لنوقف هذا الجهل حتى لا يتحول إلى كارثة

صالح بوزان
2020 / 4 / 27

يكرر جميع الكرد من الساسة والكتاب والمثقفين ونشطاء الفيسبوك، وحتى الزعماء الكرد أن النقد شيء صحي. لكن الأنانيون والجهلة يكذبون عندما يرددون هذه الجملة. فطالما أصبح النقد في مجتمعنا الكردي سبباً للصراعات والانقسامات والشتائم والتخوين.
لماذا نقول أن النقد شيء صحي؟ لأنه يكشف ما نفكر به دون لبس. وثانياً يظهر مستوى وعينا المعرفي. وثالثاً هو مصدر للإبداع، لأنه يؤدي إلى انتاج أفكار جديدة. لكن الأنانيون والجهلة لا يريدون ذلك. وإنما يبحثون عن مصفقين ومريدين لأفكارهم الضحلة.
كان من المفروض أن نتطرق لمسألة الأزيدية والعلوية من الناحية السياسية والاجتماعية من زمان. ولا أجد أي تبرير لهذا التأخير. لكن شفان برور بادر إلى إثارة هذه المسألة. وبالمقابل تفاجأنا بحملة عدائية غير مبررة من قبل بعض الجهلة الأزيديين الذين طالبوا شفان بأن يسجن نفسه في الغناء، ولا يتطرق لشؤون الأمة؟ لا شك لو دغدغ شفان غرائزهم لما قالوا ذلك.
أريد القول، أن الفنان والمثقف والأديب والمفكر الذي ينتمي إلى شعب مضطَهد، ولا يعتبر قضية شعبه قضيته الحياتية هو لا ينتمي لهذا الشعب في حقيقة الأمر، ولا قيمة له عند الشعب ولو حصل على جائزة نوبل. سأقرب المسألة إلى الذهن أكثر. عندما يجري الاعتداء على أمك أو أبيك وتدير لهما ظهرك دون الدفاع عنهما، فأنت بالتأكيد لا تنتمي لوالديك، ولا قيمة للبيولوجيا هنا. علاقة النخب الثقافية والمعرفية والفنية مع أمتها المضطهَدة هي مثل علاقة هذا الانسان تجاه الاعتداء على والديه. فإما أن تكون مذلولاً مثله أو شهماً تدافع عن أمتك بشرف وتموت من أجلها عند الضرورة.
نعلم أن كل النخب الثقافية والسياسية والفنية تخرج من بين صفوف الشعب، وبالتالي هي ملزمة انسانياً وأخلاقياً وقومياً حمل قضية هذا الشعب. فأن يتقاعس أحدهم، هذا شأنه. قد يُؤنّب، ولكن لا يستدعي ذلك إلى إدانته. المسألة تصل إلى الادانة عندما يتقاعس بعضهم وفي الوقت نفسه يهاجم الذين ربطوا حياتهم بحياة أمتهم. لا يتساوى هنا المتقاعس والمناضل، وتتحول البيولوجيا إلى خرافة.
شفان برور واحد من هؤلاء الذين أدرك منذ طفولته أن أمته الكردية هي في مقام والديه وعليه الدفاع عنها ضد المعتدي التركي والعربي والفارسي. في هذا المسار الطويل من حياته ارتكب شفان دون شك أخطاء عديدة على الصعيد الشخصي والسياسي والنضالي والفني، وستحدث هكذا أخطاء حتى مماته. لكن هذه الأخطاء حدثت وتحدث وستحدث نتيجة عدم توفر المعرفة الكافية، وهذا ما حدث ويحدث معنا جميعاً، بل مع أكبر الزعماء.
يقف اليوم بعض الجهلة من الأزيديين، وخاصة في أوروبا، عند بعض كلمات وجمل معينة لشفان برور في فيديوهاته من أجل الهجوم عليه، دون أن يدركوا، وربما يتجاهلون، الرؤية الاستراتيجية في تفكيره من أجل أمته. كأن يقول أحدهم، على سبيل المثال، ليس كل رجال الدين وكل شيوخ العشائر والبكوات الكرد مثل ما قال عنهم شفان. طبعاً هذا الكلام صحيح. لكن الصحيح الآخر الذي يجب أن يكون هو الأهم، أن المنظومة الفكرية والسياسية الدينية والعشائرية والبكواتية هي دون مستوى الوعي الوطني والقومي. وهذا لبس اكتشافاً من شفان، بل هو مبني على فكر فلسفي واجتماعي وتاريخي عالمي. فأي ظاهرة فكرية أو اجتماعية هي في عموميتها وليست في جزئيتها.
