سد النهضة .. الأزمة المصرية ودروس الفشل

عصام شعبان حسن
2020 / 5 / 1

أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، اًبي أحمد، في الذكري التاسعة لتأسيس سد النهضة في بلاده، بداية مرحلة تخزين المياه وملء السد مع موسم الأمطار المقبل (يونيو/حزيران – سبتمبر/أيلول). ولم يكن الإعلان مفاجئا، فقد سبق وأن كشفت عنه وزارة الطاقة والمياه الإثيوبية ضمن خطط تشغيل السد، إلا أن القرار يخالف ما نص عليه اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعته مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم (مارس/آذار 2015)، ونص بنده الثالث على عدم اتخاذ قرارٍ يسبّب ضررا للدول المستفيدة من النيل الأزرق (يقع في الأراضي الإثيوبية ومصدر رئيسي لمياه النيل). كما نص البند الرابع على الاستخدام المناسب والمنصف للموارد المائية، غير البند الخامس المتعلق بشكل مباشر بالتعاون والتنسيق والاتفاق على قواعد ملء السد في المرة الأولى، والاتفاق على قواعد التشغيل السنوي، بقرار ملء السد المنفرد تهدّد إثيوبيا أمن مصر المائي، وتدخل في مواجهة حادّة معها، وتتصرّف وكأن النيل ملكية خاصة لها، متجاهلةً إعلان المبادئ، والمعاهدات الدولية المنظمة للأنهار، غير سنوات التفاوض الممتدة، والتي استغلتها إثيوبيا لبناء السد الذي قارب على الانتهاء (نفذت 72% من إنشاءاته).
كما دخل التحدّي في مرحلة خطرة، بعد أن رفضت إثيوبيا استكمال مفاوضات واشنطن التي بدأت بوساطة أميركية، وبدعم فني للبنك الدولي نهاية عام 2019، تغيبت إثيوبيا عن الاتفاق النهائي الذي وقّعته القاهرة في 28 فبراير/شباط الماضي، وتحفّظ السودان عليه. واتضح بعد خمس سنوات من التفاوض إخفاق الحكومات المصرية في الوصول إلى حل للأزمة. واستمر تعنت إثيوبيا، بما فيه محاولات فرض إرادتها بشأن قواعد ملء السد مع عدم تغيير موازين القوة، فضلا عن توظيفها السد سياسيا في صراعاتها الداخلية، وفي إيجاد مشروع قومي يلتف حوله الإثيوبيون، ما جعل السد قضية جوهرية مؤثرة في الفضاء السياسي. ولم يكن تغيب إثيوبيا عن جولة مفاوضات واشنطن، نهاية فبراير/ شباط الماضي، منفصلا عن حسابات الانتخابات البرلمانية، كما اتضح أن إثيوبيا لم تعد مكترثة بالوساطة الأميركية التي لم تمثل أثرا حقيقيا في خلخلة موقفها، كما لم تكن ترحب بها، وتفضل إدارة الملف من خلال الاتحاد الأفريقي، كما استطاعت كسب أطراف عدة لصفها، ليست وحسب الدول التي تنتمي لها الشركات التي تشيّد السد، خصوصا الصين وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، ولكن أيضا وللأسف أطراف عربية، تضغط على النظام المصري، وتسوق نفسها، في الوقت نفسه، حليفة له.
باتت مصر في مأزق، نتاج الإخفاق في مسار المفاوضات، والفشل في الوصول إلى اتفاق ملزم لإثيوبيا، أو إحداث تقارب وتنسيق مع السودان. وتأخرت الدبلوماسية المصرية في إقناع أطراف عربية ودولية بعدالة مطالبها، حتى التحرّكات المكثفة، بداية من مارس/آذار، لم تخلخل موقف إثيوبيا، ولكن لا ينفي أثرها، في الوقت نفسه، في كسب التأييد للموقف المصري، ومواجهة خطاب إثيوبيا الدبلوماسي، المنطلق من تصوير موقف مصر بوصفه ينتمي إلى العصور الاستعمارية، أو أنها تسعى إلى الهيمنة على نهر النيل وتعطيل بناء السد. وهو ما يخالف الحقيقة، فالخلاف مرتبط بسنوات ملء السد، حتى لا يتضرر نصيب مصر من مياه النيل (5,55 مليار مكعب) وهو أقل من حاجتها الفعلية، وفي حال نقصانه، ستكون آثاره متجاوزة تهديد قطاع الزراعة وأحوال الفلاحين. كما يفاقم الوضع موقف السودان المتحفظ على اتفاق واشنطن، وحتى بيان جامعة الدول العربية الذي حظي بإجماع عربي، وساند حق مصر في الاتفاق على إقرار قواعد عادلة لملء السد. كما تؤثر جائحة وباء كورونا والانشغال الدولي بها جهودا دبلوماسية، وإمكانات التواصل ودخول وسطاء جدد، منها السودان، وكذلك انشغال الوسيط الأميركي الذي راهن على عودة إثيوبيا إلى المفاوضات، من خلال بيان الخزانة الأميركية، الصادر في 28 فبراير/شباط الماضي.
