان مدمجا في بنية المؤسسة الثقافية فيما قبل 25 يناير، وهو آخر من وقع عليهم الاختيار في فترة ما قبل الإخوان بعد ثورة 25 يناير.

السياسة الثقافية
وتوافيقها وبدائلها في مرحلة الإخوان

شهدت مرحلة صعود الإخوان الأثر الأبرز على السياسة الثقافية لمصر حتى اللحظة الراهنة، ومر بها اسمان رئيسيان هما محمد صابر عرب - علاء عبد العزيز، واسم عابر كان لفترة انتقالية قبل تشكيل أول حكومة وهو محمد ابراهيم على (فترة انتقالية).
في واقع الأمر استمر د.صابر عرب وحضر في أول وزارة شكلها الإخوان في أغسطس 2012، حيث كانوا يتحسسون الطريق لبسط النفوذ، من ثم لم يبادروا بحقيبة الثقافة وأبقوا على آخر اسم كان مُسكنا به قبلهم نظرا لقوة التراكمات الموجودة بها وعلاقة الثقافة المتعددة بأبنية الدولة المصرية، في حين أجرى الإخوان عدة تغييرات وزارية للدفع برجالهم سياسيا، أو للمفاوضة على اسماء يمكن أن تكون مرحلة انتقالية في سبيل ممارستهم لتصوراتهم السياسية، لكن لم يقتربوا من حقيبة وزارة الثقافة حتى عام 2013.
في مايو 2013 خروج د.صابر عرب وظهر اسم د.علاء عبد العزيز الذي كان أستاذا بالمعهد العالي للسينما التابع لوزارة الثقافة أيضا، ولم يكن محسوبا بشكل واضح سياسيا على أحد وكان يتحرك أيضا في نطاق "النمط السائد" ثقافيا قبل 25 يناير، ربما من التخوم أو من مساحة أقرب للاستقلال، لكن تصعيده كان في ظل تفاهم سياسي مع الإخوان على ما يبدو بإزاحة الطبقة الثقافية السائدة وخلخلة بنيتها تمهيدا لبناء طبقة ذات نفوذ يدور في فلك النظام الجديد، فشرع علاء عبد العزيز في إزاحة الطبقة السائدة ومحاولة تشكيل طبقة جديدة على الأقل لا تنتمي لدوائر نفوذ الطبقة السائدة، وذلك في عدة قطاعات في الوزارة منها الناشر القومي أو هيئة الكتاب (أحمد مجاهد) ودار الأوبر المصرية (إيناس عبد الديم).
حيث كانت دار الأوبرا موضع لمواجهة بين "الطبقة الثقافية السائدة" ومحاولة تفكيكها وبناء طبقة ثقافية جديدة من جانب علاء عبد العزيز أو نظام الإخوان، وحشدت الطبقة الثقافية السائدة ضفافها وشبكات علاقتها في المواجهة، في حين لم يكن علاء عبد العزيز يملك مشروعا ثقافيا واضحا ولا نخبة ثقافية داعمة، سوى بعض الصفوف الخلفية على ضفاف "النمط السائد" ذاته، التي ربما وجدت في الأمر فرصة مناسبة للصعود في "التراتب الاجتماعي" والوظيفي.

