موقفنا بعد الأزمة العالمية وفي أثنائها بين التعاون والاصطراع

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2020 / 4 / 15

عالمٌ جديدٌ ينبلج فجره بفروض قسرية يصنعها وباء وكوارثه فأما استسلام لفناء لا حضارتنا ومنجزها حسب بل مجمل وجودنا البشري أو التصدي الأممي المشترك بوحدة الجهد الإنساني الأنجع.

إن التهديد الفيروسي يهاجم البشرية جمعاء من دون استثناء لشعب أو دولة… وهذا يتطلب مواجهة موحدة. مع يقين بأن العمل انطلاقا من عزلة كل بلد بمنطق التباعد الاجتماعي يؤكد وحدة الجهد وضرورته في المجابهة ويؤكد ضرورة التعاون وفتح الجسور بخاصة بين المختبرات ومراكز البحث العلمي المعنية. إن هذه المقالة معنية بولادة عالم جديد.. فأي عالم هذا وماذا يستلزم؟؟؟

في إطار طابع التهديد الذي شكَّلَهُ وباءُ كورونا، طُرِح في ميدان مجابهة الوباء ومحاولة معالجته، أمران رئيسان: الأول تركَّز على نهج الحكومات ومرجعية الديموقراطية التي تتبناها وهوية مناهجها بين الاتجاه الليبرالي والاتجاه الاشتراكي أما الآخر فاختصَّ وتركز على خطاب الوطني الشعبوي والأممي التضامني.. وهذا ما ظهر في الفكر السياسي ومنهج كل طرف في التعامل مع الحدث العالمي الاستثنائي بما لا يقبله علم ومنطق عقل ينبع من واقع يسوقنا الظرف إليه بقوة وإلزام يتحكم بنا بما لا فكاك منه..

لقد تحوَّل الوباء إلى جائحة بمعنى الكارثة الأليمة بسبب تخلف عالم الجنوب وانشغال عالم الشمال ودول التطور التكنولوجي بأنماط التسلح والتدريب العسكري، لكن الأهم اليوم يكمن راهنياً في المعالجة والتصدي للوباء الذي اندرجت قضيته بين: بحثٍ عن لقاح و-أو علاج تلكأ وتأخر كثيراً نسبياً عن ملاحقة تداعيات الانتشار الوبائي حتى أطاح بمئات الآلاف من البشر وربما سريعا سيكون الرقم مليونياً إذ لا علاج ولا لقاح قبل مداهما الزمني المعروف علمياً حتى الآن.. وبين: نظام العزل أو الحجر الصحي هروباً من آثاره وتخلصاً منها بوسائل تحاصر المرض بنهج لا تملك البشرية غيره حتى يومنا؛ لكن ما يبدو بجلاء بشأن المسارين هي أنهما سيتحتم عليهما اللقاء وتوظيفهما معاً، للخروج من الأزمة بأقل الخسائر البشرية من دون استعراض عضلات لأي من أنصار طرفيهما…

ونحن نود بهذي القراءة الموجزة أنْ نشيرَ إلى أن العامل الأول أكّد أنّ انشغال أغلب دول الشمال والتطور التكنولوجي بالتسلح والحروب التقليدية قد جرّ العالم سلبياً نحو أوضاع أفضت إلى خسارة فرص المجابهة العاجلة للفيروس. فلقد برهنت المختبرات والمصانع الدوائية عجزها عن التعامل المناسب فضلا عن عجز البنى التحتية للمشافي عن التصدي للضغط المهول والمفاجئ الحاصل دع عنك درجة نجاعة أنظمة التأمين الصحي بهذي البلدان وحجم تغطيتها الفعلية لنسب من السكان، على الرغم من الفارق المميز بينها وبين دول الجنوب بالخصوص.

