مصر كدولة صاعدة: اشتراطات ما بعد المسألة الأوربية

حاتم الجوهرى
2020 / 4 / 28

قد يتصور البعض أن مياه النيل وملف "سد النهضة" هو مجرد قضية إقليمية تشغل مصر والمصريين لأن هناك حنين تاريخي يربطهم به ماديا وعاطفيا، لكن الحقيقة أن جملة الظروف التي تقف في "اللحظة الراهنة" في قضية المياه مع أثيوبيا، تجعل الموضوع من أهم الملفات الدولية التي ستحدد شكل العالم فيما بعد جائحة كورونا، لأنه كان أبرز الملفات التي ما تزال تعبر عن أوهام وتمثلات هيمنة "المسألة الأوربية" (European Question) ورواسبها، تحديدا في مرحلة السيادة الأمريكية بوصف أمريكا في الأصل واحدة من مستعمرات أوربا في فترة تمددها الحضاري أو الاستعماري القديم، وعلى اعتبار أن أمريكا تستخدم ملف "سد النهضة" تحديدا كوسيلة لتمرير "صفقة القرن"، وإجبار مصر على الموافقة على بنودها المعلنة ونقاشاتها السرية ربما على حد سواء، والموضوع كله يأتي في سياق مرحلة "الخطاب الامبراطوري" لأمريكا مع ترامب وتأكيد السيادة والهيمنة، وفرض وجهة النظر الغربية/ الأوربية على العالم.

اختلاف موقف مصر الظرفي
عن موقف الصين العام
ربما لم يكن هناك من ملف قد يقف على قدم المساواة مع ملف مصر في "سد النهضة" وأثره على عالم ما بعد الجائحة، سوى ملف حرب أمريكا التجارية مع الصين التي أحرزت فيه الصين صمودا يطعم الانتصار البين، لكن تختلف نظرية مصر كـ"دولة الصاعدة" (Rising State)عن حالة الصين بتراكمها الطويل قبل الجائحة، بأن نظرية أو فرضية "الدولة الصاعدة" هي فرصة مؤقتة زمنية ومحدودة للغاية وأنتجتها "اللحظة الراهنة" بظرفياتها، كما أن البديل عنها لمصر ليس بقاء الوضع كما هو عليه (Status Quo)، بل البديل هو الاضمحلال والتراجع الحضاري، والسيطرة السياسية وتغيير "قواعد الاشتباك" السياسي والاستراتيجي في المنطقة بأكملها، وتبدل محددات "الأمن القومي" وتراجعها من "استعادة الذات" وتفعيل مواردها وعناصرها البشرية.. لتتحول إلى مجرد محددات لـ"الأمن السياسي" وإدارة التناقضات وخلقها، لذا فنظرية أو مشروع "الدولة الصاعدة" هي "لحظة مفصلية" متاحة لفترة محدودة للغاية، هنا هي فرضية مرتبطة بظهور جائحة كورونا ومرتبطة بتحرك مصر في فترة الصيف الحالي، قبل حجز أثيوبيا الماء من طرف واحد، وقبل تطور الخطاب الأمريكي نحو المزيد من العدوانية مع السيطرة على الوضع الداخلي هناك، والوعي باستعادة خطاب الهيمنة في الملف المصري وفق سياسة "حافة الهاوية" (خاصة بعد مقال الثعلب العجوز هنري كسينجر)، لذا فهي فرضية أو نظرية متاحة لفترة محدوة فقط تصلح كـ"لحظة مفصلية" للازدهار الحضاري، مع الأخذ في الاعتبار للأسف أن البديل لعدم انتهاز الفرصة الحضارية سيكون الاضمحلال، والتراجع لمستوى لم تتراجع له الدولة المصرية في التاريخ من قبل، وليس بقاء الوضع كما هي عليه، هي فرضية "الدولة الصاعدة" فرصةحدية لا تعادل فيها ولا تقبل القسمة على اثنين، إما ازدهار وصعود للذات أو اضمحلال واستلاب للآخر.