وفي هذه الأجواء المشحونة، والتي تفتح الخيار العسكري، لابد أن تناول مناقشة جوانب الأزمة مصريا تتضمن عوامل إخفاق فريق التفاوض، ومراجعة منهجه وأسباب فشله، وكذلك إعادة حساب عوامل القوة والضعف وموازين القوى، وضرورة صياغة علاقات مصر مع حلفائها، خصوصا من لديهم قدرة الضغط والتأثير في موقف إثيوبيا. ولا يمكن أن يكون تبرير الإخفاق مرده وحسب عبارات متكرّرة عن سوء نوايا إثيوبيا وتعنتها، من دون الالتفات إلى أخطاء إدارة ملف سد النهضة. كان في الوسع، وما زالت هناك فرصة للتأثير في علاقات القوة محليا وعربيا ودوليا، بهدف تغيير موقف إثيوبيا، وذلك عبر مخاطبة جادّة الأطراف الداعمة لإثيوبيا، فضلا عن الأطراف العربية المؤثرة، لتقف بجانب حفظ (وحماية) الحق المصري في مياه النيل، وإشراك المجتمع المصري وهيئاته كافة، وإطلاع الرأي العام على آخر المستجدات، وحشد الرأي العام، عالميا وعربيا ومحليا، لتأييد حقوق مصر المائية. ولا يتنافى هذا مع إعادة طرح المفاوضات على قاعدة المصالح المشتركة بين دول نهر النيل، وأن يكون سبيلا للتنمية المشتركة، لا إطارا للصراع والتنافس والحروب، وأن يكون الطرح متجاوزا الشعارات إلى مشاريع فعلية، تجمع مصر والسودان محطة أولى.
لقد صار نقد مسار التفاوض المصري ومعالجة الأخطاء السابقة ضرورة، أما الاستمرار في منطق تبرير الإخفاق، والتعامي عن الأخطاء، لإخلاء ساحة المفاوضين، فسينتج عنه تكرار للأخطاء السابقة، ويعد تغطية للفشل ومحاولة للهرب من النقد، وهو أمر بالغ التكلفة في هذا الملف. كما لا يمكن التعامل مع هذا الملف بمنطق محلي دعائي، يبرر الأزمة بوصفها وحسب تعنت إثيوبيا، أو التساؤل عن سر قوة موقفها من دون تحليل أسباب ضعف الموقف المصري، على الرغم من عدالة مطالبه وسلامة منطقه وانطلاقه من حقوق الشعب المصري في مياه النيل.
على من يديرون الملف نقد الأخطاء التي كان منها التقليل من آثار سد النهضة على حصة مصر من المياه، أو التشكيك في استكمال بنائه والتبشير بانهياره قبل أن يكتمل، في محاولة لطمأنة الرأي العام. وهذه التصريحات التي تم تداول بعضها على لسان مسؤولين مصريين في وسائل إعلام قريبة من السلطة انكشف خطؤها. لابد أن توضع الحقائق أمام الرأي العام، بحيث لا تكون وسائل إعلام غير مصرية هي المصدر الوحيد لمعرفة ما يجري، وهذا يستلزم ألا يتم تسيير حركة المجتمع ومؤسساته بمنطق التوجس والسلطوية، حتى التي تديرها السلطة. فمجلس النواب الذي لم يشهد مناقشة لسد النهضة أو متابعة سير عملية التفاوض، اقتصر ذكر الملف لديه على بيانات ورسائل سياسية يتلوها رئيس البرلمان من دون متابعة أو تشغيل آليات رقابية مفترضة.
ومن المفيد في هذا السياق، مراجعة، ليس الخطاب الإعلامي وحسب، بل وأيضا التصريحات الرسمية، خصوصا أن بعضها تعامى عن الأزمة أو تعالى عليها. وقد اعتبر أحد الوزراء المفاوضين الجهود الدبلوماسية الإثيوبية الهادفة إلى كسب مواقف مؤيدة لها ليس لها وقع، بينما تثبت النتائج عكس ذلك، منها تراجع دولتين عربيتين عن موقفيهما المؤيد موقف القاهرة وبيان جامعة الدول العربية، وغيرها من مواقف وتحرّكات دبلوماسية مماثلة، بل غيرت إثيوبيا طواقم السفراء والمسؤولين عن ملف سد النهضة خلال العامين الماضيين في الدول المؤثرة. ومن تلك التصريحات، اعتبار وزير مفاوض أن "الحكومة الإثيوبية تضحك على شعبها بمشروع سد النهضة وأضاعت أمواله"، وهو تصريح للاستهلاك المحلي، ويجافي الحقيقة بحكم الاتصال الفعال بين حكومة إثيوبيا والرأي العام، فيما يخص سد النهضة تحديدا، على الرغم مما شهدته إثيوبيا من صراعات سياسية وإثنية واحتجاجات في غرب البلاد وشرقها، غير تصريحاتٍ لا تنتمي إلى ما هو متعارف عليه في التفاوض والعلاقات الدولية، كالحديث المكرّر عن عدم تنفيذ قسم شفوي لرئيس وزراء إثيوبيا، يتعهد فيه بعدم الإضرار بحقوق مصر المائية أو حسن النيات، وكلها تبريراتٌ مجتزأة لتبرير فشل جولات التفاوض.
ويجدر التذكير بأن نجاح التفاوض ضرورة وحل، حتى لو دخل طرفان في نزاع عسكري، فالتفاوض يسبق استخدام السلاح ويتلوه. كما تشكل الأزمة اليوم فرصة لمصر لاختبار قوتها دبلوماسيا، واختبار مواقف حلفائها وقوتها على كل الأصعدة، الدولي والأفريقي والعربي، وإعادة صياغة علاقتها الخارجية على أسس صحيحة، فكل أزمةٍ تمثل فرصة أيضا لاختبار فرضياتٍ، سواء للنظام أو المجتمع، خصوصا المتعلقة بأسلوب إدارة الدولة والمجتمع وخريطة التحالفات.