أما في العامل الآخر، فلقد شهدنا كيف انشغلت، مطلع التهديد العالمي الشامل، قياداتُ بعضِ تلك البلدان بصراعها مع ما أسمته النظام (الشيوعي) بالإشارة إلى الصين وروسيا وإلى حد ما أو ضمنا شملت الإشارة كوبا؛ كما حاولت تلك القوى [بحرب باردة مبطنة] التظاهر بأنها عارضت وتعارض إلزام شعوبها بنظام الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي على أساس أنه مفردة من ممارسة (الديموقراطية!)، وسنرى بهذه المحنة، مستوى فهم الاتجاه أو بالحقيقة عدم فهمه.. ثم نرى كيف التجأت أخيراً تلك القيادات ولو بعد تلكؤ وتأخر إلى نظام العزل الاجتماعي؛ متغاضية عما سوّقت له قبل برهة زمنية، مُلقية اللوم على عدم إعلامها بحجم الخطر والتهديد على الآخر الذي أسمته (الاستبدادي).

إن هذه الكارثة تؤكد أن المجتمع الإنساني لا يمكن أن يقر أي انشغال أو أولوية غير أولوية إنقاذ حياة الإنسان. وإلا فإننا سنقع بنهج تسييس الأزمة الصحية التي تهدد حيوات البشرية جمعاء.. بمعنى العزف على أوتار الصراع السياسي التي تختلق البعبع المعادي لإدامة دوران مصانع الإنتاج الحربي العسكرية، بكل أشكالها، مع أن الخطى تدعونا لقراءة التراجع في النمو وتوقف كثير من خطوات عجلة الإنتاج.. والأوضاع كما نشهد بالخبرة والمنطق العقلي لا تسمح بتلك المشاغلة ولا بالتفات لا إلى قادة الحرب ومناهجهم العدوانية ولا إلى قادة الاستثمار في قتل الشعوب وإرسالها إلى محارق تلك الحروب المفتعلة: العسكرية منها والاقتصادية…

وإذا كان الواقع قد فرض شيئاً من التروي والمراجعة والتوقف عند مستجدات التهديد وفروضه فإنّ ذلك لا يشكل سوى أول الطريق باتجاه الحل الكلي والحاسم ومنه التطعيم والعلاج اللذان من المؤكد أن البشرية ستتوصل إليهما في الوقت المناسب وغير البعيد وربما بعض المؤشرات بل المنجزات موجودة سوى أنها بطريق التأكد والآتي هو الإعلان عنها وتمكين البشرية من تداولها..

لكننا هنا نبقى بحاجة للتأكيد من طرفنا على مطلب أممي بـ(ضرورة العمل المشترك بين المختبرات والمصانع الدوائية) الآن وبلا تأخيربدل إطلاق التصريحات والتصريحات المضادة في مناورة تعبث بالإنسان ومصالحه ولا تقدم له أكثر من الكلام الفارغ الذي لا ينفعه بشيء أكثر م تعريضه لمزيد خسائر من فظاعات إصابة الوباء له..

لقد أكد الوباء ضرورة العمل بمبدا التباعد الاجتماعي وإعلاء شأن الانشغال المباشر من طرف كل امرئ وكل عائلة وكل مجموعة وبالمستويات الوطنية والإقليمية ربما بصورة تؤكد على فردية العزلة والعمل بالحجر الفردي وعزلته ومن ثمّ عندما نقول بالمستويات الوطنية والإقليمية فإننا نؤكد على إغلاق الحدود بما يقف بوجه تناقل الوباء وحجب أي جسر له في عملية العدوى إلا أنَّ ذلك لم يعنِ قطعاً سد جسور التعاوت و-أو وقفها كما يزعم الشعبويون..

وبناء على هذا فإننا بين شعبوية لا نرى منها إلا ما يثير الفرقة والاحتراب وهي قوى تفرض منطق التمزق وتفتيت الجهود وشرذمتها بحين تتآزر هي فيما بينها لتطيح بأي شكل لتعاون الشعوب بخلاف ذلك نجد تعاضد حركة أممية تصر على الدعوة للتعايش السلمي الذي يوفر فعليا عملياً فرص تعاون المختبرات من بين كل المنجز الإنساني الحضاري كيما تصنع مخرجات العلاج والوقاية ودحر التهديدات التي تجابهها البشرية اليوم..

