ما قبل جائحة الكرونا وما بعدها (1/ 2)

فؤاد النمري
2020 / 4 / 29

ما قبل جائحة الكورونا وما بعدها (1-2)

قبل ثلاثين عاما كنا قد أكدنا انهيار النظام الرأسمالي في السبعينيات وأن العالم كان مذاك في معرض استيلاد نظام دولي جديد لا بد وأن يكون إشتراكياً حيث كان البلاشفة الروس بقيادة لينين في العام 1917 قد سبقوا إلى نقل العالم إلى مسار تطور جديد هو مسار الاشتراكية الشيوعية حتى بات من المتعذر إعادة العالم إلى المسار السابق لثورة اكتوبر الاشتراكية .. غير أن الإنتليجنسيا بمختلف أجناسها وهي من جذع البورجوازية الوضيعة وقد رأت فيما أكدنا عليه نهاية لدورها الطليعي كما تتوهمه تجاهلت كليّاً تأكيداتنا الملحة، لا بل عمدت في الغالب إلى الإدعاء بتغوّل الرأسمالية وانفلاشها على سعة العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين . كتبنا كثيراً وردوا علينا بما هو أكثر زاعمين بالعولمة كرأسمالية متوحشة فيما رأيناها هروباً من مركزها الرأسمالي حيث لم يعد المركز يوفر شروط الإنتاج الرأسمالي .

اليوم وبعد ثلاثين عاما تغص مختلف شاشات التلفزة بمن يوصفون بـ "لمفكرين" و "المحللين الاستراتيجيين" يؤكدون انهيار النظام الرأسمالي الوشيك بفعل جائحة الكورونا . عامة هؤلاء القوم الأدعياء يدعون أن التظام العالمي الماثل اليوم والذي توشك جائحة الكورونا على تقويضه هو النظام الرأسمالي، وقلة قليلة من هؤلاء تفضل الظهور بالتحفظ فتقول بالنظام الرأسمالي المعتل، وتقابلها قلة أخرى تقول بالرأسمالية المتوحشة في طور العولمة ؛ وهكذا يجمع جميعهم على أن النظام العالمي الماثل اليوم هو النظام الرأسمالي . وما يزيد في استغرابنا لهؤلاء القوم وهم يؤكدون انهيارالنظام الرأسمالي المعتل أم غير المعتل لا يترددون للحظة في الإدعاء بأن البشرية تعلمت جيدا من الخلل والعطب البالغ في النظام الرأسمالي – وهو ما لم يعترفوا به من قبل – وتسبب في عجزه عن مواجهة جائحة الكورونا وبناءً عليه ستقيم البشرية نظاما بديلاً يراعي الخلق الإنساني الرفيع، وهو ما يستدعي بالضرورة طرح السؤال المقابل وهو لماذا لم تأخذ البشرية بالقيم الإنسانية الرفيعة وهي تقيم النظام الرأسمالي قبل ثلاثة قرون !؟

ما يلزم كشف ستره في هذا السياق هو أن هؤلاء الموصوفين بالمفكرين والمحللين الاستراتيجيين ما هم إلا أفّاقون لا يعلمون شيئاً عن ميكانزمات النظام الدولي القائم، وهم يالتالي لا يعلمون شيئا عن النظام الدولي التالي كما أنهم يالطبع لا يعلمون لماذا سينهار النظام الدولي الماثل اليوم بفعل جائحة الكورونا . يقولون أن النظام الرأسمالي – بافتراضهم – لم ينجح في مواجهة جائحة الكورونا . حسنا، النظام لم ينجح، لكن لماذا لم ينجح خاصة وأنهم كانوا قد صدعوا رؤوسنا بالإدعاء أن الرأسمالية تعرف كيف تواجه الأزمات وكيف تجدد نفسها !؟ وطالما أنهم لا يعرفون لماذا لم تنجح فكيف لهم أن يتدبروا نجاح النظام الدولي القادم !؟
باختصار يلزم الحذر من الهبوط إلى مستوى الخطاب المثالي الأجوف الجهول الذي يدعي بأن الانسان نفسه هو من يختار النظام الإجتماعي الذي يضمن له البقاء وتطور وسائل الحياة خلافاً للحكمة الماركسية التي تقول .. " صحيح أن الإنسان هو من يصنع التاريخ لكن ليس كما يشتهي" .
حسنا قالوا أن النظام الرأسمالي سينهار بعد انقضاء جائحة الكورونا لكنهم لم يقولوا لنا جنس التناقض الرئيس الذي تفجّرأو سيتفجر بفعل الكورونا ويودي بالنهاية بالنظام الرأسمالي . أن يفقد مليون إنسان الحياة أو مليونان لا يشير إلى أي تناقض في النظام الرأسمالي، لا بل علمنا التاريخ أن النظام الرأسمالي هو الأقدر على تحمّل الخسائر الكبرى في أرواح الناس .

