الاسم حاكم سيناء والفعل في أثيوبيا

حاتم الجوهرى
2020 / 4 / 18

للمصريين مثال شعبي شهير يقول: "الاسم طوبة والفعل أمشير"، دلالته أن هناك مسمى ما لا ينطبق على الفعل المرتبط به واقعيا، وهو ما أرى أنه ينطبق بشدة على مقال "حاكم سيناء" الذي نشر مؤخرا في جريدة المصري اليوم موقعا باسم نيوتن، طارحا فكرة مستهجنة للتعامل مع سيناء المصرية، أري أن الاسم "حاكم سيناء" لكن الفعل والمقصود في أثيوبيا وسد النهضة الذي أوشك على حجز مياه النيل من طرف واحد، ووضع مصر أمام الأمر الواقع، وتوجيه ضربة لم يسبق لها مثيل للأمن القومي المصري ومفاهيمه.
ودلائلي على أن الاسم حاكم سيناء والفعل في أثيوبيا عديدة، أبسطها أن ملف "صفقة القرن" شبه مجمد الآن بسبب جائحة كورونا، حيث كانت بعض التصورات والتسريبات تطرح سيناء ضمن مشروع الصفقة، لكن الأكثر إلحاحا الآن هو مشروع حجز الماء هذا الصيف من طرف واحد كما أعلن مؤخرا رئيس الوزراء الأثيوبي، ولأن هناك بالفعل ارتباط في السياسة الأمريكية بين تمرير الصفقة والضغط على مصر من خلال ملف السد، أرى بالفعل أن الملف الذي ستظهر استحقاقاته بشدة ويوضع على مفترق الطرق هو ملف "المياه" وتهديد الأمن القومي لمصر، وليس سيماء وصفقة القرن أبدا.

تيار الاستلاب وظهوره الإعلامي:
لكن دعونا نفكك المشهد ثم نعيد بناءه لنتمكن من الرؤية جيدا، في مدة الأربع سنوات الماضية كتبتُ كثيرا عن تيار "الاستلاب" العربي الجديد وظهوره في الإعلام المصري بشدة وإلحاح ملحوظ ومتكرر (يوسف زيدان، مراد وهبة، سعد الدين إبراهيم، وغيرهم)، وعلاقة الأمر بصفقة القرن، ومحاولة تحويل تيار الاستلاب إلى "نمط سائد" يجتمع حوله شتات المشهد المصري الموروث منذ القرن الماضي، وكتبت عن محاولة قطاع ما في بنية الدولة المصرية الدفع بهؤلاء واختبار وجودهم في المشهد العام، كحل يقترحونه على الإدارة السياسية المصرية لمواجهة الضغوط الأمريكية، في فترة عصيبة تمر فيها البلاد وإدارتها السياسية بمحاولة البحث عن مساحة وسط بين كل تناقضات ما بعد ثورة يناير العظيمة، أو هكذا يجب أن يكون الأمر.
كتبت رد على يوسف زيدان في جريدة الدستور، وردا على سعد الدين إبراهيم في جريدة المصري اليوم، ودراسة نقدية في مجلة "ميريت" ردا على مراد وهبة، كما رددت على بعض من حاولوا الترويج لخطاب تيار "الاستلاب" ودعم دعاويه من طرق جانبية وليست مباشرة، وقدمت خطابا في جريدة "العرب" اللندنية في مواجهة الهيمنة الأمريكية وتفكيكها للأبينة والمؤسسات الأممية تمهيدا لصفقة القرن.

المضمر والكامن في مقالة حاكم سيناء
لكن الآن ومع ظهور مقال "حاكم سيناء" في جريدة المصري اليوم، كان عليّ أن أتريث قليلا وأبحث في مستويات التحليل المضمرة وراء الدفع بهذا الخطاب في هذه اللحظة الحرجة، كان أمامي عاملين أولين للدراسة هما التوقيت ورد الفعل الواسع. المنطق المباشر والطبيعي سيقول أن الأمر كان محاولة اختبار وجس نبض لإمكانية ترويج الخطاب القديم ذاته، القائم على "الاستلاب" للآخر وصفقة القرن مجددا، وقياس رد الفعل الذي جاء عنيفا على اعتبار ان مصر استعادت الكثير من مفاهيم "الأمن القومي" في ظل ازمة كورونا، وتراجعت مفاهيم "الأمن السياسي" التي كانت على الأرجح وراء الدفع بتيار الاستلاب وخطابه في المشهد الإعلامي، حقيقة كان الرد قويا وخلق "نمطا سائدا" إلى حد ما يخالف خطاب تيار "الاستلاب" الذي كانت له السيادة قبل فترة وجيزة للغاية، وقبل جائحة كورونا مباشرة.

