فايروس كورونا لا يعرف حدودا

كاظم الموسوي
2020 / 5 / 1

منذ الإعلان عن فايروس كورونا المستجد، كوفيد -19، وانتشاره السريع والاعتراف بتحوله الى جائحة اصابت المعمورة والإقرار بخطورته الفعلية اهتمت وسائل الإعلام المختلفة بالنشر والحديث والنقل عنه، سواء من أطباء أو خبراء صحة واوبئة معدية أو إعلاميين متصلين بالحدث ومتابعين لتطوراته عبر اللقاءات والحوارات الصحية والمؤتمرات الإعلامية الرسمية. كما قامت المنظمات الدولية ذات العلاقة بالشرح والتحليل والنصح والاستشارات، بحيث لم تخل وسيلة إعلامية، بمختلف اللغات والوسائط، من ذكر الفايروس والجائحة التي سببها. وكلها تصب في شرح وتوصيف الفايروس وخطره ووسائل العلاج أو السبل التي تمكن من مواجهته صحيا وعلميا. وأصبحت المعلومات عنه موازية كميا ونوعيا لما اصابه أو أحدثه من فزع وخوف وكوارث لم تحدد مدياتها بعد.
الفايروس لا يعرف لغة ولا حدودا، لكن سنأخذ مما حصل في المملكة المتحدة مثالا معبرا عن غيرها من البلدان والحالات والأحداث. ومن أبلغ ما نشر تقرير لجيسيكا موري في صحيفة الغارديان البريطانية، 2020/03/27 بعنوان "مؤلم للغاية... مصابون يطالبون الناس بالتعامل مع المرض بجدية". قابلت الكاتبة عددا من البريطانيين المصابين بفايروس كورونا عبر الفيديو من داخل عزلهم في منازلهم، حيث حدثوها عن الأعراض التي أصابتهم والآلام التي شعروا بها. فنقلت عن آندي هاردويك (51 عاما)، إن المرض حوّله على حين غرة من شخص مواظب على الرياضة إلى شخص لا يستطيع النهوض من الفراش بسهولة. وقال هاردويك إنه في العادة في حالة صحية جيدة، ويذهب لممارسة الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع، لكن فايروس كورونا طرحه أرضا. وأضاف: "عمودي الفقري يؤلمني، ظهري يؤلمني. لا أستطيع الحديث طويلا، لأن الكلام يجعلني غير قادر على التنفس. لا يمكنني أحيانا أن أرفع رأسي عن الوسادة من شدة الإعياء". وأضاف "يأتي الألم على موجات، واشعر بتحسن طفيف أحيانا، ثم يعاود الألم، وهو ألم شديد حقا. ليس كأي ألم شعرت به من قبل". وقال هاردويك إن المرض بدأ يوم الجمعة "بسعال جاف جدا" أصاب حلقه بألم بالغ، فقرر أن يبقى في فراشه، على أمل أن تنتهي الأعراض بحلول الصباح. لكنه استيقظ بارتفاع في درجة الحرارة، وأصبح يعاني من صعوبة في التنفس". واستطرد قائلا: "كنت أتصبب عرقا في فراشي وأشعر بعطش بالغ". وكتبت الصحافية: إثر ذلك اتصل بالرقم الذي خصصته الخدمات الطبية الحكومية لحالات كورونا، وشُخصت حالته على أنها كذلك. وأضاف هاردويك "إذا انتابني السعال، يكون ذلك أمرا مؤلما جدا. وإذا حاولت أن اضحك، فلن استطيع، لأن الضحك صعب جدا".
أما سارا آشلي، 36 عاما، فقالت للصحيفة إنها استيقظت الاثنين بما ظنت أنه صداع بسبب تناول الكحول: "كنت أشعر بإرهاق شديد، وظننت أنني فقط في حاجة إلى النوم مبكرا". ثم بدأ السعال، الذي وصفته آشلي بأنه سعال جاف عميق من أعماق الجهاز التنفسي. ويوم الخميس قررت أن تعمل من المنزل. وتصف آشلي آلام الصدر والجهاز التنفسي التي شعرت بها "كنت أشعر كما لو كان شخصا يقف فوق قفصي الصدري".
