مهزلة رأفت الهجان : الفخر الوطني والوعي الزائف نقيضان لايجتمعان

أمين المهدي سليم
2020 / 5 / 1

قديما كان يقال "الناس على دين ملوكهم"، ولكن يبدو أن هذه المقولة تطورت في مصر لتصبح :"المصريون على دين تليفزيوناتهم"، بعد أن تسلطت على مصر جمهورية اقطاع عسكري مركزية طوال 68 سنة تقريبا أدواتها الأساسية في الاستمرار هى القمع الوحشي والدعاية المكثفة وتغييب كامل للشفافية.
المسلسل التليفزيوني الناجح جدا في مصر وكل العالم العربي "رأفت الهجان"، وهو أسم البطل في المسلسل، بينما اسمه الأصلي "رفعت الجمال" وهو من أحد عائلات سلطة المخابرات والمال، ويحكي المسلسل عملية اختراق مخابراتية مصرية مفترضة لإسرائيل، على نقيض من الواقع حيث اكتشفته مخابرات إسرائيل بعد وقت قصير نسبيا، وحولته إلى جاسوس مزدوج، وتحول بالتالي من عملية تستحق الفخر إلى عملية مهينة وهزيمة مزرية لجمهورية العسكر البوليسية.
بعد كل اتصريحات من كل حدب وصوب بما فيها تصريح رئيس جهاز الأمن القومي المصري الفريق محمد جبريل والكاتب محمد حسنين هيكل الأقرب إلى قلب جمهورية يوليو العسكرية ومازالت له مصداقية كبيرة في مصر والعالم العربي (وإن كنت شخصيا أعتبره كاتب أدب سياسي وأتحفظ على أغلب رواياته) وهو الذى قال:"لم يكن لمصر بين حرب 56 وحرب 67 جاسوسا عليه القيمة"، بجانب تصريحات ووثائق إسرائيلية ذات مصداقية وثقة، بعد كل هذه التأكيدات أن رفعت الجمال كان في الحد الأدنى جاسوسا مزدوجا، وفي الحقيقة كان جاسوسا إسرائيليا فقط. وبالرغم من أن قبره ظل في ألمانيا، ولم تطالب به مصر في أي يوم من الأيام، بجانب أن الحكومة المصرية رفضت أن تعطي زوجته وابنه وابنته مجرد اقامة وليس جنسية يفترض قانونا أنها من حقهم.
الأسوأ أن المخابرات الإسرائيلية عن طريق المعلومات التى حصلت عليها منه اخترقت أسر ضباط التشغيل أنفسهم، وعلى سبيل المثال لجأ ابن اللواء محمد نسيم (نديم قلب الأسد في المسلسل) إلى إسرائيل وتزوج إسرائيلية يهودية، ولم يقف الأمر هنا للأسف إذ أن محمد نسيم عندما كان مسؤولا عن السياحة في سيناء! قدم له التراخيص وكل "اللازم" لقرية سياحية على ساحل العقبة، وفي وسط كل هذه العشوائية والفشل والفساد والجبن أسقط النظام بعد وفاته الجنسية التى أصبحت مهينة ولا قيمة لها تحت حكم العسكر عن حفيدته التى تحمل أيضا الجنسية الإسرائيلية.
بعد كل ذلك من المحير أن تجد بعض الأشخاص على جانب من التعليم والثقافة مازالوا يعتقدون أن رواية المسلسل رأفت الهجان صحيحة وأنه من المفاخر الوطنية.
أعرف أن الفخر الوطني هو في الحقيقة احتياج مجتمعي في كل بلاد العالم، ولكن مع فروق جوهرية في مستويات الوعي، إذ أنه في الدول المتقدمة يُجل أهل العلم والمفكرين والكتاب والفنانين والرياضيين المبدعين وأبطال وشهداء الحرية والتحرير، بإيجاز يُجلون ويرفعون من قيمة الأبطال المدافعين والناشطين من أجل القيم المدنية.
كانت مصر تذخر بالأبطال المدنيين في كل مجالات الرفعة والسمو الوطني في العصر المدني والدولة المدنية قبل الإنقلاب العسكري المشبوه في 23 يوليو 1952 بواسطة جيش مهزوم تاريخيا ومحشو بالجواسيس والجشعين والخونة منذ تأسيسه قبل 140 عاما تقريبا على أيدي خائنين وعملاء للإنجليز هما أحمد عرابي ومحمود سامي البارودي، وهذا موثق وثابت بعشرات الوثائق (سأنشر قريبا سلسلة تتناول هذا الموضوع)، ومن يوم هذه الكارثة تسلطت على مصر عصابات العسكريين وفكرهم الإخواني الريفي الساذج الظلامي والفاشي، وذهبوا يلقنون الشعب ثقافة الحرب الغرائزية الرخيصة وعبادة القوة المنحطة عبر تاريخ ديني ووطني عسكري مزيف لاإنساني ولاأخلاقي، كان أنسب غطاء للتدهور والإنحطاط في كل مجالات الحياة، وهكذا ضاعت كل القيم المدنية وفي مقدمتها الوطنية المدنية الحارس الوحيد للوطن. وهكذا أيضا سقطت مصر كلها تحت تسلط عصابات من الخونة والجواسيس واللصوص والمجرمين والقتلة والجهلة من أقذر وأحط عسكرية في العالم وربما طوال التاريخ.
من المنطقي بعد ذلك أن يتاجروا في التراب الوطني والموارد الوطنية ويبيعون ماء النيل ويعتقلون مئات الآلاف من أفضل وأجمل فتيات وشباب مصر ويصفون الآلاف ويشرعون في الإبادة الجماعية والتهجير القسري لأهل سيناء ويهتكون أعراض النساء المصريات الحرائر.
على كل شخص شريف أن يسأل نفسه كيف يتأتى أن تكون بطولة في نظام يسدل الظلام على كل أنشطته ويختزل الشعب والوطن والدولة في جيش خائن ومهزوم تاريخيا. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي