عقوبة الإعدام عراقيا بين تثبيتها في القوانين وبين واقع استغلالها ومنطق إثارتها خطاب العنف الوحشي

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2020 / 4 / 27

مع موقفي الثابت المتجه لإنهاء عقوبة الإعدام من لوائح قوانيننا إلا أنني أبعد من ذلك أعرض لبعض ما يعنيه نهج وجود الإعدام من إثارة خطاب عدواني همجي لا يفقه المقصود منها حتى بإطارها القانوني فنجابه وحشية الإعدامات الميدانية بلا محاكمة أو الإعدام بمحاكمات لا تستوفي المقتضيات ما يوسّع من انتهاك الحقوق بطريقة هوجاء ترتكب فظاعات بلا حدود دع عنك عن إعدام حق الحياة بلا رحمة أو مراجعة من ضمير! شكرا لتفاعلاتكن وتفاعلاتكم

سجَّلت منظمة العفو الدولية في تقريرها عام 2019، انخفاضاً بعقوبة في مستواها العالمي نسبته 5% مقارنة تجاه ما كان عليه عام 2018، في أقل إحصاء منذ عقد من الزمن.. وقد تم تنفيذ أغلب عمليات الإعدام التي تمَّ إحصاء حجمها المعلن في كل من: الصين، وإيران، والسعودية، والعراق، ومصر على التوالي بتسلسلها. وإذا استثنينا الصين من الإحصاء، فإنَّ 86% من عمليات الإعدام المبلَّغ عنها نُفّذت في أربعة بلدان فقط هي إيران والسعودية والعراق ومصر.

وبينما انخفضت، على وفق أمنستي، عمليات الإعدام في إيران آخر عام بنسب طفيفة، فقد تضاعفَ عدد عمليات الإعدام في العراق تقريباً، والأرقام تبقى دائماً هنا على وفق ما أوردته أمنستي، إذ كانت عام 2018 تعادل 52 عملية فصارت أكثر من 100 عملية عام 2019…

لقد أوقفت التنفيذ أو ألغت العقوبة كليا أكثر من ثلثي دول العالم ولقد تم استخدام أساليب إعدام مختلفة عالمياً في عام 2019 هي: قطع الرأس، والصعق الكهربائي، والشنق، والحقنة المميتة، والرمي بالرصاص. كما إن 13 عملية إعدام نُفّذت أمام الملأ في إيران في إشارة لنهج تلك العقوبة وطابعه الإجرائي العنيف والصادم للمجتمع الإنساني المعاصر. ومن بين تلك المسات الصادمة ما تأكد من إعدام أشخاص كانوا ارتكبوا الجريمة في عمر تحت السن القانوني و-أو أنهم من ذوي العاهات العقلية وعُلم أنه كانت قد صدرت أحكام بالإعدام إثر محاكمات لم تفِ بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة في بعض البلدان ومن بينها إيران، والعراق، وغيرهما..

وبقدر تعلق الأمر بالعراق فإنّ جرائم من ذات الطراز، كالقتل الميداني كانت قاربت الألف ضحية تركَّز معظمها جرت في مقاتل ميليشياوية تصدت للمتظاهرين في ميادين احتجاج سلمي، لا يملكون أي سلاح وقد جابهوا الرصاص الحي وقنابل الغاز بصدور عارية..

كما أن المؤشرات جميعاً كانت قد كشفت عن جثث ملقاة في أماكن النفايات ومجمعات الأزبال والمناطق المهجورة فضلا عن مؤشرات أخرى أفضت تحقيقات غير رسمية إلى وجود مقابر جماعية قريبة لما يُفترض أنها سجون سرية بإشراف قوى وعناصر ميليشياوية.. وقد طاولت عمليات الإعدام أو التصفية الجسدية عناصر معارضة أو مختلفة مذهبيا أو دينياً مع سلطة الميليشيات التي مارست الاغتيالات المكشوفة بلا ما يتستر عليها..



إن القتل المجاني والاغتيال والتصفية الجسدية بعد عمليات تعذيب واغتصاب سادية هي ظاهرة مازالت تهدد عشرات آلاف المخطوفات والمخطوفين والمعتقلين بخلفية احتلال الميليشات الطائفية للبلاد وسبيها العباد..

إنّ انتشار تلك العصابات المسلحة وارتكابها جرائمها بنهج فاشي دموي بات يستظل بإضفاء القدسية الدينية المزيفة عليها وعلى زعاماتها وتأويل الصراعات المسلحة بين أجنحتها على أنها دفاع عن نظام (الديموقراطية!) ضد من تسميه التكفيري على الرغم من أنها تشاركه خطاب التكفير ومنهجه ذاته؛ فضلا عن فرض الشرعية الدستورية بلباس يدعي أنها تنضوي تحت مظلة القانون والدولة وهي ترتكب فظاعاتها بشكل مفضوح خارج إطار الحكومة وسلطتها وبعيداً عن أي وجود للقانون…!

إن وجود السجون السرية والمحاكمات التي لا يضبطها قانون وتلك المرتكبة تحت ما يُسمى أربعة إرهاب باتت ظاهرة تشمل عشرات آلاف الضحايا لترويع العراقيات والعراقيين وإخضاعهم لسلطة الهمجية الوحشية واستنزاف قواهم ووضعهم تحت مظلة الاستعباد المطلق…!

عليه، فإنّ نضال القوى التنويرية والحركة الشعبية من أجل الهوية الدستورية القانونية والانتقال إلى منظومة القيم الديموقراطية بتعديل صياغة القانون الأساس أو العقد الاجتماعي للدولة وإلغاء الفقرات والمواد التي تنص على تثبيت عقوبات همجية تخالف الطابع الدستوري وهويته أمر يبقى بحاجة لتوقف وتعديل جدي مسؤول..