متغير تحول خطاب امريكا نحو الصين
لكن في الملفات والعلاقات الدولية؛ وبالنسبة لمن - هو مثلي - عمل على ملف تيار "الاستلاب" وصفقة القرن و"التدافعات الحضارية" والأنماط السياسية المرتبطة بهم لأربع سنوات كاملة، لا تقف الأمور عند مستوى تحليلها الأولي والمباشر أبدا، وبحثت في المتغيرات الجديدة ذات الصلة بالملف والتي طرأت مؤخرا، وجدت عاملين رئيسيين وعدة عوامل فرعية، العامل الرئيسي الأول هو تحول خطاب ترامب إلى المواجهة العنيفة مع الصين مرة أخرى، ومحاولة توريطها في دفع تعويضات هائلة وتحميلها مسئولية انتشار فيروس كورنا، كذلك ظهور هنري كيسنجر الثعلب العجوز ومطالبته بدور أمريكي واسع ومبادر لاستعادة السيطرة في عالم ما بعد كورنا (أقرب لما فعلته أمريكا مع أوربا بعد الحرب العالمية الثانية)، ولأنني في مقاربتي النظرية لما بعد كورونا سميتُ مصر والصين تحديدا، كلاعبين أساسسين في تجاوز المسألة الأوربية في تمثلها الأمريكي الأخير، أعتقد أن الأمر بالفعل له علاقة بمصر ولكن ليس كما ذهبت موجة الرد على مقالة "حاكم سيناء"، إنما سيكون الفعل والهدف في أثيوبيا.

اختبار تبدل سيادة تيار "الاستلاب"
أعتقد أن الهدف هو ملف "سد النهضة"، وأن الرسالة المقصودة من المقالة كانت التأكيد للإدارة الأمريكية على أن خطاب "الاستلاب" والترويج لصفقة القرن الذي كان سائدا منذ شهرين فقط، قد انتهي وأن الإدارة المصرية الآن تتبني وجهة جديدة تستعيد مفاهيم "الأمن القومي"، والهدف الأكثر ارتباطا هو طرح سياسة بديلة أكثر عنفا في مواجهة مصر! أو تحول "نمط التدافع" لوجهة جديدة وشكل جديد، ربما ستكون أكثر تشددا ومباشرة من فريق ترامب الذي سيعيد توجيه الضغوط نحو مصر، وتحويل الهدف من المواجهة العامة إلى مواجهة مباشرة، للتأكيد على الهمينة والخطاب "الامبراطوري" الذي صاحب ترامب، والذي سيتبدى في ملف سد النهضة واختبار قدرة مصر على تحقيق أهدافها فيه وضبطه وفق مفاهيم "الأمن القومي".
نعم أعتقد أن الأمر كان اختبار بحت وجس نبض، ولكن ليس كما ذهبت معظم الأصوات وراء الاتجاه الرائج وأنه ترويج للأمر، بل كان الهدف التأكيد على أن النمط القديم لم يعد صالحا في مواجهة مصر، وأن على الإدارة الأمريكية أن تختبر نمطا جديدا في مواجهة القاهرة، التي يبدو تحاول أن تُنشأ لحظة حضارية وجماعية جديدة، ربما تتجاوز استقطابات ثورة يناير وربما تخلق جسرا جديدا بين دعاة التغيير، وورثة دولة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري القائم منذ مرحلة التحرر من الاستعمار الأوربي منتصف القرن الماضي.

استهداف مصر كدولة صاعدة Rising State))
أعتقد أن الهدف في الجنوب وليس في سيناء أو صفقة القرن أبدا، أعتقد أن الذي دفع بهذه الورقة حصل تماما على ما يريده وهو أن مصر في حالة استعادة لـ"لحظة مفصلية" جديدة، وأن خطاب "الاستلاب" وإن كان موجودا وما زال البعض يحتفظ به كورقة للعب، إلا ان التيار السائد حاليا والتوجه الرئيسي داخل مؤسسات الدولة المصرية انتقل لمفاهيم "الأمن القومي" واستعادة القيم المشتركة في الحاضنة المصرية وتفعيل مواردها ومصادر قوتها الداخلية، لتتقدم مصر كدولة "صاعدة" (Rising State) في عالم ما بعد كورونا.
الهدف في الجنوب وليس في سيناء أبدا الهدف هو ملف "سد النهضة"، كان اللعب بورقة المقالة الهدف منه التأكيد على أن مصر حسمت أمرها ولن تستخدم خطاب تأجيل المواجهة، وأنها حسمت الأمر في ظرفية كورونا وتبنت مفاهيم "الأمن القومي"، أعتقد أن الملف المعني هو ملف "سد النهضة"، وأن مصر يجب عليها الاستعداد جيدا لتصريحات أثيوبيا الأخيرة بأنها ستبدأ في حجز ماء النيل من طرف واحد هذا الصيف وتشغيل السد.

