جمال حمدان: بين تياري الخصوصية الثقافية والتنميط الثقافي

حاتم الجوهرى
2020 / 4 / 22

هل لـ "جمال حمدان" علاقة بعالم ما بعد كورونا،
وما بعد "المسألة الأوربية"!

حلت علينا الذكرى الـ"27" لوفاة جمال حمدان التي مرت يوم الجمعة الماضي الموافق الـ"17" من هذا الشهر، لتطرح عدة إشكاليات ملحة وضرورية ومفصلية للغاية على مائدة الثقافة المصرية ومستقبلها، في فترة عالم ما بعد كورونا وتجاوز تناقضات "المسألة الأوربية"، والبحث في مجال صعود عدة دول مرشحة لواجهة النظام العالمي الجديد، في ظل أن الترشيحات تشمل من ضمنها مصر في تصورات للكثيرين –من ضمنهم ما طرحته شخصيا في مقالاتي مؤخرا-، وهو الأمر الذي من الضرورة بمكان أنه سيصحب بضرورة تفعيل الموارد الذاتية، ومن ثم تطوير خطاب ثقافي وسياسي – وهذا بيت القصيد- يعبر عن هذا المتغير الحضاري، وهو الشيء الذي تفتقده الثقافة المصرية حتى الآن، وأعتقد أن صلاحية النخبة المُسكنة في مؤسساتنا الثقافية الرسمية قد انتهت تماما، وحان وقت تقديم الشكر لهم وتكريمهم التكريم اللائق، وترك سجلهم للتاريخ ليحكم عليه وحده.

شخصية العام في معرض الكتاب
والمحصلة ضجيج بلا طحين ولا خبز

علاقة جمال حمدان بالآني والمستقبلي وملف الثقافة المصرية ستتبدى شيئا فشيئا، ولو بشكل غير مباشر، حيث كان حمدان ينتمي لفكرة ثقافية ما في مواجهة فكرة ثقافية أخرى تقف على النقيض لحد بعيد، لكن دعونا نأخذ المسائل خطوة بخطوة، كانت المفارقة أنه من جهة تم اختيار جمال حمدان شخصية رئيسية لمعرض القاهرة هذا الدولي العام، لكن من الجهة الأخرى كان اختيارا باهتا لم يملك الزخم المطلوب، من حيث: إعداد الفعاليات والحلقات النقاشية وطرح مقارباته في مواجهة "اللحظة الآنية"، للاستفادة منها بالنقاش إما بالتعديل أو الحذف أو الإضافة أو التأكيد على الصلاحية! وبحث إمكانية دمج تلك الأطروحات في اللحظة الحضارية الراهنة. كانت هذه هى الطريقة المثلى في التعامل مع إرث جمال حمدان/ المفكر/ العالم/ المثقف، لكن الطريقة التي تم التعامل بها مع منجز جمال حمدان تشي بأن الأمر جاء بغرض كرنفالي، يفتقد للروح والزخم المطلوب والمسئولية والفهم للدور الثقافي المطلوب.

التدافع بين تيارين ثقافيين متقابلين
(الخصوصية x التنميط)

إنما حقيقة جذر المعضلة يكمن في موضع آخر، لأن فعالية معرض الكتاب وماكينة العمل به هي جزء من التيار الثقافي السائد الآن في (المؤسسة الرسمية وكذلك معظم التجمعات الثقافية المستقلة)، ونحن صراحة أمام إشكالية وجودية لأن هذا التيار الثقافي السائد ينتمي لتصور ثقافي مأزوم في علاقته بـ"مستودع الهوية" المصري، يمكن تسميته بـ تيار "التنميط الثقافي" في مواجهة ما يمكن تمسيته بتيار "الخصوصية الثقافية" الذي كان جمال حمدان أحد تمثلاته ومحطاته!