إذ تناضل قوى العدالة لفرض مبدأ أن العقاب إصلاحي الهوية وليس انتقامياً كما هو حال المواد التي تمرر عقوبة الإعدام على الرغم من أن أغلب البلدان بات اليوم يرفضها وأزالها من قوانينه…

إن القدسية الدينية وغسقاطات تأويلية أخرى لا يمكنها أن تبرر تثبيت تلك العقوبة التي مازالت تنصّب من إنسان حاكماً قيما يصادر الحياة لإنسان آخر! بوقت يلزمنا الانتهاء من هذه العقوبة بصورة شاملة كي نحتفظ بهوية الأنسنة التي تمنع تحويل القانون غلى سيف بتار أو رصاصة انتقام تحت اية ذريعة…

إن مجرد إتاحة عقوبة الإعدام في القانون العراقي لم تمنحه شرعية الممارسة كما يجري فعليا اليوم وبنطاق يتفشى بعنف بل إنه يمنح إباحة وحشية لبعض العناصر التي تسمح لنفسها بارتكاب القتل بسلطتين: أولا ادعاء تمثيل الشرعية القانونية والأخرى إسقاط القدسية الزائفة دينيا وبخطاب يتمسح بتكفير التكفيري ومن ثم الانتقام منه واغتياله أو تصفيته جسديا بوحشية لا علاقة لها بالقوانين التي تقدس حياة الإنسان وتراها حقا لا يمكن عبوره والاعتداء عليه …

إنّ إنهاء عقوبة الإعدام ربما يبدأ بوقف ممارستها ثم تعديل المواد القانونية بمجال قانون العقوبات بصورة تقف بوجه ثقافة الاعتداء على حياة الإنسان تحت أية ذريعة أو مبرر…

من هنا وجب أن يتعزز وجود مركز وطني لإنهاء تلك العقوبة القروسطية بوحشيتها والمخالفة لتوجهات القوانين ودستوريتها وتعديل قوانين العقوبات بمختلف البلدان بما ينشر خطاب احترام حق الحياة حقاً مقدساً وخطاً لا يمكن تجاوزه ومن ثم سينتشر هذا في ميدان الحياة حيث الوقوف بوجه العنف الميليشياوي سواء تم وصفه بالمقدس أم بالشرعي فكلاهما أمران يتعارضان وسليم القرار والخيار ويناقضان منهج حقوق الإنسان وسواء طريقته وصوابه…

فهل سنجد مخرجاً من البريرية والذرائعية لضبط محددات شرعنة المواد القانونية وطابع العقوبات ومنهجها التربوي الإصلاحي بدل تبرير جرائم القتل والاغتيال والتصفية ممت يُرتكب جهاراً نهاراً في ميادين الحياة بحجة الشرعنة ووجود عقوبة الإعدام في القوانين التي مازالت باقية لليوم بصيغ لم تنصّ عليها في الجوهر وإنما أرادت يوماً أمرا مختلفا نوعيا لكنها تمرر اليوم بما يستجيب لرغبات متعطشة للدم ولقطف أو إزهاق أرواح بغير وجه حق!!!

إن عقوبة الإعدام قضية استثنائية تتطلب موقفا جمعيا للبشرية ولشعوبنا كيما توقف ما مرّ عبرها من ضيم وظلم ومن تجاوز الخطوط الحمراء في موضوع أو قضية حق الحياة ..

وليس نداءنا هذا بمتعارض مع أصل القضية وظهورها في نص ديني أو مدني بقدر ما هو وقوف يقيني ثابت راسخ ضد عملية استخدامها لتمرير مآرب دونية معادية للإنسان وحقه في الحياة إلى درجة ما ظهر ويظهر في العراق اليوم من تصفيات وحشية باختلاق السجون السرية وممارسة التعذيب الوحشي الساسدي وحتى القتل المجاني الميداني فضلا عن إصدار قرارات انتقامية بخلفية مرضية تكفيرية مرة وباختلاف منطق إجرامها في مرات أخرى..

وكيما نتجنب مثل هذا الاستغلال والتجيير وتلكم الجرائم المرتكبة في ظلالها لزم عراقيا التوقف فوراً عن عقوبة الإعدام والتأسيس لمراجعات معلنة للقضايا المحكومة بها بقصد الفصل فيها بعدالة وسلامة وصواب..

إنني أحيل هذي المعالجة لتكون بين نداءات قد يتوافر لها فرص وقف الظلم والإجحاف الذي ما بعده ظلم إذ يجري بظلاله ارتكاب جريمة تصفية حياة إنسان ما بمحاكمات كثرما كانت بأوضاع لا تستوفي بأغلبها المعايير الدولية المعنية فما بالنا وهي ترتكب ذلك ميدانيا بكل بشاعة المنظر وما يمرره!؟

لقد كانت العقوبة بأساس وجودها القانوني ذات طابع إصلاحي تقويمي لا انتقامي، لكننا اليوم نراها مثلما كثير من الأمور الأخرى يجري استغلالها وتجييرها والأنكى والأخطر فيها أنها يجري تحويلها إلى أداة تصفوية للخصم الفكري السياسي و-أو الاجتماعي والديني لما يمرر أسوأ الجرائم وأخطرها اعتداء على حق الحياة، الأعلى بين الحقوق.. وهذا يفرض علينا وقف عقوبة الإعدام تحديداً وبصورة فورية للتخلص من نهج العنف في بناء العلاقات الإنسانية ومنطق الانتقام والثأر وتبريره بدم بارد وعسى ننتهي من دوامة التصفيات وإزهاق الأرواح لنقيم العدل مثلما نصلح من يقع في خطأ أو حتى من يتعمده لأي سبب كان.