السياسة الثقافية
وتوافيقها وبدائلها في مرحلة ما بعد الإخوان

المهم أن علاء عبد العزيز ومواجهته القصيرة لم تدم حوالي شهرين فقط، إذ تمت إزاحة نظام الإخوان في يوليو 2013، وتنافس على الترشح اسمان كان كل منهما يمثل شكلا رمزيا لانتصار "الطبقة الثقافية السائدة" في مواجهة محاولة تفكيكها، الأول هو الاسم الذي أزيح ليأتي مكانه علاء عبد العزيز أي صابر عرب ، والثاني هو الاسم الذي دارت المواجهة بسببه في الأوبرا أي إيناس عبد الدايم، كليهما كانا مطروحين كشكل رمزي للانتصار السياسي ليس إلا، ووقع الاختيار على صابر عرب (فترة عدلي منصور والمجلس العسكري الثاني) في يوليو من العام نفسه ربما لخبرته أكثر في العمل الإداري ودروبه.
في يوليو 2014 وأول حكومة بعد انتخاب الرئيس السيسي، تم ترشيح جابر عصفور مرة أخرى للوزارة في عودة لمركز صنع النمط والسياسة الثقافية لمصر التي تأسست في تسعينيات القرن الماضي، فيما يبدو إعادة تدوير لنخب "النمط السائد" وتسيير حال حقيبة الثقافة بما لها وما عليها، وانشغال الإدارة السياسية الجديدة بما هو أهم في حينه.
في مارس 2015 ظهر اسم جديد/ قديم على الساحة هو عبد الواحد النبوي في تغيير وزاري، جديد لأنه لم يكن من النخبة المقربة من دائرة "النمط الثقافي السائد"، وقديم لأنه كان على ضفافها وكان أحد الوجوه التي تمت إزاحتها في مرحلة الإخوان من دار الكتب والوثائق القومية حيث عمل مديرا للدار ونائبا لرئيس مجلس الإدارة ولكن بمؤهلات علمية متخصصة وليس لعلاقته المباشرة بالنم الثقافي السائد، ويبدو ان اختياره كان محاولة عابرة عابرة لاختبار قدرة "الأنماط الفرعية" أو التي على ضفاف "النمط السائد"، لإنتاج سياسة ثقافية جديدة أو حتى تجديد وطلاء واجهة السياسة القديمة.
لكن في سبتمبر من العام نفسه وبعد حوالي ستة أشهر فقط خرج عبد الواحد النبوي من الوزارة، بعد صدام واسع مع قطاع عريض داخل "الطبقة الثقافية السائدة"، رغم أنه ينتمي لتخومها وإن كان أقرب للاستقلالية وبعيدا عن الدائرة القديمة لمجموعة جابر عصفور وكلية الآداب بجامعة القاهرة المعروفة بنفوذها لدى دوائر صنع القرار السياسي، فقد تسبب موقف النبوي في إزاحة د.أحمد مجاهد من هيئة الكتاب تحديدا ود.محمد عفيفي من المجلس الأعلى ود. انور مغيث من المركز القومي للترجمة بدرجة أقل، في تفجير الصدام.. ورغم أنه عين بدلا من أحمد مجاهد حلمي النمم في هيئة الكتاب، ود.أبو الفضل بدران في المجلس الأعلى، إلا أن خروج الثلاثة دفعة واحدة وهم المحسبون مباشرة على مركز "الطبقة السائدة" جابر عصفور، أثار معركة ظهرت فيها اتهامات كلاسيكية ومعتادة ضد النبوي بأنه إخوان!
المهم أنه في سبتمبر 2015 وللمفارقة تم تصعيد حلمي النمم الذي اختاره النبوي لهيئة الكتاب وزيرا! وخرج أحمد مجاهد من الصورة وعين د.هيثم الحاج علي رئيسا لهيئة الكتاب، فيما يبدو أن تصعيد النمم كان لتوظيف خطابه الصحفي الحاد ضد الإخوان، وكان في الوقت نفسه عودة للنخب القديمة المحسوبة مباشرة على "النمط الثقافي السائد" وليس على ضفافه، حيث كان جابر عصفور قد اختاره رئيسا لدار الكتب في 2014.
في يناير 2018 خرج النمم من الوازرة، لتأتي مكانه د.إيناس عبد الدايم أحد وجوه المعركة القديمة بين "النمط الثقافي السائد" ومحاولة الإخوان تشكيل نخبة تابعة جديدة، واتسم خطاب د.إيناس عبد الدايم بالهدوء كونها في الأصل متخصصة في الموسيقي، وما تزال مستمرة في موقعها إلى الآن لأنه على ما يبدو أن صانع القرار قد وجد أن "النمط السائد" ومن هم على ضفافه أو "الأقرب للاستقلال"، لم يقدما جديد لمصروكانت حقيبة وزارة الثقافة وسياستها الثقافية في المجمل ربما تنويعات على نغمة واحدة لا غير، أو تدافعات بيروقراطية على الصعيد الوظيفي بين جماعات متشابهة لا فارق بينهم

السمات العامة للسياسة الثقافية
في فترة ما بعد يناير عموما

مع الاستعراض السابق يتبين لنا أهم سمات السياسة الثقافية طوال فترة ما بعد يناير كان:
- أولوية السياسي العام على المهني المتخصص:
أي أن معظم التباديل والتوافيق التي جرت على حقيبة الثقافة فيما بعد فترة يناير، كانت بدوافع سياسية عامة وليس لأسباب مهنية أو تخص الثقافة ذاتها، وأنها في معظمها كانت سلسلة متواصلة ومتراكمة من ردود الأفعال، ومجرد تابع يسير في ركاب التدافعات السياسية التي مرت بها البلاد فيما بعد 25 يناير.
- احتماء البدائل الثقافية بالسياق العام لا بمحتوى المضمون المقدم:
في السياق نفسه اعتبر الكثيرون ممن تولوا حقيبة الثقافة –وكأثر للأحداث- أنهم يمثلون الإدارة السياسية للبلاد ذاتها في صراعاتها السياسية، ولم يجتهدوا في تطوير أي ملفات قائمة وملحة بدعوى الاكتفاء ببعض الشعارات السياسية، وكذلك كاننت الادارة السياسية مشغولة عن ملف الثقافة، فلم تعطهم تكليفات بعينها يحاسبون عليها.
- طغيان الشخصي والذاتي على الصالح العام والموضوعي:
في السياق ذاته أيضا اعتبر البعض أن توليه الحقيبة السياسية للوزارة أو بعض قطاعاتها هو شيك على بياض، مستغلا انشغال الإدارة السياسية بالمشهد العام وغياب المتابعة والمحاسبة الدقيقة، ليمارس مفاهيم الشخصنة في الإدارة ولو على حساب الصالح والرصيد السياسي ذاته للإدارة السياسية للبلاد، باعتبار هؤلاء ممثلين لها، ويمكن في هذا السياق رصد تحول الخطاب في آخر أربع سنوات، لنجد تحول خطاب الكثير من المثقفين المستقلين للعداء والانتقاد المباشر كرد فعل على ترك الحبل على الغارب لهؤلاء، مما جعل المساحات والحوار والتواصل والفعالية تآكل بين مؤسسات الثقافة وجمهورها النخبي والعريض على حد سواء، كذلك تم استخدام فكرة الشخصنة والتهميش ذاتها تجاه الكوادر المهنية والمعرفية الفاعلة في الوزارة وقطاعاتها، وتصعيد محدودي القدرات من المتملقين والانتهازيين والمعارف والصحاب على حساب الصالح العام، وانشغال الإدارة السياسية للبلاد عن وضع تكليفات بعينها ومن ثم المحاسبة عليها والمتابعة في تنفيذها.

