طاحونة العنف الاسري ستستمر بالدوران ما لم نوقفها

نساء الانتفاضة
2020 / 4 / 26

احدثت حادثة حرق ثم مفارقة الشابة ملاك حيدر الزبيدي للحياة زوبعة في اوساط المجتمع العراقي في الايام القليلة الماضية واصبح موضوع العنف ضد المرأة مرة اخرى يتصدر وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
حين استيقظت ذلك اليوم على خبر حرق الشابة العراقية ذات العشرين من العمر "ملاك" ايقض الخبر عندي ذاكرة اليمة من طفولتي كانت قد دفنت في طيات الذاكرة منذ اكثرمن اربعة عقود. كنا مجموعة صغيرة من الصديقات والجيران في العاشرة من عمرنا نقضي بعض اوقات العطل الصيفية باللعب في منزل احدنا باحد احياء بغداد الجديدة. كانت لمياء (الاسم مستعار) صديقة حنونة بملامح لطيفة وصوتها الناعم لايزال يرن في ذاكرتي وهي تترنم اغنية لعفاف راضي كانت مشهورة انذاك.
عصر احد ايام الصيف لم تاتي لمياء للعب وفجاة انتشر خبر بانها "احترقت" في فناء منزلها. اقيم عزاء متواضع ليومين اوثلاثة ثم انشغل كل بحياته وانتهى الموضوع. لم افهم انذاك ما حصل ولم اعرف اسباب انتحارها ولكن كنت اعلم بسوء معاملة زوجة ابيها لها وترك رحيلها فراغا وخدشا في داخلي لم اكن اعيه انذاك.
لا يشترط ان يكون العنف والاساءة من الذكور في العائلة، فكانت لمياء طفلة من ضحايا العنف الاسري والاضطراب العائلي ولكن هذا العنف لم ياتي من أب اوأخ اوعم (على الاقل ليس مباشرة حسب علمي) ولكن من امراة كانت بمثابة الوالدة لها (زوجة الاب). ولابد ان زوجة الاب هي نفسها كانت ضحية للعنف والاساءة من المجتمع الذكوري فمن المعروف بان ضحايا العنف هم انفسهم غالبا ما يعانون من التكيف السلبي واللجوء الى الاعمال العدائية ضد الاخرين وترتفع لديهم نسب الاصابة بالامراض النفسية كالاكتئاب والقلق والانتحار.
العنف والاساءة ضد المرأة والطفل الانثى يبدأن حتى قبل ولادتها، (فالمجتمع الذكوري يذكر المرأة الحامل بجنين انثى بان مولودها المرتقب نقطة ضعف لها وغالبا ما تقابل ام الجنين الانثى بالرثاء لها بدلا من الاطراء والتهاني التي تناله المرأة الحامل بذكر)، وان لجوء الفتاة الى الانتحار في معظم الاحيان هو نتيجة تراكم سنوات من الظلم والاساءة والتعسف بحقها وليست وليدة اللحظة فالعادات والتقاليد الذكورية الرجعية تسلب الارادة من الانثى وتهمش باستمرار من دورها ووجودها وانسانيتها.
بين مقتل صديقتي لمياء ومقتل ملاك اكثر من اربعة عقود والالاف من الضحايا وقصص الانتحار والقتل للنساء المعنفات في العراق والعالم. سوف تنتهي الزوبعة الاعلامية الحالية وتخمد الاصوات الاحتجاجية على حادثة ملاك بعد بضعة ايام وكل يرجع الى حياته الطبيعية ولكن جروح ذوي ملاك ومحبيها سوف لن تلتئم وسيترك رحيلها اثرا على مقربيها يدوم عشرات السنين والعديد من التساؤلات والحيرة فيما اذا كان بالامكان منع حدوث الحادث، وسوف لن تكون ملاك الاخيرة في سلسلة ضحايا طاحونة العنف ضد المرأة.
ان انهاء العنف ضد المرأة والطفلة لا يمكن الا في مجتمع تسوده المساواة. في المجتمع العراقي تعاني الجماهير نساءا ورجالا واطفالا وخلال عقود طويلة من الاستبداد والرجعية والحروب المتتالية وخاصة منذ 2003 وسيطرة قوى الاسلام السياسي واحزابها الطائفية التي باتت تتنافس في السباق نحو القعر فيما يخص حقوق المراة وحرياتها. فجردت المراة من ابسط الحقوق والحريات وفرض تراجع مادي ومعنوي جسيم على كل المجتمع وعلى مختلف الاصعدة واصبح المجتمع رهينة بايديها تمرر بذلك مصالحها السياسية والاقتصادية.
اتت انتفاضة اكتوبر لتمثل انعطافة تاريخية وفرصة للنضال من اجل قلب هذه المعادلة فخرجت المراة بكل قوتها الى ساحات التظاهر منذ الايام الاولى للانتفاضة كاسرة كل القيود المفروضة عليها واثبتت قدرتها على احداث التغيير. علينا ان نلتقط هذه الفرصة التاريخية لنعزز من دور المراة في رسم المستقبل السياسي والدفع بمسيرتها التحررية والمساواتية بخطى ثابتة نحو الامام. وذلك لايتم الا بالخلاص من نظام الاسلام السياسي الطائفي واحزابه وهو نفس الهدف الذي اشعل فتيل انتفاضة الجماهير في 1 اكتوبر 2019. فنضال المراة للتحرر والمساواة في هذه الانتفاضة لاينفصل عن نضال الجماهير كلها للخلاص من ويلات هذا النظام، ليس هذا فحسب، بل ان الانتفاضة نفسها لاتكتمل مالم تكون حرية ومساواة المراة في مقدمة اهدافها.