خونة الشيوعية (2)

فؤاد النمري
2020 / 4 / 14

خونة الشيوعية (2)

أعود لأكتب عن خونة الشيوعية مرة أخرى لأشير إلى أن هؤلاء الخونة ما زالوا يصرون رغم كل الحقائق على الأرض أن الولايات المتحدة دولة إمبريالية منذ أن أورثها قائد التحرير ابراهام لنكولن الذي استبشر به ماركس خيرا وكتب إليه يهنئه لانتخابه رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية في العام 1865 باسم الأممية الأولى كما أشاد به لينين بخطابه إلى العمال في أميركا، أورثها لويدرو ويلسون في العام 1918 وهو من أعلن في خطاب تنصيبه في الكونجرس مبادئه الأربعة عشر الموصوفة بمبادئ الحرية .
ولما كانت "الإمبريالية" الأميركية دون غيرها هي الأساس الذي عليه يمارس خونة الشيوعية خيانتهم فسرعان ما تنادوا لرمينا بالإنحراف وبالخيانة وما ذلك بالطبع إلا لأن الغياب التام للإمبريالية الأميركية تحديدا سيؤكد ليس إفلاسهم الفكري فقط بل سيؤكد أيضاً خيانتهم لقضية الشيوعية . ليس غباءً أو قصوراً فكرياً هو ما يدفع هؤلاء "الشيوعيين" إلى خيانة قضيتهم الشيوعية بمقدار ما هو حرصهم على شخصيتهم كيلا تدان بالإفلاس أو بالخيانة .

ماركس ولينين انتصروا لابراهام لنكولن يحرر العبيد من الجنوب الإقطاعي ليلتحقوا بروليتاريا بمصانع الشمال . و"الشيوعيون" الخونة اليوم يعتقدون بل يؤمنون إيماناً لا يتزعزع أن النظام الرأسمالي الذي شرع بتأسيسه ابراهام لنكولن في العام 1870 قد تطور بسرعة فائقة خلال أربعين عاما فقط رغم مزاحمة دول امبريالية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغير كبرى مثل اسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا ودخل أعلى مراحل الرأسمالية وهي الامبريالية في العام 1914!!

نعود لنؤكد أن الغباء أو القصور الفكري ليس هو ما يدفع بهؤلاء "الشيوعيين" لخيانة قضيتهم وإلا لتوقفوا طويلاً عند أزمة 29 وأخذ العبرة منها والتي ما تزال المثال الأمثل لأزمة النظام الرأسمالي، ولجابهوا أيضاً كون الولايات المتحدة اليوم هي أكبر مستورد في العالم للبضائع ورؤوس الأموال .

نحن لن نتوقف عند مبادئ الرئيس ويلسون والتي ما كان ويلسون لينادي بمبادئ الحرية والتجارة في البحار المفتوحة لو كانت الرأسمالية في أميركا كانت قد دخلت مرحلة الإمبريالية .
النظام الرأسمالي الذي شرع بناءه ابراهام لنكولن في العام 1870 وصل دون شك مرحلة متقدمة بعد خمسين عاماً في عشرينات القرن الماضي لكنه لم يرتقِ قط لمرحلة الإمبريالية والدلالة القطعية على ذلك هي أزمة 29 . لم يعانِ النظام الرأسمالي العالمي أزمة أخرى بعمق تلك الأزمة . راكم الرأسماليون الأمريكان فائض القيمة متمثلاً بفائض الإنتاج لخمسين عاماً حتى طفحت به السوق المحلية الأميركية وما كان لأميركا أن تتخلص من ذلك الفائض حيث لم تمتلك أميركا آنذاك أسواقاً خارجية تصدر إليها فوائض البضاعة ؛ فأميركا لم تكن قد عبرت إلى الإمبريالية . لذلك ساد الكساد وتوقفت المصانع عن الإنتاج وتعطل ملايين العمال عن العمل . لقد انهار النظام الرأسمالي في أرضة كما كان كارل ماركس قد رسم قبل سبعين عاما . أن تختنق المصانع بفيض إنتاجها دلالة قاطعة على أن الرأسمالية الأمريكية لم تكن قد ارتقت لمرحلة الإمبريالية الأمر الذي لا يسمح على الإطلاق للمتسقطين أن يتسقطوا عبارة من هنا ومن هناك ليدللوا على أن أميركا كانت قد عبرت إلى الإمبريالية في عشرينيات القرن الماضي . لم يصف لينين أميركا بالإمبريالية إلا عندما تناصر اميركا السياسة الامبريالية الأنجلو فرنسية دون أن يعني ذلك أن الرأسمالية الأميركية كانت قد عبرت إلى مرحلة الإمبريالية .