التناقضات الموضوعية التي وقعت فيها السياسة الثقافية
وأسبابها في فترة ما بعد يناير عموما

- عجز أطروحات "النمط السائد" عن مواكبة المتغيرات الحضارية
قامت السياسة الثقافية وخطوها العريضة التي وضعت منذ التسعينيات ، على عدة أسس منها الموقف المتعالي من التراث والموروث الشعبي وعناصره عموما، وهو ما خلق فجوة في حضور مصر في اتفاقية مهمة مثل اتفاية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، وفي سبل التعاون.
- تباين الموقف من الذات المصرية وجدلها بين الاستلاب والاستعادة
اختلف الموقف الفلسفي والثقافي من الذات المصرية والعربية بين "النمط الثقافي السائد " الذي يقوم على فكرة القطيعة مع الذات وتراثها، والاستلاب للآخر الحضاري الأوربي ومشروعه في المجمل، وبين الموقف الشعبي الذي طالب في ثورة عارمة باستعادة الذات و"مستودع هويتها"، بما زاد من الفجوة بين مؤسسات الثقافة وطموح الناس.
- تهميش فنون الأداء المباشرة الحديثة والشعبية والارتكان لما هو سياسي أو كرنفالي
أهمل النمط الثقافي السائد فنون الداء المباشر مثل المسرح وكذلك الفرق والتابلوهات الشعبية والعرائس، في مقابل التركيز على المؤتمرات الفوقية وقضاياها المنفصلة عن الناس وعجزها عن تطوير خطاب متفاعل مع الناس، مع محاولة افتعال صدامات ومعارك للبحث عن دور مفقود.
- زيادة مساحة التطرف كرد فعل على خطاب القطيعة مع الذات
أدى انتشار خطاب القطيهة مع الذات الذي ساد عند مجموعة من المعبرين عن النمط الثقافي السائد، إلى أصبح خطاب الثقافة يؤدي لزيادة التطرف والإرهاب والعنف ويغذيه، وأصحبت شعارات كثيرة في غير موضعها، مما أدى لأن تحول الخطاب الثقافي السائد وموقفه مع الذات المصرية والعربية، لوقود للتطرف والإرهاب.

الأزمات الهيكلية والوظيفية التي وقعت فيها السياسة الثقافية
وأسبابها في فترة ما بعد يناير عموما

- غياب التوصيف الوظيفي المنضبط للمؤسسات ودورها ووظيفتها وهيكلتها، خاصة في مرحلة الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة، واعتبار البعض تحول مجال الإدارة المحلية تماما ليصبح في العالم الدولي المعاصر، أقرب لأحد أوجه وبروتوكولات العلاقات الدولية بما أصبح للاتفاقيات الدولية وبروتوكولاتها من أثر قوي وحاكم وضابط للعديد من نشاطات الدول، وفق بنود الاتفاقيات تلك وما تتيحه من فرص ومنح لا نهاية شريطة الوعي بكيفية تكييف نشاط الإدارة المحلي وفق بروتوكولات الاتفاقيات تلك التي وقعت عليها مصر كما في المجال الثقاف
- مقاومة شبكات مصالح الموظفين/ النخبة التي تراكمت في ظل النمط الثقافي السائد، لأي محاولة للتغير ولو حتى جاءت من ضفاف النمط ذاته، وغلبة ما هو شخصي على ما هو عام.
- إساءة استخدام السلطة ومنع تفعيل بعض الأدوار الأساسية لبعض القطاعات حتى ولو كان ذلك في عكس الصالح العام للبلاد، لأن تفعيل هذه التوصيفات الوظيفية للمؤسسات سيظهر عجز وهشاشة المُسكنين على رؤوس بعض قطاعات الوزارة، في مواجهة كوادر ثقافية أكثر تجذرا في حاضنة مصر وم"مستودع هويتها" وقدرة على التعبير عنها.
- التداخل بين مفاهيم التخصص والتعدد والمزايدة بين الفرقاء داخل "النمط الثقافي السائد" حول ذلك، حيث تصارعوا على السلطات والنفوذ وليس على الصالح العام، غير واعين لأن تخصص قطاع ما في مجال بعينه لا يمنع تعدد المنابر والأفكار ووجودها في منبر بقطاع آخر، أي ان التخصص ليس فكرة للاحتكار بقدر ما يخلق النمط الأساسي في مجاله، دون ان يمنع أبدا التعدد في ظل النمط الأساسي. لكن الصراع بينهم كان على النفوذ والمخصصات المالية والظهور الإعلامي واحتمالات الصعود السياسي، ولم يكن أبدا حول الصالح العام لمصر وما هو في صالحها.
- تعدد شبكات المصالح الوظيفية والنخبوية داخل مؤسسات الثقافة، وتعدد شبكات الدعم التي تقف وراء كل منها، بما جعل لعبة التباديل والتوافيق في مناصب مؤسسات الثقافة أشبه بإعادة تدوير النخب مع العجز عن ضخ دماء جديدة، لأن الدائرة مغلقة على تلك الشبكات دون متابعة او رقابة مركزية من الإدارة السياسية للبلاد، لأن المر أصل وصل لمستوى أن تعريف الثقافة ودورها في منظومة عمل الولة أصبح مختلا وغير واضح المدخلات والمخرجات.