إننا إذن أمام ما أصبح الشعبويون سعداء به من استجابات و-أو تفاعلات بعض الدول ضد فيروس كورونا المستجد بصورة منفردة تقوم على التنافس السلبي واعتزال العلاقة مع جهود الآخر؛ فأكَّد ذلك النهج الاتجاهات الوطنية الصارمة بتهورها واندفاعها بخلاف مسار عالمنا اليوم بنهج مترابط أكثر من أي وقت مضى…

ونحن نرصد هنا محاولة هذه القوى الشعبوية مزيد بناء الحواجز والجدران لفصل البلدان والشعوب وجميع عناصر تلك الجدران لوضع الجميع في صراع تناقضي مدمر. ولهذا السبب، يجب أنْ تصرَّ شعوبُنا وقواها الحية اليوم على تضامنها، وعلى وحدة جهودها، ودعمها المتبادل لاستراتيجيةٍ يمكنها وحدها التصدي ومواجهة فيروس كورونا ومثله جميع المعضلات الأخرى.

إن التهديد الفيروسي يهاجم البشرية جمعاء دون استثناء لشعب أو دولة… وهذا يتطلب مواجهة موحدة. مع يقين بأن العمل الانفرادي وعزلة كل بلد قد أدى إلى حالات انفراد وعمل أحادي أخَّر القدرة على الرد والمواجهة المنتظرة بوجه عاجل.



لذا، ومن أجل إنقاذ فعلي حاسم للبشرية وتقليل الضحايا في هذه المعركة الوحشية، دعونا نبدأ بفتح جسور التفاهم بين بعضنا البعض وتفعيل التعاون الخاص بالتحديد بشأن أولوية التصدي لكورونا اليوم وربما بل بالتأكيد لمواجهة الأمور الأخرى في الغد القريب في طريق اجتراح أفضل حل لما يعترض طريق البشرية للسلام والتفاهم بمسيرة البناء والتنمية والتقدم…

بالمختصر إن عالماً جديداً مختلفاً نوعياً عما كان قبل كورونا قد بدأ يولد في رحم حاضرنا وأي تلكؤ عن صنعه بما يخدم البشرية سيعني أننا نساهم مع الوباء بكوارث مضافة هذه المرة لن تكون إلا الفناء المطلق لوجودنا وطبعا للحضارة ولكل المنجز البشري!

وعليه بات واجباً أن تكون المساهمة الجدية الفاعلة هي مهمتنا ومنظومة القيم تكمن في تعزز العولمة بأنسنتها ومحو ما تلبد على وجهها من ثغرات بنيوية من انشغال بالحروب التقليدية والتسلح ومن استيلاد قوى الإرهاب الفكري والتصفوية الدموي وكلاهما مساران انتهى زمنهما..

إن مساهمة كل شعب تكمن في الانتهاء من عهد دجل من يقف وراء ادعاءات التدين الزائف الذي لا علاقة له بدين من أي اعتقاد كان.. إننا بحاجة اليوم للتحرر والانعتاق من ذاك الرياء ونفاقه ومخرجات أفعاله إجرامية النهج والنتيجة..

إننا نشهد بأمّ العين ألا فرق بين كبير وصغير إذ تساهم كوبا التي ركزت الجهد في الطب والبحوث العلمية الطبية فساطاعت اليوم استثمار ذلك في الوقوف مع شعب دولة اقتصادية كبيرة كإيطاليا ولا فرق بين شرقي وغربي لا من حلف التسلح والحرب (الأطلسي) ولا من خارجه كما بوجود روسي صيني في إيطاليا وبلدان أطلسية أخرى أو العكس مما نراه في العلاقات الجارية..

وشرق أوسطياً نشهد أن الفيروس لا يقف عند الحدود الإسرائيلية الفلسطينية ليبحث عن رخصة دخول أو تأشيرة عمل لكن الفيروس أطاح على طرفي الحدود بأناس بلا إجازة أو تأشيرة وفي مثل هذه الكوارث الإنسانية ليس لصراع أو دوافعه واسبابه أن تعلو على التنسيق لتأمين حيوات الناس أولا وآخرا..