شَرطي الحضارة:
الوعي بالدور وامتلاك متطلباته لمصر كـ"دولة صاعدة"
من هنا شاءت الظروف أن يكون ملف "سد النهضة" هو المحك الحضاري الأبرز و"نمط التدافع" النشط، في محاولة فرض "المسألة الأوربية" في تمثلها الأمريكي وجودها على العالم وإعادة إنتاج الهيمنة القديمة في عالم ما بعد الجائحة، من ثم تصبح للملف أهمية معنوية وحضارية كبرى، لأنه يكاد يكون أحد أبرز "عتبات" الولوج للمستقبل حاليا وتجاوز الهيمنة الغربية بتناقضاتها الموروثة، والدخول لعالم "ما بعد المسألة الأوربية"، وهو الموضوع الذي يطرح مصر بالتبعية كمشروع لـ"الدولة الصاعدة" (Rising State) في العالم الجديد.
حيث من الممكن جدا أن تحقق مصر فكرة "الدولة الصاعدة" تلك، إذا تحقق شرطي الحضارة وهما الوعي بالدور وامتلاك متطلباته بالنسبة إلى مصر، الشرط الأول هو الوعي بالدور ويعني الوعي والانتباه لدور "الدولة الصاعدة" (Rising State) حضاريا في هذه المرحلة المفصلية، والتي تشبه وتماثل مراحل التحول الحضاري المعروفة في التاريخ، وهو الوعي بالدور الحضاري ذاته الذي سيولد الثقة بالنفس للقيام به، الشرط الثاني هو امتلاك الإرادة اللازمة لتحقيق متطلبات واشتراطات هذا الدور التي تتمثل في عناصر القوة الداخلية والخارجية والسياسات العامة التي تدعم ذلك، داخليا العمل على استعادة وتفعيل كافة الموارد التصنيعية والزراعية الكاملة، مع استعادة القيم التاريخية المشتركة للشعب المصري وتجاوز استقطابات الفترات الماضية، وخارجيا تطوير خطاب سياسي/ ثقافي جديد مرن وفعال للغاية، في وعيه بمحددات التلقي واستقبال الآخر/ الأجنبي المتعدد له.


مصادفة أم فرصة حضارية !
وقوع مصر في قلب "نمط التدافع الحضاري" النشط
من ثم أطرح في هذا المقال فرضية علمية أسميها نظرية "الدولة الصاعدة" (Rising State) واشتراطات تحققها في عالم ما بعد جائحة كورونا وخلاله، وأربط هذه الفرضية بدولة "مصر" تحديدا لأنها وفق طبيعة الفرضية تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تنطبق عليها ظروف التحول لـ "دولة صاعدة" في عالم ما بعد الجائحة، تقوم نظريتي ببساطة على أن ما بعد الجائحة لابد أن يمر وينتصر على ما قبلها، وتحديدا عبر محكات "التدافع الحضاري" التي كانت نشطة في "النمط السائد" الغربي قبل الجائحة، وفق هذا الشرط أو الافتراض الأخير تكون مصر هي أبرز لاعب دولي في تصوري لـ "الدولة الصاعدة" في عالم ما بعد الجائحة ، وذلك لأن "النمط السائد" حضاريا فيما قبل الجائحة كان هو "المسألة الأوربية" أو الغربية وتمثلاتها المتعددة، التي أبرزها حاليا "النمط الأمريكي" وخطابه الامبراطوري في عهد ترامب، وتصادف أن أبرز محكات أو "أنماط التدافع" الحضاري النشطة في الخطاب الأمريكي كانت تتمحور حول مصر، وإجبارها على قبول بنود "صفقة القرن" عبر الضغط بملف المياه وبناء "سد النهضة"، من هنا تصبح مصر هي العتبة الأولى والأبرز لتجاوز "المسألة الأوربية" وتمثلاتها التي من ضمهنا مشروع الدولة الصهيونية، التي حظيت بالرعاية الغربية تحت مبررات وتنظيرات عديدة ومتنوعة، من ثم تكون فرصة "الدولة الصاعدة" متاحة أمام مصر عبر التمرد على مخططات الهيمنة الأمريكية التي تمثل "المسألة الأوربية" في أحد جوانبها، لتكون مصر وفق هذا التصور واحدة من عتبات عالم "ما بعد المسألة الأوربية"، الذي فتحت الطريقة إليه جائحة كورونا.