على ماذا يمكننا أن نحاسب الناشر القومي/ هيئة الكتاب
لمصر إذن، في ظل كل تلك التدافعات!؟

الحقيقة أنه لا يمكن للإنسان الموضوعي أن يفصل الهيئة المصرية العامة للكتاب أو الناشر القومي لمصر، وموقفه من اليوم العالمي للكتاب عن السياق العام للسياسة الثقافية المرتبكة لمصر فيما بعد 25 يناير وحتى اللحظة، لذا سيكون من الظلم أن نحاسب الهيئة المصرية العامة للكتاب والمسئول عن السياسة الثقافية المطبقة فيها د.هيثم الحاج علي الغياب شبه التام في اليوم العالمي للكتاب، لكن تكون الرسالة الآن عامة، أنه ليس هناك من كبش فداء مقترح للتجريف والعجز الذي وصل له النمط الثقافي السائد في البلاد، لا هيثم الحاج علي ولا إيناس عبد الدايم ذاتها ولا جرجس شكري في قطاع النشر (الكتاب) بقصور الثقافة. ولكن المطلوب هو تغيير السياسة الثقافية كاملة وما تحمله من طبقة ثقافية تشبعت بأسلوب عملها.

نظرة مقارنة بتاريخ السياسات الثقافية
منذ ثورة يوليو 52 وحتى ما قبل ثورة يناير 25

ربما لتضح الصورة الكلية في مسألة السياسة الثقافية الراهنة لمصر في فترة ما بعد ثورة 25 يناير، علينا أن ننظر كذلك لمسيرة السياسة الثقافية لمصر منذ نشأة "دولة ما بعد الاستقلال" وثورة عام 1952م، ربما كذلك علينا أن نمر بمحطة مهمة في محاولة تلمس ما يشبه السياسة الثقافية تلك قبل ثورة 52 مع كتاب مستقبل الثقافية في مصر لطه حسين عام 1939، لنجد ان الفكرة المركزية في السياسة الثقافية التي يطرحها حسين في الكتاب، كانت أقرب لمقارنة حضارية عامة ببن الشرق والغرب في التاريخ، للتأسيس لأن مصر تنتمي تاريخيا إلى ما هوة أقرب للغرب الأوربي من ثم عليها أن تتبع سياسات عامة وثقافية تقوم على هذه الفكرة، مفندا جدلية المادية والروحية بين الشرقي والغربي، ثم تناول طه حسين بعض الخطوط العامة أيضا في التعليم العالي (الجامعي) والتعليم ما قبله وعلاقتها بالثقافة والوعي في العموم.

- السياسة الثقافية لـ"دولة ما بعد الاستقلال": فترة عبد الناصر

أما أول ما يمكن أن نصفه بمفهوم "السياسة الثقافية" فعلا فكان مع ثروت عكاشة أول وزير للثقافة بمسماها عام 1958.. في عهد ثورة يوليو 52، حيث طبق بالفعل مفهوم مجموعة من السياسات العامة تربط بين مشروع الثورة السياسي ككل، من خلال نقل وإنشاء مجموعة من المؤسسات الثقافية نقلا عن الدول الأوربية شرقا وغربا، لكنه برع في منحها الروح والسمة المصرية والتوافق مع سياسات ومشروع الثورة ككل، واستفاد من عمله سفيرا خارج مصر في أوربا وعلاقاته شرقا وغربا، واستعان باليونسكو وطور مجموعة من البروتوكولات الداخلية والخارجية، ما تزال قائمة في الكثير من المؤسسات، وفي عصره وضع أساس قطاعات الثقافة القائمة الآن بالفعل خاصة في ولايته الثانية للوزارة عام 1966 (جاء بديلا منه في الفترة بين الوزارة الولى والثانية د.محمد عبد القادر حاتم حيث ضمت وازرة الثقافية حينها لوزارة الإعلام)، مع الإشارة أنه يمكن ان نضع عنوانا مركزيا لسياسة عكاشه يقوم على نقل الأشكل والأبينة الغربية مع منحها الروح المصرية والشرقية، والضبط المهني والمؤسسي والرقابي والاستعانة بالكفاءات، ويمكن أن نصف حال الثقافة الآن بكثير من غياب المعايير والانحراف عن الطريق الذي وجده عكاشة حين عاد للوزارة بعد خمسة اعوام كاملة في المرة الثانية.

