لكي لا نفرط في التفاؤل

عصام شعبان حسن
2020 / 5 / 1

أصبح عنوان العالم بعد كورونا متكرّراً، يحمل تبشيراً بعالم جديد، أغلب وسائل الإعلام تستدعي الموضوع، وتنشر مراكز أبحاث مقالات مطولة ودراسات أولية، وتقديرات كثيرة يحظى بعضها بانتشار عربي تحمل قدراً من التفاؤل، يغلب عليه التمني والطمأنينة، أكثر من الموضوعية. وبعضها يعتبر حقائق منظورة في العالم منذ سنوات اكتشافاتٍ جديدة. ولا تختلف في ذلك التقديرات غير المتفائلة أيضاً، فما الجديد الذي يسوّقه بعضهم أن العولمة تشهد إخفاقاً، أو أن فيروس كورونا كشف عورات النظام الاقتصادي وفشل السياسات النيوليبرالية، وطرح عناوين عريضة عن اتساع النزوع القومي، وغياب (أو تضاؤل) مظاهر تضامن أممي (أوروبي خصوصاً)، وفساد منظمات دولية. يساق ذلك، وكأن القائلين به كانوا مغيبين عن مشهد عالمي مأساوي واضح الملامح، شمل كل ما اكتشفوه أخيراً، ويبشّروننا على أرضيته بعالم جديد، تقوده الحكومات في تصوّر بعضهم، أو يفرض عليها سياسات لمعالجة أزمات مستجدّة، بينما الواقع أنها أزمة قديمة ومتجذّرة. وثمة آخرون متفائلون بحدوث تغيير ثوري، خارج النظم وبيد الجماهير.

لا يلغي ما سبق أثر كورونا على مناحٍ اقتصادية وسياسية، بل وثقافية ونفسية أيضاً، ولكن ما يطرح اليوم يعيد التذكير بمشهد سابق عن التصورات التي تكرّر بوصفها اكتشافات، فأزمة النظام الاقتصادي العالمي عميقة وقديمة، شهدنا محطتها البارزة المسمّاة بالأزمة المالية عام 2008، وعبّرت عن عجز الاقتصاديات عن القيام بأدوارها المتعدّدة، منها توفير العمل وتلبية الاحتياجات، وزيادة التنمية، وتحسين أحوال الشعوب عموماً، وقد سعت إلى تحقيق أكبر معدّلات الربح عبر الهيمنة والسيطرة والتلاعب بالعقول بكل الطرق، منها ما اعتبر قواعد في تسيير الاقتصاد والسياسة والتلاعب بالثقافة أيضاً، ومن ذلك الاقتصادي الامريكى ملتون فريدمان ومدرسته، والنظم التي تتغنى بالحريات الفردية وقدسية السوق والديمقراطية، إذ دعمت الديكتاتوريين العسكريين في الوقت نفسه، وما زالت تفعل.. وبذلك، هل يمكن تصديق المتسببين في الأزمة أنهم قادرون على علاجها؟ سبق أن وصفت كتابات مهمة مر عليها ما يقارب عقدين هذا المشهد، منها وصف عالم الاقتصاد الأميركي، جالبريث، لجانب من الأزمة عام 2004 في كتابه "الاحتيال البريء". واليوم يُمارس احتيال أيضاً، وأمام الأزمة وعود بعالم جديد، ولم يكن الاحتيال سابقاً أو الآن بريئاً من الجرائم المرتكبة.

30 أبريل 2020

أظهرت الأزمة العالمية المتتالية مؤشرات وتوقعات خطرة، ولكن النظم والقائمين عليها لم يغيروا شيئاً. اتسعت أسس الأزمة وتفاقمت مظاهرها، وتوسع النشاط الخدمي والمالي على حساب الإنتاج. ولذا فإن القول إن أزمة كورونا، بوصفها ظرفاً موضوعياً، ستغير السياسات الاقتصادية الحكومية شديد التفاؤل، إذ لن تضحّي القوى الاقتصادية والحكومات التي تمثل مصالحها، ولن تتغير السياسات سوى بالشعوب، والشعوب هنا ليست مقولة عامة. الذين سيغيرون هم الفئات الشعبية فيها، الفاعلون والمتضرّرون من الأزمة. وفي السياق نفسه، التبشير بعالم جديد واقتصاد يحقق قدراً من العدالة والمساواة والإنصاف، ويعيد التوازن الذي لن يتحقق إلا بتوفر عوامل التغيير الذاتية للقوى الثورية والتقدمية، مع تحالفات وشبكات اجتماعية واسعة، من بينها قوى وأحزاب تستطيع حشد جماهيرها من أجل التغيير.
ظلت شعوب الشرق الأوسط تتحرّك وتحتجّ قبل موجة الثورات العربية بسنوات، ومع ثورتي تونس ومصر (2011) شهدت مناطق أخرى في العالم احتجاجات اجتماعية واسعة. كذلك شهد العام الماضي موجة جديدة من الحركات الاحتجاجية والانتفاضات في دول عدة، عربية وآسيوية وأوروبية، أي أن الذين استيقظوا على أن فيروس كورونا سينتج موجة احتجاجية جديدة ستغير العالم يتناسون الحركات الاجتماعية الممتدة عربياً وأوروبياً منذ 15 عاماً، والتي اصطدمت بعدم توفر ظروف عدة في تحقيق أهدافها، أو نقل تفاوتات في درجات تحقيق أهدافها، وربما كان الواقع الاقتصادي أقل الجوانب تغييراً في تلك البلاد، وهذا يجعل طرح فرضية التغيير السياسي والاقتصادي مرهونةً وحسب بظرف موضوعي (كورونا مثلاً) ليست دقيقة. التغيير مستقبلاً، وفي أغلب الأحيان، مرتبط بتفاعل الظرفين، الموضوعي والذاتي، والإجابات المطلقة واليقينية هنا تقع محل تشكك، فالتغيير قانون الوجود في حركة الشعوب، كما في الطبيعة، لكنه ليس ميكانيكياً، كما يحتاج إلى إنضاج شروطه.