تيار "الخصوصية الثقافية"

يمكن القول أن مصر حملت تيارين ثقافيين رئيسيين تنازعا الوجود في القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة، وإن أصبحت السيادة لأحدهما منذ نهاية القرن الماضي، وأصبج الآخر متنحيا في الهامش يمارس أفراده مقارباتهم في هدوء وإصرار وأمل لا ينقطع، التيار الأول يمكن تسميته بتيار "الخصوصية الثقافية" وينطلق من دراسة حالة مصر في الجغرافيا والتاريخ وضرورة فهمها كآلية للتحديث الذاتي، واستنباط ما يتفق مع ظروف هذه الحالة أو ما ينتج عن خصوصيتها من أفكار وتصورات تصلح للتطبيق والتحقق والاختبار، وقد يرى هذه النموذج في قدرات مصر الكامنة لتحولها إلى نموذج حضاري رائد وامتلاك اشتراطات ذلك.

تيار "التنميط الثقافي"

التيار الثاني يمكن تسميته بتيار "التنميط الثقافي" وينطلق من فكرة إشاعة النموذج الأوربي في تمثلاته الكثيرة والمتنوعة، والترويج لقوالب "حالة الحداثة" ومنتجاتها الفكرية والتطبيقية كـ"نمط أعلى" يجب على مصر أن تضبط نفسها على مقاسه! وضرورة فرض "أنماط ثقافية" ووجودية بعينها لضبط الحالة المصرية/ العربية، وفق مفاهيم "الحداثة" والتصورات الأوربية لعملية "التحديث" كنمط خاص اعتقد الكثيرون الذين استلبهم النموذج، في حتمية سيادته وفرضه على كل سكان الأرض، وتنميطهم وفقا له وكأنه ديانة عالمية جديدة، يجب على الجميع أن يتخلى عن وجوده الخاص وتراكمه التاريخي لصالحها.

جمال حمدان
وكيف يلتقي الجزئي مع الكلي!؟

في واقع الأمر ينتمي جمال حمدان للتيار الهامش المتنحي تيار وهو "الخصوصية الثقافية"، في حين يسود التيار الآخر"تيار التنميط الثقافي" دون هوادة في مؤسسات الدولة المصرية منذ فترة التسعينيات (وكذلك يسود في معظم المؤسسات المستقلة التي تنتمي لليبرالية أو الماركسية، كذلك عجز اليمين العربي و المصري عن تقديم بديل وتمثل واضح وفعال لـ"الخصوصية الثقافية" في خطابهم)، والأزمة هنا ان استدعاء شخصية جمال حمدان جاء دون سياسة ثقافية واضحة للاستفادة منه، اللهم سوى فكرة الكرنفالية والاستعراض البحت. بما يجعل من الضروري رصد علاقة النمط السائد وسياسته الثقافية في مصر بفكرة "الخصوصية الثقافية" وفكرة "التنميط الثقافي"، وذلك منذ بداية الدولة المصرية المعاصرة بشكلها الحالي الذي ظهر في خمسينيات القرن الماضي.

المرحلة الأولى وسياستها الثقافية: دولة عبد الناصر

على مستوى الرصد التاريخي مرت الثقافة المصرية بعدة مراحل منذ ظهور "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الغربي في خمسينيات القرن الماضي، المرحلة الأولى وهي دولة عبد الناصر وكان الاتجاه العام يميل للبحث في "الخصوصية الثقافية" لمصر وتفعيل نطاقات هذه الخصوصية و"مستودع هويتها"، الذي تمثل -حينذاك- في مشروع "القومية" العربية باعتبار أن القومية وخطابها عموما إحدى تمثلات فكرة "الخصوصية".

المرحلة الثانية وسياستها الثقافية: دولة السادات

ثم جاءت المرحلة الثانية، مرحلة الأزمة مع دولة السادات والأزمة مع "مستودع الهوية" ومتطلبات الدفاع عنه بعد اتفاقية "كامب ديفيد"، والصدام مع بقايا تيار "الخصوصية الثقافية" إرث دولة عبد الناصر، وهو ما ناتج بدايات الأزمة في مشروع مصر الوجودي، لأن السادات لم يقدم بديلا لتمثل جديد لفكرة "الخصوصية"، إنما حول الوجهة بعيدا نحو الاندماج في الأنماط والقوالب الجاهزة السائدة في المشهد الدولي، فكان تصوره الوجودي لمصر في العموم أقرب لفكرة "التنميط الثقافي" والقبول بالأنماط الثقافية والسياسية والاقتصادية الجاهزة، التي كانت معظمها قادمة من تمثلات "المسألة الأوربية" وفكرة المادية سواء في شكلها الرأسمالي أو المادية في شكلها الشيوعي.