- السياسة الثقافية لـ"دولة ما بعد الاستقلال": فترة السادات

المرحلة الثانية من السياسة الثقافية المصرية كانت في السبعينيات مع دولة السادات، وفيها ارتبكت السياسة الثقافية كجزء من السياسات العامة للدولة المصرية التي طبقت في تلك الفترة، وخالفت ما طرح في فترة عبد لناصر، وكان نصيب الثقافة منها كبيرا، لأنها المؤسسة التي احتضنت لحد كبير مشروع القومية العربية وطرحته على الناس، من ثم أصيبت الثقافة بالارتباك الشديد حيث ازاح السادات ثروت عكاشه سريعا بصفته أحد الرموز لوعي دولة عبد الناصر وجاء بدلا منه بـ بدر الدين أبوغازي لمدة قصيرة (6أشهر) من نوفمبر 1970 وحتى مايو 1971، ويمكن من باب سرد بعض التفاصيل القول أنه نظر للسياسة الثقافية في المجمل من جهة مشاكلها الإدارية والتنظيمية والفنية التخصصية، وابتعد بعض الشيء عن التوجهات السياسية الكلية لها فيما يبدو استشعارا لحساسية التوجهات تلك في ظل صعود السادات لرأس "دولة ما بعد الاستقلال" بعد عبد الناصر.
عين السادات بدلا منه في مايو 1971 د.إسماعيل غانم لمدة قصيرة عاد بعدها للاختيار القديم د.محمد عبد القادر حاتم الذي تولى الوزراة لمدة خمس سنوات كاملة بين فترة ثروة عكاشة الأولى والثانية، واستمر هذه المرة حتى يناير 1972 حيث قرر السادات تهميش الثقافة وضمها للإعلام مرة أخرى (كما كان في ولاية محمد عبد القادر حاتم الأولى)، ويبدو هنا استعادة السادات لمحمد عبد القادر حاتم كان انتصارا لفكرة التهميش والبيروقراطية.
في مارس 1973 جاء السادات بالأديب والروائي يوسف لسباعي على رأس الوزارة حتى 1976 في تجربة للتباديل والتوافيق التي يمكن أن تتماشي مع سياساته العامة وتوجهاته. جاء بعده في مارس 1976 د.جمال العطيفي حتى فبراير 1977، في استمرار لسياسة اختبار التبادل والتوافيق ذاتها دون ووضوح للهدف الغرض من الثقافة عموما وسياساتها.
في عام 1977 عين السادات الأديب عبد المنعم الصاوي بديلا جديدا في سياق اختبارات التباديل والتوافيق، لكن تناقضات المرحلة وتوجهات ما بعد الحرب مع إسرائيل وتبعاتها وزيارة السادات للكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1977، ثم توقيع اتفاقيىة السلام مع إسرائيل في سبتمبر 1978، كانت تلك القشة التي قسمت ظهر البعير فتم فصل الثقافة عن الإعلام بما له من دلالات، وألحقت بالتعليم والبحث العلمي وعين لهم السادات في عام 1978 د.حسن إسماعيل، حيث تمردت معظم طوائف وأبنية الثقافة على السياسات الجديدة التي خطها السادات، وفي مزيد من التهميش والتخبط في المطلوب من وزارة الثقافة عادت الثقافة عام 1979 للإعلام تحت إشراف منصور حسن!
وقبل اغتيال السادات مباشرة في أكتوبر 1981 أي في سبتمبر من العام نفسه أعاد السادات الثقافة مستقلة مرة أخرى في استمرار للحيرة وعد م تحديد للمطلوب منها كأحد السياسات العامة ضمن حزمة سياسات الدولة المصرية، وعيم لها اسما جديدا هو محمد عبد الحميد رضوان,


