حتى العيد تحاول الرأسمالية المتوحشة ان تسرقه من الطبقة العاملة

صادق إطيمش
2020 / 4 / 30

لم تكتف الرأسمالية العالمية بسرقة الطبقة العاملة نتاج قوة عملها واستغلال مردود هذه القوة باشكال مختلفة من التراكم الرأسمالي الذي تنعم به الأقلية المترفة والمالكة للشركات الأخطبوطية ، بل انها توجهت لإخلاء احتفال الطبقة العاملة بعيدها الأممي من مفهومه النضالي الذي ارتبط به اسم " يوم العمال العالمي " لتحوله الى ما سمته بيوم العمل وليس بيوم العمال الذين خطّوا حوادثه بدماء مَن سقطوا منهم على سوح النضال المهني وأوقدوا فيه شعلة ظلت تُنير درب النضال العمالي العالمي للأجيال المتعاقبة على جميع قارات الأرض .
حينما فرض التضامن ألأممي للطبقة العاملة ألأول من آيار كعيد تتوقف فيه عجلات العمل عن الإنتاج ، فرض هذا التضامن بنفس الوقت تسجيل أروع ملحمة عالمية وحدت نضال الكادحين على المستوى ألأممي من أجل رفع مستوى المعيشة وتحسين ظروف العمل وتقليص ساعاته وتنظيم ألأجور والتمتع بالإمتيازات الإجتماعية التي تتناسب وكمية ألإنتاج الهائلة التي توفرها الشغيلة خاصة في تلك المجتمعات التي تواصلت فيها وتائر الإنتاج دون إنقطاع وتطورت دون تلكؤ بحيث حققت تراكماً رأسمالياًعلى حساب القوى المنتجة التي كانت محرومة من أبسط الحقوق ، ناهيك عن إستغلالها البشع الناجم عن فائض القيمة بين العمل المُنتَج ومردوده المالي من جهة ، وما يتقاضاه العامل ألأجير من جهة أخرى . وعلى مر ألأجيال إحتنفلت الطبقة العاملة العالمية بيوم الأول من آيار كيوم يتوقف فيه ألإنتاج ليستعيد به الشغيلة تاريخهم النضالي الذي يحفزهم كل عام على تجديد ومواصلة النضال في سبيل حقوقهم المشروعة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً
إلا أن هذا التطور الذي حققه التضامن العالمي للطبقة العاملة لم يرق لتوجهات رأس المال الذي سعى للحيلولة دون إستمرارية هذا الزخم الذي بدى له وكأنه يتواصل دون توقف ليسم طابع الإنتاج الرأسمالي بسمات جديدة قد تزيد في تناقضات الرأسمالية التي بدأ روادها يضعون العديد من علامات ألإستفهام على مسارها وبالتالي على مستقبلها . وانطلاقاً من هذا الهلع والخوف بادر بعض منظري الرأسمالية بالهجوم على نمط ألإنتاج هذا الذي أخذ مسارات لا تتناسب والموقع الحقيقي الذي وضعت الرأسمالية ألإنسان فيه .
لقد بدأ الكثير من المواطنين في الدول الرأسمالية الكبرى ، خاصة الشغيلة منهم ، يشعر بالخطر الذي يهدد مواقع عملهم كنتيجة لسعي الرأسماليين الكبار لتوظيف رؤوس أموالهم خارج دولهم ، في تلك المناطق التي يتوخون منها أرباحاً تزيد على ما يحققونه في دولهم ذاتها التي إستطاع نضال الطبقة العاملة فيها أن يحقق بعض المكتسبات التي وإن لم تكن تتناسب وحجم العمل المبذول وما يترتب عليه من تراكم رأس المال ، إلا أن هذه المكتسبات أصبحت جزءً من النضال الثوري الذي خاضته الطبقة العاملة ممثلة باحزابها ونقاباتها وتنظيماتها . لقد أصبح هروب رأس المال ظاهرة عالمية إرتبطت بالعولمة التي وضعت فيها الرأسمالية شعار : لا وطن لرأس المال ، موضع التنفيذ الفعلي ، حيث أصبح وطن رأس المال هو ذلك البلد أو الموقع ألإنتاجي الذي يضمن أكبر ما يمكن من التراكم الرأسمالي ، أي اكبر ما يمكن من فائض قيمة العمل الذي تحققه الشغيلة ليذهب إلى جيوب الرأسماليين الكبار . لقد بدأت هذه الظاهرة تزداد وضوحاً في دول أوربا الشرقية والدول الآسيوية ودول أمريكا أللاتينية ، حيث أجور العمل المتدينة التي تكاد تخلو من كثير من الضمانات الإجتماعية التي سبق وأن حققها نضال الطبقة العاملة في الدول التي يجري تهريب رأس المال منها . فتركزت الشركات العالمية الكبرى في مناطق جديدة من هذه الدول ، بعد أن خلفت وراءها مئات الآلاف من الشغيلة دون عمل في الدول التي تم تهريب رأس المال منها .