نقطة اللا عودة في ملف سد النهضة
نقطة اللا عودة في ملف "سد النهضة" هي الشروع في حجز الماء من طرف واحد، إذا لم تلتفت الإدارة المصرية لخطورة الأمر، وتستعد لردع المخطط الأثيوبي/ الأمريكي/ الصهيوني وضبطه، فإن ميزان القوى الاستراتيجي في المنطقة والأمن القومي لمصر سيكون قد تغير للأبد ببناء السد، ووضع صنبور مياه على منابع نهر النيل.

سياسة التأكيد على المبادرة: فرصة حضارية جديدة للتجسير
(الوطني بالعربي بالحضاري/ يناير ودولة ما بعد الاستقلال)
كورونا كلحظة ثورية عربية جديدة
يجب التأكيد على "الصورة الذهنية" الجديدة لمصر واستعادتها لمفاهيم "الأمن القومي"، والدفع بعدة وجوه جديدة في خطاب السياسة الخارجية لمصرية، قادرة على التأكيد على قوة مصر وصعودها في عالم ما بعد كورنا، وقدرتها على الضرب بيد من حديد فيما يخص أمنها القومي، والعربي أيضا خاصة إذا اعتبرنا جائحة كورونا فرصة مواتية لتجسير المسافات بين دعاة التغيير وورثة دولة ما بعد الاستقلال، إذا عتبرنا أن ما قبل 25 يناير كان في مجمله يقوم على سياسات ومفاهيم "الأمن السياسي" وخلق التناقضات وإدارتها، فإن لب المطالب المضمرة لـ ثورة يناير ومركزها كان ثورة على سياسات "الأمن السياسي" ومفاهيمه، والمطالبة باستعادة مفاهيم "الأمن القومي" وسياساته وتفعيل الموارد والفرز الطبيعي لأفضل عناصر ومواهب المجتمع المصري، من هنا يمكن اعتبار جائحة كورونا فرصة جديدة لتجسير المسافات وتجاوز التناقضات وبناء أمن قومي عربي، يجتمع على المشترك في "مستودع الهوية" العربي ويتوحد خلف مشروع تقديم نموذج حضاري جديد للعالم، حيث سيرتبط هنا الأمن القومي الداخلي بالعربي بطموح الثورات العربية المتمثل في "نمط حضاري" جديد.

خاتمة: آلية لاختبار الفرضية الاستشرافية
كيف يمكن اختبار طرحي هذا!؟ لأن الذي يقدم نموذجا معرفيا كـ"نمط للتدافع" في مجال الدراسات الاستشرافية والمستقبلية المتعلقة بالحاضنة المصرية..؛ عليه أن يطرح محكات للاختبار ولتأكيد النمط أو لنفيه أوتبدله، أعتقد أن محك التأكيد أو النفي لاعتباري أن "نمط التدافع" المقصود من وراء مقال "حاكم سيناء" هو "سد النهضة"، سيكون ترقب الدلائل والمؤشرات الواردة من الملف، وقدرة مصر على فهم واستيعاب "تحول النمط" في مواجهتها، ومن ثم حسمها الأمر في النهاية لصالحها وضبط الأطماع الأثيوبية في تعطيش مصر، بما هو ناعم أو بما هو خشن.
كذلك هناك ملحوظة مهمة، "تحول النمط" ومقاربة أمريكا في تعاملها مع مصر؛ إما سيدفع أمريكا وفقا لسياسة "حافة الهاوية" التي يتبعها ترامب للتصعيد مع مصر، أو إذا تفهمت مصر السياسة الأمريكية جيدا وحافظت على رباطة جأشها وردت بكل قوة محسوبة وضابطة على أي خطوة، وأصبحت لها خطوة المبادرة، فإن ترامب وفي سبيل التأكيد على الهيمنة والوجود قد يضبط هو بنفسه السلوك الأثيوبي، تأكيدا على الدور الأمركي والوجود في الصورة في عالم ما بعد كورونا.
في الإجمال قدرة مصر على المبادرة وتحديد "قواعد الاشتباك" السياسي والعسكري وضبطها بقوة وحسم، سيكون أبلغ رد على الدفع بورقة جس النبض في الموضوع.