هاتان صورتان لحالتين عانتا من الفايروس تعطيان وصفا لما يكابده المبتلى به، ولكن الفايروس لم يتوقف عندهما أو في بلدهما، بل زحف بشكل لم يتخيله اي صاحب خيال في هذا الشأن. وضرب اغلب البلدان في المعمورة، من اقصى شرقها الى أقاصي غربها، فقد توسع في الغرب بعد أن كان قد انتشر في الشرق. وسجلت الوفيات في ايطاليا واسبانيا أعلى معدلات الوفيات في يوم واحد في البداية، متسابقة مع الصين ومتوازية مع الالف وفاة خلال اليوم الواحد. ولهذا اتخذت هذه الدول سياسات الإغلاق العام والعزل والحظر والابتعاد الإجتماعي حفاظا على ارواح سكانها، ولكن الإصابات لم تتوقف ولحقت الولايات المتحدة لتتجاوز ايطاليا في الأعداد للمصابين والمتوفين. الأمر الذي دفع المسؤولين في هذه البلدان إلى الدعوة إلى العمل المشترك لمواجهة الجائحة والبحث عن حلول لها. وهناك قصص كثيرة عن تصريحات مسؤولين فيها وتناقضاتهم في مواجهة الجائحة والتصدي لها، بالتعاون المشترك أو بالامكانات الوطنية. فسياسات الاغلاق العام لم تنه انتشار الفايروس ولها تداعياتها المختلفة على جميع الصعد الاخرى، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ورغم كل المساعي والجهود وانخفاض الأعداد وتراجع الإحصاءات الا أن الخطر لم يزل مستمرا. ولان الفايروس لم يفرق بين زواره ولغاتهم وأحوالهم، ففي المملكة المتحدة لم يعد مفاجئا أن يكون من المصابين بالفايروس رئيس الوزراء بوريس جونسون، الذي أعلن بنفسه ذلك، وصرح محذرا من خطر الفايروس وداعيا إلى الألتزام بالتوصيات الحكومية والصحية وقال كلاما اخر..
في بيانٍ له،(2020/03/27) قال جونسون "عانيت من أعراض خفيفة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وجاءت نتيجة اختبار كورونا إيجابية، لذا سأخضع للعزل المنزلي، ولكنني سأستمر في قيادة الحكومة في مكافحة الفايروس، عبر تقنية الفيديو والبث المباشر". ونقل بعدها إلى العناية الخاصة والمستشفى وبعد تعافيه تحول إلى البيت الريفي حاليا.
وبعد ساعتين من خبر جونسون اعلن وزير الصحة البريطاني مات هانكوك، أنه مصاب بفايروس كورونا المستجد ايضا، وخضع للعزل. ونشر تغريدة على "تويتر"، أكد فيها أن نتائج فحص الإصابة بفايروس كورونا الذي خضع له كانت إيجابية، مضيفا أنه يعاني من أعراض طفيفة للفايروس وعزل نفسه في المنزل.
هكذا لم يسلم من الفايروس بلندن، عاصمة الإمبراطورية التي لم تغرب عنها الشمس ايام زمان، اعلى مسؤولين في السلطة والاختصاص وكذلك ولي العهد الملكي ألامير تشارلز وغيره، والقوائم طالت أعدادا كبيرة مرعبة كل يوم في كل العواصم والبلدان. وفي المستشفيات البريطانية تصاعدت الأرقام والاعداد، كل يوم، بما فيهم اعداد من الاطباء والممرضين والعاملين في المجالات الصحية. (ومن بينهم أطباء من أصول عربية، من العراق والسودان وسوريا وليبيا ) وأثبت الفايروس عمليا في انتشاره وخطورته عدم معرفته باللغات ولا الحدود.. وآثاره لم تحدد بعد، نعيش منها ما يرسم لنا مآسيا قاسية، ويسجل التاريخ بعضا منها أو بعض الحقائق والوقائع المؤلمة عنها بلا حدود.