المرحلة الثالثة وسياستها الثقافية: دولة مبارك

أما المرحلة الثالثة مع دولة مبارك فقد شهدت فترتين، الفترة الأولى في عقد الثمانينيات وكانت باهتة الملامح دون وجهة واضحة وإن استمر تراجع تيار "الخصوصية الثقافية" وتآكلْ مظاهر وجوده، وظهرت الفترة الثانية في التسعينيات وكانت فترة التشكل والبلورة الواضحة لتيار "التنميط الثقافي" وخطابه، وتمثلات ذلك في الأدب والشعر والمعرفة والإعلام والخطاب الثقافي عموما، مع الإقصاء التام والواضح للمنتمين - بطبيعتهم أو بفطرتهم - لتيار "الخصوصية الثقافية"، ليصبح على نخب "الكتلة الجامعة" المعبرة عن موضوع واختيار "الخصوصية الثقافية" إما أن تتكيف وتندمج في التيار السائد، أو تبقى في الهامش وتحتفظ بما تكتبه وتعده من مشاريع لـ"استعادة الذات"من أجل مصر، في "خزانة الزمن" والحلم بكل صمود ورضا ومحبة.

المرحلة الرابعة وسياستها الثقافية: ما بعد ثورة 25 يناير

أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، التي جعلت هناك توافقا شعبيا بين طموح الشارع المصري والثورة في "استعادة الذات" ونهضتها، مع أفكار وأطروحات المنتمين لحالة "الخصوصية الثقافية"، حيث فوجئ تيار "التنميط الثقافي" السائد في المشهد بأن الجماهير شبت عن الطوق وتطالب بالتغيير والثورة من داخل خصوصيتها الثقافية وحاضنتها الخاصة، وصعدت كتابات وأطروحات المنتمين لتيار "الخصوصية الثقافية" مرة أخرى – ومن ضمنها مؤلفاتي شخصيا في مقاربة الذات والآخر- بفعل الظرفية التاريخية، لكن الاستقاطبات السياسية وتسديد فواتيرها من جهة وبقايا وتلامذة تيار "التنميط الثقافي"، حالا دون أن يتسيد خطاب حالة "الخصوصية الثقافية" المشهد المصري ويقدم تصوراته للعبور للمستقبل، خاصة وأنه يتمترس حول "اللحظة الانية" ويتجاوز كل تناقضات القرن الماضي وتراتباته الاجتماعية والسياسية والثقافية، أي أنه ليس له ثأر مع أحد ولا توجد عليه فواتير ليسددها لأحد، سوى لحلمه بنهضة هذا الوطن في ظل "خصوصيته الثقافية".

المعضلة الثقافية لـ"اللحظة الراهنة"
السائد ينتحل من المتنحي

وصار الأمر كالتالي يراهن المنتمنون لتيار "الخصوصية الثقافية" على وعيهم باللحظة الحضارية الراهنة، وقدرتهم على التواصل معها وتقديم ما يلزمها من خطابات وتصورات للعبور للمستقبل، وحلم "استعادة الذات" المصرية والعربية والدفاع عن "مستودع هويتها" وامتلاك متطلبات ذلك، وتجاوز "المسألة الأروبية" برمتها بما خلقته من تقاطبات بين اليمين واليسار العربي، في مقابل محاولات تلامذة تيار "التنميط الثقافي" التشبث بمقاعدهم والاحتفاظ بمميزات "النمط السائد" وحزمة المنافع التي تأتي معه، ومن ورائهم الرجال الأقوياء الذين أسسوا لهذا التيار في تسعينيات القرن الماضي، لأنهم ذاقوا حلاوة مميزات "الدمج والتسكين" التي ترتبط بالنمط السائد سلطويا، فتراجع رجال التيار الأقوياء للخلف عدة خطوات، ودفعوا بوجوه مائعة قيميا وشخصيات غير قوية للواجهة، يمكن تسميتهم برجال "المرحلة البينية".