- السياسة الثقافية لـ"دولة ما بعد الاستقلال": فترة مبارك

حينما تولى مبارك بعد السادات أبقى على آخر وزير ثقافة وجده عند سلفه لمدة أربع سنوات كاملة، في دلالة على الروتينية وعدم أهمية الملف كثيرا، فاستمر محمد عبد الحميد رضوان من سبتمبر 1981 وحتى سبتمبر 1985، في ظل سياسة التهميش وغياب التوصيف الوظيفي الضابط والسياسات الحاكمة بوضوح، المستمرة منذ عهد السادات.
وفي سبتمر 1985 أجرى مبارك تغييرا يبدو روتينيا أيضا وفي السياق نفسه للسياسة الثقافية المائعة المستمرة منذ عهد السادات، حين عين د.أحمد هيكل للثقافة الذي على المسار نفسه والذي استمر استمر دون تغير واضح حتى عام 1987م.
وفي أكتوبر 1987 سيجرى مبارك تعديلا في الوزارة سيصبح له الأثر الأبرز الثاني بعد ثروت عكاشة، واقصد الأثر الواضح في شكل السياسة الثقاية وليس بمعنى الأضافة، ففي هذا العام تم اختيار الفنان فاروق حسني وزيرا للثقافة الذي سيستمر حتى ثورة يناير لمدة ناهزيت الربع قرن من الزمن، حيث في عهده ستتشكل سياسة ثقافية واضحة أخذت شكلها المحدد مع مطلع التسعينيات، ومع وضوح الشكل العام لدولة مبارك ذاتها بعد حرب الخليج، إذ اعتمدت السياسة الثقافية في عهد فاروق حسني على فكرة إدارة التناقضات ووجود الأضداد والحركة في محلك سر، والمعرفة كإطار كرنفالي يزايد في اتجاه الحريات والأدب وما بعد الحداثة، وتراجع الاهتمام بالفنون الشعبية سوى بعض المشاريع الفردية التي رأيت العمل في ظل التناقضات القائمة بديلا عن الانسحاب تماما واليأس من المشهد، وتراجع المسرح والسينما، ولكن كل ذلك أيضا كسياسة ثقافية عامة للدولة المصرية ارتبط بالسياسة العامة للدولة المصرية التي تشكلت في نهاية التسعينيات، التي أصبحت في ازمة مع مستودع هويتها، خاصة بعد حرب الخليج الثانية وخروج العراق من ميزان القوة العربية، وظهور مشروع السلام الوهمي وفكرة الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده إسرائيل اقتصاديا، وتبني مصر مشروع التطبيع الثقافي الرسمي حتى اغتيال إسحاق رابين شريك السلام المزعوم الإسرائيلي.
بالإضافة إلى ذلك قامت السياسة الثقافية لفاروق حسني على خلق طبقة ثقافية جديدة، قامت على استقطاب المبدعين وليس المفكرين وضمهم لقطاعات الوزارة، لخلق طبقة تابعة تكون هي مركز فكرة التناقضات وخلقها وإدارتها! حيث ترتبط مصالحها بقطاعات الوزارة ولكنها تزايد عند الحاجة باسم الوطنية والثقافة والشعارات الكبرى، وعلى ضفاف هذه الطبقة التابعة ومن داخلها تم خلق شريحة "الصحافة الثقافية" التي قامت أيضا على استقطاب المبدعين لا الصحافيين الموهبين، وبالتوازي وفي سبيل خلق النخبة التابعة التي تشكل "النمط الثقافي السائد"، تشكلت طبقة أكاديمية كيفت من نفسها ومن خطابها العلمي، مركزها يقع في جامعة القاهرة وكلية الآداب تحديدا، حيث تواجدت عدة أسماء شكلت نواة "النمط الثقافي" على تباينها، يقع على رأسها د.جابر عصفور، وامتد خلق الطبقة الثقافية الجديدة عبر اختيار مواضيع المؤتمرات ولجان الترقية ولجان التعيين في الجامعة وأعضاء لجان المجلس الاعلى للثقافة ومنح الجوائز.
بحيث شيئا فشيئا بالفعل أصبح لدينا سياسة ثقافية تسيطر على كافة المفاصل الناعمة للدولة، موقفها العام من التوجه الحضاري بين الذات والآخر - وهذا مربط الفرس - اختلف عن طرح طه حسين واختلف عن محاولة ثروت عكاشة النقل عن الآخر الحضاري مع منحه الروح المصرية، وهو الموقف الذي عبر عنه كثيرا خطاب جابر عصفور كمركز معرفي للسياسة الثقافة المصرية إلى جوار فاروق حسني كمركز بيروقراطي لها، وهذا الخطاب الموقف الذي قدمه عصفور قام على ما يشبه الاستلاب للآخر الحضاري تماما والانسلاخ عن الذات العربية والمصرية ومستودع هويتها، وكان من أثر السياسة الثقافية تلك ان تم استخدام خطابها وموقفها من التراث والدين كوقود للإرهاب والتطرف وليس كما يدعون كحائط صد له.
كما أن جابر عصفور -وبعض رفاقه الذين اختلفوا في التفاصيل ولس في التوجه العام- طور أو أنتج تمثلات معرفية تبرر للنخبة الثقافية التابعة التي خلقها من المبدعين والموظفين والصحافيين والأكادميين، ما يبرر موقفهم الوجودي المرتبك في الحياة، فانتج مقولات ثقافية مثل زمن الرواية في مواجهة زمن الشعر، أو الفضفضة والحكي بديلا عن اختصار العالم ومواجهته، تم تصعيد قصيدة النثر بما تقدمه من أفكار تروج للانكسار والهزيمة والتشيؤ باسم الفن والإبداع والحرية واختراع معركة وهمية باسم التنوير مع القطيعة مع التراث والمجتمع، وهو ما انعكس لحد بعيد في السياسة الثقافية السائدة في المكركز القومي للترجمة مثلا الذي اهتم كثيرا بالأدب على حساب المعرفي، وإن ترجم ما هو معرفي قدمه دون دراسة وتوضيح للعلاقة بين سياق الذات والآخر، وانعكست في قطاعات الفنون الشعبية وفنون الأداء التي كادت أن تضمحل تماما، وتهاوت مع كل ذلك النمط الثقافي السائد والنخبة التابعة لها مكانة مصر عربيا على المستوى العام والاسماء ذاتها، في السينما والمسرح والشعر والعلوم الإنسانية ومعظم مجالات القوة الثقافية الناعمة، ووضع مصر الآن في موقف حرج للغاية على كافة دوائرها السياسية العربية والإفريقية والدولية.