منذ ثلاثين عاماً وفضاء الفكر الإقتصادي السياسي يضج بالنقاش حول انهيار النظام الرأسمالي لا بل غالى العولميون فادعوا بتوحش النظام الرأسمالي بالعولمة .
في الحقيقة أن المعلومة الأولى التي يبدأ بها ماركس تحليله الشامل والمعمق للنظام الرأسمالي هي المعادلة الشهيرة (نقد1 – بضاعة – نقد2 ) حيث يغامر الرأسمالي بتحويل نقوده إلى بضاعة عن طريق بناء مصنع واستئجار عمال، ثم جلب بضاعته إلى السوق ليبدلها بنقد يعود عليه بالنقد الذي وظفه بداية بالإضافة إلى "فائض القيمة" حيث بالمتوسط ينتج العامل ما يفيض علىى قيمة قوى عمله .
هذه المعادلة الأساسية في النظام الرأسمالي لم تعد موجودة . فالنقد1 كان يعادل البضاعة في المصنع والبضاعة في السوق كانت تعادل النقد2 والنقد2 كان يزيد عن النقد1 بمقدار فائض القيمة الذي يؤمن الربح وهو الهدف الوحيد والأخير للنظام الرأسمالي .
نظام النقد الدولي الجديد لم يعد يوفر التعادل المفترض بين النقد والبضاعة . كان النقد، مهما كانت جنسيته، معلوم القيمة قبل تحويله لبضاعة من خلال الإنتاج الرأسمالي كما بعد تحويل البضاعة إلى نقد في السوق الرأسمالية حيث كانت أية نقود وطنية لا تدخل السوق االدولية كبضاعة إلا إذا كانت مغطاة يالذهب . في العام 44 تنادت دول العالم العادية للنازية إلى دينة بريون وودز (Bretton Woods) في اميركا لتأكيد الغطاء الذهبي للنقود بعد أن لاحظ الحلفاء أن هتلر ان قد بنى ماكينته الحربية العملاقة بماركات مكشوفة لا قيمة حقيقية لها .