"سياسة ثقافية" مبتسرة

لتأخذ المسألة بعدا آخر أوضح في تمثلات "السياسة الثقافية" المصرية السائدة الآن، أصبح من المعتاد أن ينتحل أو "يقتبس" تلامذة تيار "التنميط الثقافي" الكثير من أفكار تيار "الخصوصية الثقافية" الموجودين في الصفوف الخلفية، ويحاولوا حشرها حشرا في سياستهم الثقافية الحالية، مما أدى لحالة من التشوه وعدم القدرة على توظيف الأفكار وابتسارها، لأن تلامذة وممثلي تيار "التنميط الثقافي" غير قادرين على التواصل الحقيقي مع الأفكار التي ينتحلونها من ممثلي "الخصوصية الثقافية"، هم فقط ينتحلون الفكرة ويحولونها لشعارات في بيانات صحفية وتقارير للأداء، دون فعالية حقيقية في الواقع، ودون قدرة من هم على فهم الصلة ما بين: الثقافي والمعرفي والسياسي والحضاري العام، دون أن يتخيلوا الصلة بين السياسية الثقافية والسياسة الخارجية ومشرع للترجمة العكسية مثلا لتغير الصورة النمطية للذات العربية والمصرية عند الآخر الأجنبي المتعدد.

الانتحال دون التمكين
أو حتى تعايش بين السياستين الثقافيتين

وصارت عندنا أزمة بنيوية واضحة في الثقافة المصرية، ليس جمال حمدان والموقف تجاهه كشخصية لمعرض القاهرة الدولي هذا العام سوى إحدى تمثلاتها، أزمة بين المبني والمعني! بين الشكل والمضمون، المبني والشكل الهيكلي والإداري الأعلى للمؤسسات يتكون من تلامذة تيار "التنميط الثقافي" ، والمعني والأفكار والمضمون المستخدم منتحل ويعود لرجال "تيار الخصوصية" واستعادة الذات! لكن دون فعالية حقيقية لعجز ممثلي التنميط عن فهم جذور ومآلات أفكار وأطروحات ممثلي الخصوصية الثقافية. حيث ظهرت إشكالية جديدة في معظم القضايا الثقافية الراهنة أن تيار "التنميط" وممثليه لا يملك لها حلولا، فهو مُستلب للقوالب والمفاهيم الثقافية الأوربية الجاهزة التي لا تستطيع أن تواكب خصوصية الحالة العربية والمصرية الراهنة وظرفيتها في شبكة علاقاتها الآنية.

نماذج لـ"الانتحال الثقافي"

لذا كان يتم خلسة انتحال خطاب تيار "الخصوصية الثقافية" من جانب رجال المرحلة البينية أو ممثلي تيار "التنميط الثقافي"، لأنهم ينتمون للحظة الراهنة على عكس البنية التاريخية لممثلي تيار التنميط، وبرز ذلك في عدة ملفات تتعلق بالسياسة الثقافية المصرية العامة، في مجموعة من الملفات الثقافية النشطة خاصة فيما يتعلق بملفات اليونسكو وسياسات إدارتها والملفات المطروحة للقوائم التمثيلية لليونسكو، وطريق الحرير الجديد واستعادة الهوية المصرية ومستودعها المتراكم وعلاقتها بتبادل المزيج الثقافي على طول طريق الحرير بمفهوم الند للند، وفي ملف العام الثقافي المصري الروسي، وكذلك في ملف الترجمة للآخر وتغيير الصورة النمطية لمصر.

لكن كل ذلك كان يتم بطريقة مشوهة لأن رجال المرحلة البينية ينتمون للعقلية الثقافية الخاصة بتيار "التنميط الثقافي"، ولا يستطيعون فهم مداخل ومخارج "النماذج المعرفية" التي يستخدمها تيار "الخصوصية الثقافية" ورجاله، لذا عادة ما تتعرض النماذج الثقافية التي ينتحلونها للأزمة وفقدان المعني والطريق، خاصة في ظل إصراهم على الانتحال وعدم منح الملفات ومسئوليتها السياسية لممثلي تيار الخصوصية الثقافية.