هؤلاء الجهلة من الأزيديين لا يعلمون أننا، ككتاب كرد أُجبرنا تاريخياً أن نكون مسلمين، قرأنا عن الديانة الأزيدية أكثر منهم. قرأنا تاريخها وفكرها وعاداتها وتقاليدها وأدعيتها وصلواتها. وما دفعنا إلى هذه القراءة هو أن هذه الديانة هي تراثنا العريق، أنتجها أجدادنا منذ آلاف السنين. فالأزيدية بالنسبة للمثقف الكردي ليست كالديانة الاسلامية والمسيحية واليهودية التي جاءتنا من الخارج، وفُرضت علينا بحد السيف كالإسلام. الكردي المسلم، بغض النظر إن كان ملتزماً بالإسلام أو لا، وبغض النظر إن كان مثقفاً أو إنساناً عادياً، هو الوحيد الذي رفض الشعار الاسلامي الثقافي العنصري "الاسلام يجبُّ ما قبله ". فالكردي لا يجبّ ماضيه. وهذا هو السبب الذي يعتبر العرب والترك والفرس أن الكرد كفرة.
لا يمكن اعتبار الاسلام تراث كردي. فحتى رجال الدين الكرد أنتجوا وينتجون ثقافة اسلامية عربية وليست كردية. ما أريد قوله أن الديانة الأزيدية ليست ملكاً للكرد الأزيديين فقط، ولا سيما لهؤلاء الجهلة الذين يريدون تحويل الدين إلى قومية مثل اليهود، وكذلك مثل العلويين الكرد الذين يريدون تحويل الطائفة إلى قومية، وبالتالي تمزيق الأمة على أساس ديني وطائفي. الديانة الأزيدية هي ملك لكل كردي سواء أ كان مسلماً أو أزيدياً أو مسيحياً أو يهودياً أو ملحداً.
عندما ندين حملات الإبادة الفاشية الاسلامية ضد الكرد الأزيديين تاريخياً، فإننا ننطلق بالدرجة الأولى أن هذه الحملات كانت لإبادة الشعب الكردي، فأغلبية الكرد في بداية الغزوات الاسلامية كانوا أزيديين. ومن الضروري اليوم أن نتحلى بالشجاعة الكافية ونعيد النظر إلى تاريخنا من أجل توعية الجيل الشاب بحقيقة أولئك الكرد المسلمين الذين شاركوا في هذه الحملات الإبادة ضد الأزيديين تحت اللافتة الاسلامية، أنهم كانوا أكثر الكرد غدراً بأمتهم، ولو كانوا أمراء وزعماء عشائر وقادة.
ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة ليس الدفاع عن شفان برور، فهو لا يحتاج إلى من يدافع عنه. وإنما لصد الطريق أمام هؤلاء الجهلة ولا سيما المنتفعون منهم في أوربا باسم الأزيدية والعلوية، حتى لا يعمموا هذا الجهل على الكرد الذين ينتمون لهذه الديانة ولتلك الطائفة، ويخلقوا شرخاً في المجتمع الكردي على الأسس الدينية والمذهبية، مثلما يفعل بعض الساسة الكرد عندما يختزلون الوطنية والقومية في العائلة وفي العشيرة. مصلحة الأمة الكردية فوق الديانات والمذاهب، وفوق الأحزاب والزعماء، وفوق الكتاب والمثقفين والفنانين. اقرؤوا التاريخ بتروي.. لقد غيرت الشعوب دياناتها ومذاهبها عدة مرات، وانقلبت على بعض زعمائها السياسيين والدينيين، بل قتلت بعضهم شر قتلة، لكنها لم تتخل عن هويتها. والشعوب التي تخلت عن هويتها تسمى اليوم الشعوب البائدة.
26/04/2020
Herford