ملاحظات على السياسة الثقافية المصرية
فيما قبل 25 يناير 2011

مما سبق يمكن أن نخرج بعدة قراءات وخطوط عامة رئيسية للسياسة الثقافية المصرية، وهي أن السياسة الثقافية الواضحة لمصر في فترة "دولة ما بعد الاستقلال" من الاحتلال الأجنبي وحتى ثورة يناير، أخذت تمثلين رئيسيين الأول مع ثروت عكاشة حيث توحدت تلك السياسات الثقافية مع مفاهيم "الأمن القومي" و"مستودع هوية" الذات المصرية بتراكماتها المتعددة ودوائر حركتها الداخلية والإقليمية والأفريقية والدولية، ووصلت قوة مصر الناعمة في حينه لمداها الأقصى متبنية مصر اتجاها ثقافيا يقوم على "الخصوصية" الثقافية مع الانفتاح على الأشكال والأبنية الحديثة الوافدة من الخارج مع منحها الروح المصرية.
التمثل الثاني الواضح للسياسة الثقافية المصرية في فترة "دولة ما بعد الاستقلال" كان في عهد فاروق حسني/ جابر عصفور، واعتمد كثيرا على مفاهيم "الأمن السياسي" وخلق التناقضات وإدارتها، والقطعية مع "مستودع هوية" الذات المصرية والعربية، والتوجه الثقافي الأقرب للاستلاب للآخر الحضاري مما مسخ القوة المصرية الناعمة وأفقدها سماتها الخاصة وجعلها أقرب لتيار "التنميط" واستقبال القوالب والأفكار الأوربية والذوبان فيها، مما جعل القوة الثقافية الناعمة لمصر تتراجع وتضمحل على المستوى الداخلي والعربي والأفريقي والدولي.
وأخيرا يحاول تلامذة السياسة الثقافية الثانية "السائدة" منذ تسعينيات القرن الماضي ممارسة عملية تشبه "الانتحال الثقافي" من "النخب الثقافية الجديدة" التي ظهرت مع ثورة 25 يناير وتنتمي لحالة "الخصوصية الثقافية" و"استعادة الذات" المصرية والعربية وتحولها إلي نموذج حضاري جديد يتمفصل حول "لحظته الآنية"، وتستمر في الآن نفسه سياسات إدارة التناقضات نفسها مع عمليات التباديل والتوفيق و"إعادة تدوير" النخب المستهلكة المحسوبة على السياسة الثقافية المستلبة فيما قبل 25 يناير، لكن المشكلة أن مصر دخلت الان لحظة حضارية فارقة مع "جائحة كورونا" وتحديات ظهورها كـ"دولة صاعدة"، واحتمالات التدافع الحضاري في المجال الأفريقي مع ملف "سد النهضة"، وكذلك وصول السياسة الثقافية السائدة للحد الذي أصبحت بلا طائل او جدوي سوى مجموعة من تقارير الأداء وبيانات الصحف التي تخرج في صور كمية، لا علاقة لها أبدا بالكيفية ووضع توصيف وظيفي جديد لقطاعات الثقافة يواكب مشروع مصر كـ"دولة صاعدة".
كانت هناك بعض الحلول الإدارية لتوفير الدعم والموارد للوزارة عن طريق الضم مع الآثار بما لها من عوائد، أو عن طريق التعاون الميسر مع وزارات أخرى لتوفير الأرض والموارد، في مفهوم مدمج للإدارة أصبحنا نفتقده الآن/ لغياب الكادر الثقافي الواعي لمهام دوره ومتطلباته، والذي يكتفي بأداء وظيفة تحولت إلى روتين يومي لا اجتهاد فيه.

بحثا عن المستقبل
(محددات ظهور سياسة ثقافية جديدة لمصر)