بل أذكر أنه مرة تم انتحال إحدى الأفكار التي طرحت على تحديد اسم الدولة الضيف لمعرض الكتاب، فمرة طُرح في لقاء موثق ما أن تكون الدعوة لمعرض الكتاب وفق العناصر العربية الثقافية المشتركة وفعاليات الدول المشاركة بها، فتم انتحال الفكرة وتحويلها لأن يكون الضيف هو جامعة الدول العربية! دون وعي او فهم أيضا لكيفية تطبيق الفكرة وتفعيلها، ليستمر الابتسار والتشوه في السياسة الثقافية السائدة.

نظرة مستقبلية الآن الآن وليس غدا: مصر كدولة صاعدة (Rising State)
(الظرفية الحضارية والثقافية لجائحة كورونا ولحظة صعود تيار "الخصوصية الثقافية")

أعتقد أن اللحظة الحضارية الراهنة هي "نقطة تحول" مناسبة للغاية، لتنحية تيار "التنميط الثقافي" وممثليه عن واجهة السياسة الثقافية المصرية بعد عقود من التفكيك والأزمة، مصر مرشحة مع الصين -كما طرحت مؤخرا- لتكون أهم نقطتين لكسر الهيمنة الأمريكية، ومن ثم تجاوز "المسألة الأوربية" التاريخية باعتبار أمريكا هي التمثل الأخير للحالة الأوربية، من ثم تحتاج اللحظة الحضارية لوجوه قادرة على التفاعل والربط بين السياسة الثقافية والسياسة الخارجية والحلم الداخلي باستعادة الذات مواكبة للحظة.

كذلك أصبحت تلك الوجوه المستهلكة منفرة لحد بعيد، تفتقد لأبسط بروتوكولات العمل العام وقواعده المهنية، ولا يمكنها أبدا أن تصبح أرضية لبناء ما هو مشترك وتجميع الناس حولها في "سياسة ثقافية" جديدة، تستعيد القيم الأساسية للمجتمع المصري في فترة انطلاقه وتحوله لـ"دولة صاعدة" (Rising State) في عالم ما بعد كورونا، وتجاوز المسألة الأوربية بتناقضاتها الموروثة من القرن الماضي.

ذكرى جمال حمدان: شجن الخاص وتحوله إلى العام
(بين الخصوصية والتنميط)

ربما جاءت ذكرى وفاة جمال حمدان هذا العام في موعدها تماما، جاءت لتذكرنا بموقع وموضعة تيار "الخصوصية الثقافية" في مصر، وأهمية وعي مصر بذاتها والتفاتها للحظة الحضارية الراهنة وممكناتها، وبالتالي أهمية الوعي بالدفع بنخب تيار الخصوصية الثقافية لتحمل مسئولية الملفات الثقافية وسياساتها العامة، وضبطها وفق التصور المستقبلي لمصر كـ"دولة صاعدة" (Rising State) في عالم ما بعد كورونا وتجاوز "المسألة الأوربية".

ربما من المحتمل أن ذكرى وفاة جمال حمدان جاءت في موعدها بالضبط، لتذكرنا بالتعامل الكرنفالي المفرغ من المضمون معه هذا العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وعلاقة ذلك بالسياسة الثقافية المبتسرة التي ينتحلها النخب المنتمية لتيار "التنميط الثقافي"، وعدم الاهتمام بأطروحات حمدان الفكرية وإسقاطها على الواقع، لكن الأكيد وليس المحتمل أن الظرفية الحضارية و"اللحظة الراهنة" لمصر، تستدعي تنحية تيار "التنميط الثقافي" وتقديم الشكر له وتكريمه، وترك الحكم الموضوعي عليه للتاريخ، وكذلك الوعي بالذات وأهمية صعود تيار "الخصوصية الثقافية" في اللحظة المناسبة، لتأخذ مصر مكانها المستحق في عالم "ما بعد المسألة الأوربية" الذي طرحته بشدة جائحة كورونا.