كورونا ونهاية محتملة لخطابات الـ"ما بعد" (Post)
كذلك يمكن الإشارة إلى أن فرضية "الدولة الصاعدة" تلك قد تحمل إشارة فكرية أخرى في مرحلة الجائحة الحالية بالنسبة لتاريخ المعرفة والنظريات الإنسانية، حيث قد تحمل أيضا بعدا آخرا يتمثل في نهاية خطابات "الما بعد" (Post) التي ارتبطت في الفكر العالمي الحديث بـ"المسألة الأوربية"، حيث اعتاد العالم المعرفي/ الثقافي على ظاهرة رئيسية تقول بظهور تيار فكري أو فلسفي ما في أوربا، ثم تجاوزه وظهور "ما بعده" أو "Post" في فترة لاحقة، وتأثر العالم كله كمتلقٍ بهذه الظاهرة، فكان يسير في ركاب الفكرة الأوربية ثم يسير أيضا في ركاب ما بعدها، بما هو معروف عن الأثر المركزي لـ "المسألة الأوربية" على العالم باعتبارها "النمط الحضاري" السائد منذ القرن العشرين تحديدا.
كان التمثل الرئيسي لفكرة الظاهرة وما بعدها في الحالة الأوربية، يتجسد فيما يعرف بمرحلة "الحداثة" (Modernism) ومرحلة ما بعد الحداثة (Post Modernism) ، حيث شهدت كل مرحلة منهما تشكل العديد من الأفكار ثم تجاوزها فيما "بعدها" (Post)، مثل تيار الشكلانية مثلا وتجاوزه إلى ما بعده، وتيار البنيوية وتجاوزه إلى ما بعده، وتيار التفكيكية وتجاوزه إلى ما بعده، والوجودية مثلا وما بعدها، وفي الأدب والسينما والفنون التشكيلية انعكست كذلك حلة الفكرة ثم تجاوزها إلى ما بعدها.
هناك أيضا أفكار رئيسية كبرى إلى جانب التقسيم الرئيسي للحالة الأوربية المتمثل في "الحداثة" و"ما بعد الحداثة"، يمكن أن نرصد من هذه الأفكار الرئيسية تلك فكرتين كبيرتين الأولى تيار "الاستعمار" (Colonialism) وما صاحبه من أنشطة معرفية مثل الاستشراق، ثم تجاوزه إلى تيار "ما بعد الاستعمار" (Post Colonialism) ومحاولة تجميل وغسيل سمعة مرحلة الاستعمار، والفكرة الثانية هي "المركزية" أو مركزية الذات الأوربية تجاه كل الذوات الأخري في العالم، ثم تجاوز الفكرة ومحاولة غسيل سمعتها ظاهريا في "ما بعد المركزية".

الما بعد في الصهيونية:
الأمر نفسه نجده فيما يخص المشروع الصهيوني الذي هو مربط الفرس في تجاوز مصر لـ"المسألة الأوربية" وتمثلاتها، فهو كالمشاريع الكبرى التي ارتبط بالحالة الأوربية كان يتبع أثرها الفكري في خطاب المرحلة ثم تجاوزها إلى خطابات ما بعدها عندما تستهلك الغرض منها، حيث ظهرت فكرة الخطاب ثم ما بعده في مشاريع الاستيطان الاستعماري المرتبطة بأوربا في مرحلة تمددها الاستعماري/ الحضاري القديم في: "إسرائيل" (فلسطين المحتلة) – جنوب أفريقيا- الولايات المتحدة الأمريكية؛ وعادة ما يظهر خطاب "الما بعد" بعد نضال من الآخر الواقع تحت الاحتلال، وتكون مرحلة "الما بعد" محاولة لغسيل سمة المرحلة التي تسبقها، ففي فلسطين ومع الصهيونية التي هي المحك الحضاري الذي يعنيا هنا، وعندما تطور وعي الذات الفلسطينية في مواجهة "الصهيونية"، ظهرت هناك مرحلة "ما بعد الصهونية" لتقدم رواية معرفية أقل تشددا تفكك غرور ومركزية رواية الاستعمار العنصري القديمة، وكذلك في نظام "الأبارتيد" أو الفصل العنصري في جنوب أفريقا بعد نضال الجنوب إفريقيين، تم تفكيك النظام وظهر "ما بعد الأبارتيد"، إلا حالة الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أخذت نوعا من التفرد وانتجت حالة لم يتم إنتاج "ما بعدها" حتى الآن، وربما يكون بداية ذلك مع جائحة كورونا ومع السابقة التي ستضعها مصر بوصفها المستقبلي كـ"دولة صاعدة".