واستناداً إلى هذا المفهوم الرأسمالي ألإحتكاري لتوظيف رأس المال وتسيير العملية ألإنتاجية بإتجاه زيادة التراكم الرأسمالي المقترن دوماً بتناقص الأجور وقلة أو إنعدام كثيراً من الضمانات ألإجتماعية والصحية والإقتصادية للشغيلة في تلك الدول التي جرى تهريب رأس المال إليها ، سعت الرأسمالية الإحتكارية ، وتواصل سعيها هذا الآن بكل نشاط ، إلى إفراغ ألأول من آيار من محتواه النضالي وجعله يوماً للعمل وليس يوماً للعمال .
يحاول الرأسمال العالمي ان يشتت مفهوم هذا اليوم وإبعاده عن محتواه بعدم النظر إليه كيوم تتوقف فيه عجلات ألإنتاج وكيوم إستطاع نضال الطبقة العاملة العالمية أن يجعل منه يوماً للعمال حقاً وحقيقة . إلا أن هذا الإنجاز أصبح ، وبمرور الزمن ، عامل إزعاج ليس مادياً فقط , بل ونفسياً أيضاً للرأسمالية الإحتكارية التي لا تريد لماكنة الإنتاج أن تتوقف , ولو لحين , حيث أن توقفاً كهذا يعني تناقصاً في التراكم الرأسمالي ، حتى وإن كان بنسبة ضئيلة جداً قياساً بمجمل التراكم الرأسمالي للعملية الإنتاجية على العموم . فعمد منظرو الرأسمالية إلى خلق النظريات التي حاولوا من خلالها تغيير مفهوم هذا اليوم وتزييف محتواه بتفسيره على إعتباره يوماً للعمل ، وليس للعمال ، ينبغي أن تتسارع فيه وتائر الإنتاج , حسب تفسيرهم لهذا اليوم ، ليسجل مستويات إنتاجية متميزة عن ألأيام ألأخرى ، واعتبروا الإحتفال به كيوم للتوقف عن العمل للتأكيد على نضال الطبقة العاملة ولتطوير مكاسبها نحو ألأفضل ، إخلالاً بعملية الإنتاج وعرقلةً للتطور الإقتصادي الذي لا يرونه إلا من خلال زيادة التراكم الرأسمالي . فدأبت وسائل إعلامهم بالترويج لمثل هذه النظريات التي إكتسحت الشارع فعلاً , خاصة بين البسطاء من الناس ، في بعض المجتمعات الرأسمالية التي عتَّم عليها ألإعلام فغيب عنها ماهية هذا اليوم ومحتواه النضالي .
إلا ان الإصرار الذي مارسته الطبقة العاملة ومَن يقف الى جانبها في نضالها المهني والسياسي والإجتماعي تمخض عن مواصلة الإحتفال العالمي بهذا اليوم كعيد تواصُل نضال الأمس بنضال اليوم بكل ما في هذا النضال من معطيات جديدة بلورتها علاقات الإنتاج الجديدة المرافقة لمراحل التطور الرأسمالي . وحينما اقترن النضال المهني بالنضال السياسي وجدت الطبقة العاملة حلفاء لها في مسيرتها النضالية التي اكتسبت ابعاداً اخرى تجاوزت الأبعاد المهنية . ومن خلال ذلك تبلور التضامن الأممي الذي انعكس بهذا الشكل او ذاك على النضال الوطني الذي ساهمت فيه شغيلة اليد والفكر لتحقيق اكبر ما يمكن من المكاسب على كافة المستويات .
لنشدد النضال من اجل ان يظل الأول من آيار عيداً للعمال وليس يوماً للعمل ، عيداً يستوحي التاريخ المجيد الذي وضع فيه العمال اسس التضامن الأممي والنضال الوطني .