طبعاً ما كان ريتشار نكسون أن يعلن خروج الولايات المتحدة من معاهدة بريتون وودز وانكشاف الدولار من الغطاء الذهبي الأمر الذي تلاه انهيار الدولار في أسواق الصرف،ما كان ذلك ليكوناستدعى الإعلان الرسمي عن خفض فيمته (Devaluation) ثلاث مرات في عامي 72 و 73 دون أن يفلح وزير الخزانة جورج شولتس (George Shultz) مما اضطر تكسون إلى إعفائه في مايو 1974 رغم أنه يحمل درجة الدكتوراه في الشؤون المالية وتعيين بدلاً عنه وليم سيمون (William Simon) المعروف بتعصبه للنظام الرأسمالي .
عندما وجد هذا السيمون أن لا مندوحة عن الإقرار بانهيار النظام الرأسمالي الإمبريالي تفتق ذهن هذا المجند الإمبريالي عن مخطط يحافظ على التسلط الإمبريالي حتى بدون النظام الرأسمالي، أي استيلاد امبريالية من جنس جديد لم تعهده البشرية ن قبل أي ما يمكن اسيته "إمبريالية مالية" تؤمن تسلط الدول الرأسمالية المنهارة من خلال قدراتها المالية والتجارية على العالم بعيداً عن قدراتها في الإنتاج . طبعاً ما كانت مثل هذه السياسات اللصوصية لتجد من يقترحها لو لم تكن الثورة الإشتراكية في مركزها موسكو تتهاوى إلى الحضيض وقائدها بريجينيف يستعطف كبرى الدول الرأسمالية المنهارة في مؤتمر هلسنكي 1975 للتصالح معه في منتصف الطريق . المخطط اللصوصي تجاوز كل القواعد العلمية للإقتصاد ليبتدع سطواً مسلحاً بالمال يعمل على نهب الشعوب دون مقابل . كانت الامبريالية المنهارة تبادل العمل الفائض في المتروبول بالعمل المستولد في المستعمرات، لكن ورغم الغبن الذي لحق بشعوب المستعمرات جرّاء تلك المبادلة غير العادلة فإن دول المتروبول كانت تضطر لتطويو البنى الإقتصادية في المسعمرات كيما يتساوق سوق المستعمرة مع سوق المتروبول وتوسعه الكمّي والكيفي .
أما "الإمبريالية" المالية المبتدعة فالمتروبول المجازي، الذي لم يعد متروبولاً حقيقياً، يطبع نقوده بكلفة الورق والدولة المستقلة حديثا تشتري تلك النقود بكلفة الذهب .
وهنكذا اجتمع على مستوى القمة أول مؤتمر (G 5) من رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليايان في رامبوييه في باريس في 16 نوفمبر 75 وأصدروا إعلانهم الشهير (Declaration of Rambouillet) حيث أعلنوا تكافلهم بضمان أسعار صرف عملاتهم ثابتة في اسواق الصرف . وسرعان ما وجد هذا العهد استجابة من الهي الهيئة الإدارية لصندوق النقد الدولي حيث اجتمعت في جمايكا في يناير 76 وقررت الإنتهاء من معاهدة بريتون وودز وإلغاء الغطاء الذهبي للنقود ويعود لكل دولة تعيين قيمة نقودها . جاء ؤتمر رامبوييه دعامة قوبة للدولار الذي عانى من هبوط حاد في السنوات الخمس الأولى من السبعينيات خاصة وأنه كان الأوسع في المبادلات التجارية في العالم .
عهد رامبوييه كفل ثبات أسعار صرف عملات الدول الخمسة المشاركة وذلك يعني مباشرة إنكار حقيقة النقد كما حددها ماركس وهي أنه ليس كبضاعة أولاً بل هو أيضاً معادل عام لكافة السلع في سياق التبادل .
“ a general equivalent in the context of simplest relations of exchange of commodities
المرء ليُدهش حقاً من أن علماء الإقتصاد بختلف نحلهم وتوجهاتهم لم يتوقفوا للحظة أما إنكار عهد رامبوييه ينكر وينفي الوظيفة الثنائية للنقود وهي كبضاعة مثلها مثل أية بضاعة أخرى في السوق الرأسالية الحرة، كما أنها المعادل العام لمختلف البضائع .
عهد رامبوييه الذي تبناه صندوق النقد الدولي فألغى الغطاء الذهبي لمختلف النقود ليحل محله الدولار الأميركي إنما استكمل عملية انهيار النظام الرأسمالي وهو أصلاً ا كان ليكون لولا انهيار النظام الرأسمالي قبل السبعينيات في آخر قلاع الرأسمالية وهي الولايات المتحدة بسبب الإنفاق المسعور لكل مقدرات أميركا في الحرب على الشيوعية . ما يحسن استدراكه في هذا السياق هو أن مقاومة أميركا المسعورة للشيوعية أطالت من عمر الشيوعية السوفياتية حتى التسعينيات وإلا لكانت البورجوازية الوضيعة السوفياتية قد أجهزت عليها في السبعينيات .