ليس الحلم بتغيير العالم وواقع الطبقات المأزومة يدفعها إلى أن تبني أوهاماً أن الحكومات ستغير سياساتها، أو أن الشعوب ستنتفض، فيتحقق التغيير من دون استيلائها على السلطة، وتمكّنها من فرض التغيير الذي يمثل المنتفضين. الحركات الاجتماعية المحتملة مستقبلاً ستكون نتاج الأزمة الشاملة، والتي تعد كورونا إحدى حلقاتها، أو بمعنى أدق مؤشراً على انكشاف الأزمة. ليست كورونا متاهةً كما يحب بعضهم تسميتها أو اللغز الغامض، بل العرض لمرضٍ كاشفٍ عن أزمات البشرية، ومن يسيرون العالم، وعن معاناة الشعوب. هي مؤشر ضمن مؤشرات أخرى يتم تجاهلها. ويمكن حتى من خلال قراءة تقارير أممية، لغتها مخففة وشبه دبلوماسية، إدراك حجم كوارث الفقر والجوع والمرض. شيءٌ مخجلٌ ومتناقض التراكم المستمر للثروات، وإنفاق المليارات على التسليح والحروب، بينما مليارات من البشر معطلون جائعون، ومرضى يعانون الفقر ونقص الخدمات الأساسية. وفي صورة أقل وطأة، هناك علاقات عمل أقرب إلى العبودية، غير مؤشّرات انتهاكات حقوق الإنسان عالمياً وأفريقياً وعربياً، إذا أردت التخصيص، تدل على عمق الأزمة وطبيعتها العالمية، ما قبل كورونا وما بعدها. شعوب يهجّر ويقتل منها ملايين، وفي السجون أعداد هائلة، منهم أطفال، هذا بعض من فيض الأزمة التي تزدحم فيها المؤشرات والإحصائيات الكمية والدلائل الكيفية.

عن أي تغيير تتحدّث نخب عربية رسمية، وهناك نظم تخشى أن تفرج عن المحتجزين في سجونها أمام خطر محتمل بالعدوى، لا تستطيع تحمل نتائجه؟ هل تستطيع النظم ذات النزعات التدميرية والسلطوية والسادية، كما وصفها إريك فروم في كتابه "الهرب من الحرية"، أن تحدث تغييراً، هل القوى السياسية ونخبها التي فشلت في بلورة وقيادة حراك عشرات الملايين في الوطن العربي، تستطيع قيادة حراكٍ محتمل الآن. صحيح أن من شروط التغيير وعوامله امتلاك الأمل والحلم بالتغيير، لكنه ليس وحده القادر على إحداثه. يحتاج الحالمون إلى قوة وبرنامج ورؤية وقوى تنظمه، بل وكسب تأييد يتجاوز الواقع المحلي في كل بلد، أي تحالفات اجتماعية للمقهورين عالمياً، لأن معركتهم واحدة.
مظاهر التضامن محدودة واللامساواة مستمرة، بل تعمق بعض السياسات التي اتخذت التمييز والضبط والسلطوية، ملايين سينضمون إلى طوابير البطالة، وأوضاع فقر متزايدة، ونظم مستبدة عنيدة، استغلال لا يضع اعتبارات للصحة، وحكومات لا يهمها، وكأنها تريد التخلص من الفائض البشري لديها، ليظل قانون بقائها مستمرّاً، وتحقيق أكبر قدر ممكن من تراكم الأرباح، ألم تخصص دول عدة موازنات مالية وإجراءات اقتصادية ذهبت إلى الشركات الكبرى، بينما ترك المعطلون قسرياً فريسة للتسريح والفصل التعسفي؟

عربياً توقف الحراك الاحتجاجي في لبنان والعراق والسودان، كورونا حائط صد للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، لا مراهنة على الحكومات في التعاطي بقدر من التغيير ومعالجة نتائج الأزمة. حتى الحرب في اليمن لم تتوقف، على الرغم من تخلخل الأحلاف. وفي ليبيا الصراع المسلح مستمر. الصراع العالمي والإقليمي وتمظهراته الثقافية والإعلامية والسياسية قائم، بل تغذيه كورونا بشكل متواتر، بل سيما بين الصين والولايات المتحدة. يبرز الصراع بدلاً من التضامن. الاستغلال بدلاً من العدالة، الاستبداد مستمر ويستغل الأزمة. الخوف يتسع بدلاً من التفاؤل. الأمل في أغلب الحكومات وهم، لا نوافذ للحرية والعدالة إلا بالشعوب، والقدرة على التغيير مرتبط بحشد قواها وتقوية صفوفها وامتلاك أدوات التغيير وشروطه.