إن ذلك الحدث المهول بفظاعاته يتطلب اليوم، موضوعيا وعقلياً أن نأخذ الدروس والعبر من خبراتنا النابعة من تاريخ صراعات المنطقة بحروبها القديمة والوسيطة والحديثة.. وبخلافه سنوقع أنفسنا بحلقات الشعبوية كثيرة الصراخ المنقطعة عن كل نفع وأي فائدة للإنسان من كل جنس وقوم…

علينا اليوم، أن نوجد وسائل التنسيق المباشر منه وغير المباشر سواء باجتماعات توظف النت في إدارة الأزمة وكوارثها أم باتصالات مباشرة من اي شكل يتناسب وإمكان بحث سبل المواجهة الإنسانية بامتناع قطعي ونهائي عن أي تسييس قد يصب بخدمة استغلال أو ابتزاز أو تجيير تحديداً منها ما قد يقع بخدمة معادية للإنسان..

إنَّ عالمنا الجديد، ليس نهلستياً كوزموبوليتياً بل هو بخلاف العدمية يمتلك هوية الأنسنة وحماية الإنسان وطابع الروح الوطني واحترام التنوع والتعددية ومنع أي منطق عدواني..

هذا يعني قطعاً أن طابع الصراعات المختلفة لن تكون كما كانت ومن ثمّ فإنها إذ تتمسك بالمنطلقات فإنها في الوقت ذاته تتمسك أكثر بمنهجية جديدة للحل وللخيارات البديلة نوعيا عما كان يُطرح من بدائل أو خيارات من قبل..

وإذ نؤجل البحث في تفاصيل العالم الجديد فإننا نجد أنفسنا بمجابهة مباشرة ومطالب ملحة فورية عاجلة لإطلاق أشكال التعاون الأممي التي نجد بوادرها بتكليف الجيوش إلى أعمال إنسانية سلمية لتشارك الجيش الإنساني الأبيض مهامه المعقدة الحرجة.. وبتحول كثير من صناعات الإنتاج الحربي إلى صناعات دوائية وخدمية في ميدان الخدمة الطبية العاجلة ومتطلبات إسعاف الإنسان.. مع فتح جسور التنسيق العلمي في حقول المختبرات وتقصي الحقائق بدقة يقينية تقوم على البحث العلمي حصراً ليس في كشف الفيروس الوبائي وجائحته ولكن في تبادل معلومة بشأن حغرافيا الإصابة والانتشار الوبائي وفرص محاصرته ووسائلها حتى في مناطق الصراع مهما كان طابع الصراع وأبعاده فالأولوية لقضية الرصد اليقيني الذي بخلافه ستتعقد إمكانات التصدي والمعالجة..

فهل سنعي الدرس ونتقدم بشجاعة نحو هذا الموقف واتخاذ القرار الأنجع بشأنه؟

إنَّ إجابتنا الحازمة الحاسمة على تساؤلنا هذا: هي (نعم)… والأيام القليلة القادمة كفيلة بالإعلان عن انتصار إنساني بهذا الاتجاه سواء عالمياً أممياً أم شرق أوسطياً وأذكِّرُ هنا بأن الشرق الأوسط يجابه ظرفاً أكثر تعقيداً وقتامة في الأفق القريب إذا ما أهملنا الأمر فسيكون وبالاً على شعوبنا..

لعل أول قرار شجاع اليوم، يتمثل في حل المجموعات المسلحة من كل شكل ونوع وتمكين الجيوش الوطنية من العمل السلمي بالتنسيق وفتح الجسور التضامنية لمجابهة المشكلات المعضلة ولربما ارتقينا في مرحلة تالية لمستوى الحوار السياسي الشامل إنما يقينا إعلان وقف الفعاليات العسكرية المسلحة كليا اليوم هو أول طريقنا…

فإلى عالم جديد لنمضي وبخلافه فإن بعض تهديدات الطبيعة أعلنت حرب إفناء االجنس البشري ما لا يمكن أن نقرَّه ونستسلم له والأمر هنا يفترض شجاعة وجرأة وحكمة عقل في التفكر والتدبر بعيدا عن تكلسات تتجمد على ماضويات وثوابتها المرضية بمجابهة الظرف المستجد.. إننا لا نلغي دفاعنا عن هويتنا الإنسانية والوطنية ولا عن حريات الشعوب وتلبية تطلعاتها ولكننا نلجها من بوابة العالم الجديد إن لم يأتِ خياراً فسيأتي قسراً أو نفنى جميعا ولا أحد ذي عقل يختار الفناء للبشرية