أعتقد أنه حان لمصر أن تبحث في وضع سياسة ثقافية جديدة تتجاوز إعادة تدوير نخب "النمط الثقافي السائد" ذاته، التي أفقدت الدولة الكثير من مساحة المشترك مع الناس والمهتمين بحال الثقافة، قبل أن نغير الأسماء ونعود للمأساة ذاتها المستمرة منذ ما بعد ثورة يناير. سياسة ثقافية عنوانها "استعادة الذات" كنموذج حضاري جديد يتسق مع ظرفيته ويتمفصل حول "اللحظة الآنية" وطموحاتها، وينفتح على العالم في "تبادل للمزيج الثقافي" وفق المصالح العليا لمصر ومتطلباتها كـ"دولة صاعدة".
أعتقد أن هناك تصورات الآن.. أقرب للوضوح للمطلوب من سياسة ثقافية جديدة لمصر، فيجب أن تواكب طموحها بالتحول لـ "دولة صاعدة" في عالم ما بعد جائحة كورونا، وتتجاوز "المسألة الأوربية" بتمثلاتها افتتانا أو نفورا، وتتمفصل حول "اللحظة الانية" وقدرة الذات على خلق لحظة تحديث خاصة بها من داخل "مستودع الهوية" الخاص بها، بعيدا أن أفكار الاستلاب الحضاري للآخر والترويج لهيمنته، والأهم استعادة "القيم الأساسية" المشتركة للمجتمع المصري وتجاوز أثر الاستقطابات السابقة، من خلال "كتلة جامعة" تؤمن بكامل "مستودع هويته" وتتحرك وفق مفاهيم "الأمن القومي" لا وفق مفاهيم "الأمن السياسي" التي كانت شائعة في فترة إدارة التناقضات وخلقها.
سياسة ثقافية تستعيد دور المؤسسة على المستوى الشعبي بتفاصيله، وعلى المستوى النخبوي في تقديم التصورات للعبور للمستقبل، مع الربط الفعال والتواصل بين الثقافي، والتعليمي، والأكاديمي، والأهم المحتوي الإعلامي السينمائي والدرامي بما له من الأثر الأكبر في خلق النموذج والمثال لدى الناس في المجتمع المعاصر.
يجب أن تكون السياسة الثقافية الجديدة تلك ومن يطرحونها للتطبيق على وعي وصلة بحزمة السياسات العامة التي تسعى الدولة المصرية لتطبيقها الآن تجاوزا لكل تناقضات الماضي، وفي لحظة "تدافع حضاري" حرجة ومفصلية للغاية.
من ثم يمكن بكل سهولة للخطوط العامة تلك كمحددات لسياسة ثقافية جديدة، مع الوعي بتفاصيل ما بعد ثورة 25 يناير 2011، وتاريخ المشروع الثقافي المصري المعاصر في فترة "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي، والمشروع الثقافي في الفترة الملكية، يمكن بكل سهولة إذن لهذه المحددات العامة للسياسة الثقافية الجديدة المقترحة أن تشغل تفاصيل دولاب العمل في قطاعات الوازرة المختلفة، وتنسق تفاعلها مع بقية السياسات العامة المقترحة للدولة المصرية في مرحلة طموحها الحضاري الجديد.

خاتمة:
شكرا "لطبقة الثقافية" القديمة بتناقضاتها
وسعيا لتأسيس "طبقة جديدة" فعالة ونشطة

حان وقت تجاوز التناقضات ووقف "إعادة تدوير" النخب المستهلكة بكافة طوائفها وشبكات المصالح التي نسجت حولها، في الجامعات، والصحافة الثقافية، وقطاعات وزارة الثقافة، والدوائر الإعلامية والرسمية والمجال العام عامة.
لقد وصلت فكرة السياسة الثقافية السائدة منذ التسعينيات التي كانت تقوم على مشروع الكرنفالية والقطيعة مع الذات وأفكار ما بعد الحداثةـ إلى نهايتها، وحان وقت ظهور سياسة ثقافية جديدة مركزها اللقاء مع حلم الناس في التحقق من خلال الذات وسياقها الخاص، سياسة ثقافية تتفق مع مشروع مصر ودولها كـ"دولة صاعدة" في عالم ما بعد جائحة كورونا.
في القلب من ذلك يأتي الكتاب وهو الوسيط الناقل لروح الثقافة الإنسانية مهما تعددت الوسائط الحاملة والمعاصرة افتراضية كانت أو واقعية، يجب أن تستعيد هيئة الكتاب بوصفها الناشر القومي دورها كصانع للسوق، الذي هو لب السياسية الثقافية الخاصة بها، وليست مجرد رقم تائه يقدم بعض الإصدارات لا اختلاف بينه وبين غيره، ويجب على هيئة الكتاب الاضطلاع بباقي التوصيفات الوظيفية الموجودة في لب اللائحة التي تحكم عملها، والتي تعرضت للتراجع الشديد مثلها مثل غيرها من القطاعات في ظل التدافعات والأهواء الشخصية التي سادت، منذ فترة ما بعد ثورة 25 يناير.
أعتقد أنه حان الوقت لسياسة ثقافية جديدة، مع تقديم الشكر والتكريم لمعظم الوجوه التي تنتمي لـ"النمط الثقافي السائد" في كافة قطاعات الوزارة، وبناء "نمط ثقافي" جديد يتسق مع مشروع مصر كـ"دولة صاعدة" واستعادة مكانتها في عالم شديد التداخل والتدافع، تدعمه طبقة ثقافية جديدة مؤمنة به.
أرى أن "إعادة تدوير" أي اسم من تلك النخب في تغيير وزاري مرتقب مواكبة لتحديات ما بعد "جائحة كورونا"، سيكون والعدم سواء.. معظمها أسماء استهلكت نفسها ولا تصلح كأرضية مشتركة للمستقبل أبدا، معظمهم فقد المصداقية الشخصية أو الموضوعية مع الناس، معظمهم خلع برقع الحياء استنادا للظرف السياسي الذي تمر به مصر وراكم في اتجاه مصالحه الشخصية الذاتية، وأعمل أهواء نفسه وأطلق لها العنان على حساب الصالح العام، واستغلالا لانشغال الإدارة السياسية للبلاد بما هو أهم..
إن ما هو أهم حان وقته، مصر لن تستطيع العبور للمستقبل كـ"دولة صاعدة"؛ دون سياسة ثقافية مدمجة وفعالة ضمن حزمة سياسات عامة تدرك موقعها الحضاري، وترصف طريقها نحو المستقبل داخليا وخارجيا.
ويبقى الأمل لا ينقطع.