ما المسألة الأوربية" (European Question) وتعريفها إذن؟
من هنا دعونا نقدم أفضل تعريف لمفهوم "المسألة الأوربية" التي من المفترض أن بروز مصر كـ"دولة صاعدة" سيكون لبنة في مشروع تجاوزها حضاريا بعد أن استنفدت كل فرصها واحتمالاتها، بداية مفهوم "المسألة الأوربية" سبق وقدمته في مقال سابق، واختياري لمصطلح "المسألة" (Question) له دلالته المعرفية التاريخية بالطبع، فهو مصطلح عُرف بقدرته على تلخيص معظم التفاصيل الخاصة بظاهرة حضارية وجودية متشعبة، قد يتوه الباحث فيها إذا لم يصل للب "المسألة" التي تحركها ومصدرها، من هنا وضعت يدي على مصطلح "المسألة الأوربية" لأخرجها من سحر التفاصيل وغوايتها وهيمنتها على العقل الشرقي والعالمي أيضا لحد بعيد..
حيث فيه أُعَرفُ "المسألة الأوربية": (بأنها تلك المرحلة التاريخية من حياة البشر التي تحول فيها النموذج المادي الأوربي (بتمثلاته الليبرالية أو الماركسية) إلى "نمط سائد" بالقوة الناعمة أو الخشنة، ومحاولته استيعاب وتفكيك كل ثقافات العالم الأخرى داخله، والتعالي على تمثلاتها التي ترتبط بالقيم أو الأخلاق أو الدين أو العادات الموروثة، كرد فعل على "اللحظة الخاصة" بظهور المسألة الأوربية، وأزمتها مع رجال الدين منذ العصور الوسطى).
في هذا السياق يمكن الإشارة لتاريخ مصطلح "المسألة" (Question) نفسه في الحالة الأوربية، حيث استخدموه لإجمال العديد من الظواهر الإنسانية لكنهم أبدا لم يكونوا بالقوة النفسية للخروج من الذات وسياقها لمحاولة إجمال تجربتهم، على سبيل المثال استخدموه لوصف عدة حالات حضارية مثل: المسألة الشرقية – المسألة المصرية – المسألة اليهودية.
هذا وقد أوضحنا أن الحالة الأوربية أو الأصح "المسألة الأوربية" الآن ارتبطت بظاهرة المرحلة أو الفكرة ثم ما بعدها (Post)، وربما إذا كان للبشرية أن تعبر "المسألة الأوربية" وتمثلاتها وتناقضاتها فسوف تعبر معها مرحلة الفكرة وما بعدها، أو ما يمكن تسميته نهاية خطابات الما بعد، وقد أوضحنا أن المسالة الأوربية تمحورت حول النموذج المادي الليبرالي أو الماركسي، من ثم ما بعد المسألة الأوربية لابد سيرتبط بتجاوز النموذجين الماديين وسيندروم أو متلازمة رهاب القيم الأخلاقية أو الروحية أو الدينية (كما اوضحت في مقال سابق).

مساحة الفرصة الزمنية لمصر
بالعودة إلى مصر وفرصتها كـ"دولة صاعدة" في المواجهة مع أمريكا كتمثل آخير لـ"المسألة الأوربية"، نقول إن فرصتها محدودة بمساحة زمنية ضيقة للغاية، هي فترة ما قبل شروع أثيوبيا في حجز ماء النيل من طرف واحد هذا الصيف، لأنه حال اكتمال المشروع وحجز الماء من طرف واحد سيكون الهدف الأمريكي قد تحقق، وتم إعادة إنتاج الهيمنة وتمثلات "المسألة الاوربية" مرة أخرى، وتراجعت فرصة "الدولة الصاعدة" بالنسبة لمصر وتحول الأمر إلى "الدولة الآفلة" لحد بعيد، الفرصة مواتية في ظل أن الجائحة شغلت معظم الدول كل بأحواله الخاصة، ويجب أن تنتهز مصر الفرصة لتؤكد على "قواعد الاشتباك" السياسية والاستراتيجية الخاصة بها، وفق مفاهيم "الأمن القومي" لا وفق مفاهيم "الأمن السياسي"، مفاهيم الأمن القومي التي تقوم على مشروع "استعادة الذات" المصرية والعربية وصعودها مرة أخرى على المسرح الدولي، في مقابل مفاهيم "الأمن السياسي" التي كانت تروج لمشروع "الاستلاب للآخر" والقبول بالهيمنة الحضارية وخلق التناقضات وإدارتها.

الاشتراطات العامة للاحتشاد خلف فرضية "الدولة الصاعدة"

اشتراطات التحول الحضاري ونماذج القوة تكاد تكون مشتركة في جذورها العامة تاريخيا، مع اختلاف في التمثل أو الشكل النهائي لتلك الجذور والعنوان الذي ترفعه أو تتخذه شعارا لها، حيث في معظم النظريات الحضارية يمكن أن نجد الاشتراطات العامة والمشتركة تلك، ولكن ربما الظرفية الخاصة بـ"ما بعد المسألة الأوربية" هي التي ستفرض علينا ضبط الخطاب الخاص باشتراطات "استعادة الذات" في فرضية مصر كـ"دولة صاعدة"، لتكون تلك الاشتراطات ووفق الظرفية الحالية العاجلة تقوم على التالي:
- استعادة القيم الأساسية المشتركة للمجتمع المصري وتجاوز استقطابات ما بعد ثورة يناير وما يتطلبه ذلك.
- التأكيد على "مستودع الهوية" العربي ومكوناته المتنوعة ووضع مصر في حاضنتها الجغرافية والتاريخية، والسعي لامتلاك مستلزمات الدفاع عن ذلك المستودع بعناصره المتراكمة.
- بناء "المجتمع الفعال" وتفعيل الموارد الذاتية المتاحة تصنيعيا وزراعيا وفق مفهوم التنمية المستدامة والعدالة المجتمية، والفرز الطبيعي لأفضل العناصر وفق مفاهيم "الأمن القومي" لا مفاهيم "الأمن السياسي".
- التنسيق مع محكات التدافع النشطة مع أمريكا مثل ما هو قائم في الملف الصيني.
- تطوير خطاب مصري جديد سياسي/ ثقافي/ حضاري يقوم على الفهم لمكانة "الدولة الصاعدة".
- الحشد السياسي في مواجهة الخطاب الأثيوبي عربيا وأفريقيا ودوليا.
- الاستعداد لكافة الاحتمالات الخشنة لضبط الملف الأثيوبي.

خاتمة:
"الدولة الصاعدة" أو "الدولة الآفلة"
لا موقع يتوسط الطاولة

فرضية ظهور مصر كـ "دولة صاعدة" (Rising State) ليست فرصة مفتوحة زمنيا، بل هي فرصة ضيقة ومحدودة للغاية بمدة هذا الصيف، في ظل اشغال كل دولة بوضعها الداخلي واستعداد المشهد العالمي لمعادلات جديدة تقوم على العدالة لا الهيمنة لحد بعيد، أمريكا منشغلة بوضعها الداخلي لكنها بدأت تتبنى خطاب استعادة السياسات القديمة خاصة بعد ظهور الثعلب العجوز هنري كسينجر.
إذا لم نطرق على الحديد وهو ساخن وننتهز فرصة التحول أو "نقطة التحول" الراهنة، ونعيد إنتاج ذواتنا ووعينا الحضاري بأنفسنا، القائم على وجود دولة قوية تُفعل مواردها الذاتية وتسيطر على مجالها الحيوي ومستودع الهوية الخاص به، فإنه للأسف سيكون البديل أشد قسوة، سيكون البديل هو فرض الهيمنة والاضمحلال الحضاري في ظل محاولة أمريكا المبادرة مرة أخرى لفرض الهيمنة.
هذه المرة لا توجد مساحة وسط، إما الازدهار كـ "دولة صاعدة" أو الاضمحلال والرضوخ لسياسة الإملاءات الأمريكية كـ "دولة آفلة".
كذلك قد تكون فرضية مصر كـ"دولة صاعدة" أحد أبرز مؤشرات أفول هيمنة "المسألة الأوربية" وتجاوز مرحلتها في التاريخ البشري، ذلك شريطة أن تعي مصر لذاتها ولدورها أولا، وتسعى ثانيا لامتلاك متطلبات هذا الدور وتنفيذه.