هل كان الشعب الأميركي ليعاني من الجوع المزري ويصطف في طوابير الشوربة الفقيرة حتى العام 37 لو كانت أميركا حتى رأسمالية فقط قبل أن تكون إمبريالية . كان لنكولن قد شرع ببناء النظام الرأسمالي في العام 1870 ومات ذلك النظام في العام 29 ثم بعد ستين عاماً جاء روزفيلت ليحيي النظام الرأسمالي الميت لكن ليس عن طريق الإنتاج الرأسمالي بل عن طريق المباشرة الجديدة (New Deal) المتمثلة بالإنفاق الكثيف على البنى التحتية مثل فتح الطرق وبناء الجسور ومد السكك الحديدية . البنى التحتية ليست من الصناعات الرأسمالية حبث أنها لا تدخل السوق وليست ذات قيمة تبادلية لكنها تستدعي بناء السوق وازدهاره .

الولايات المتحدة كما الاتحاد السوفياتي لم يشاركا في حرب عالمية كبرى تفجرت في الأول من سبتمبر 39 بين الدول الامبريالية من أجل إعادة تقسيم الأسواق لولا العدوان الهتلري الغاشم على الاتحاد السوفياتي في يونيو 41 ، والعدوان الياباني الآثم على بيرل هاربر (Pearl Harbor) في ديسمبر 41 . إستأذن الرئيس روزفلت الكونجرس لإعلان الحرب على دول المحور مؤكداً كراهيته للحرب وما كان ليشارك فيها لولا العدوان الياباني الآثم وغير المبرر . ما يلزم تأكيده في هذا المقام هو أن أميركا وكانت بالكاد قد أبلّت من انهيار نظامها الرأسمالي لم تكن في وارد البحث عن أسواق لمنتجاتها التي لم تكن قد فاضت في أسواقها الواسعة .
في الحرب وما بعدها تهوّل العالم كل العالم بالجبروت السوفياتي غير المحدود وهو ما جعل السوفيات بعد أن خسروا 9 ملايين جنديا و 106400 طائرة و 83500 دبابة يحتلون برلين بجيوش تعد 6.5 مليون جندياً ويرفعون راية المنجل والشاكوش فوق الرايخ الهتلري، وهو ما جعل تشيرتشل عجوز الإمبريالية يخاطب ستالين ويقول .. "أنتم العمالقة ونحن لسنا مثلكم"، وجعل روزفلت يكتب في مفكرته قبل أن يموت بأن ستالين سيستولي على العالم ويجعل منه عالما يسوده السلام والديموقراطية . ذلك الجبروت الهائل أفقد ترومان وعصابته من أغنياء الحرب الرشد فاستنوا سياسة أميركية جديدة معاكسة لسياسات روزفلت سياسة تقضي بتكريس كل مقدرات أميركا لمقاومة الشيوعية . تجلت تلك السياسات الهمجية المتوحشة بمشروع مارشال 47 وتأسيس دائرة الإستخبارات الأميركية (CIA|) 47 وحلف الأطلسي 49 وتوّج تلك السياسات الهوس المكارثي الذي لا يذكره الأميركي إلا يالسوء . بدءاً برئاسة ترومان 1945 وانتهاء برئاسة نكسون وانهيار النظام الرأسمالي في السبعينيات والإدارات الأميركية المتعاقبة تنفق كل عوائد النظام الرأسمالي في اميركا على مقاومة الشيوعية . لخمس وعشرين سنة متوالية دون انقطاع 1950 – 1975 والجيوش الأميركية في حرب كبرى شاملة على الشيوعية ولا يجوز الإفتراض أنها كلفت أميركا أقل من 15 ترليون دولارا وهو المبلغ الذي يتجاوز قدرة النظام الرأسمالي في أميركا على توفيره، خليك عن النفقات الحربية الأخرى في حلف شمال الأطلسي والقواعد العسكرية الأخرى حول العالم . مثل هذا الإنفاق الحربي لا يمكن أن يتحمله أي نظام رأسمالي ويتعذر والحالة هذه الإفتراض أن الدولة الأميركية كانت تحارب بحثاً عن أسواق لمنتجاتها كدولة امبريالية . وما يجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن بعض قادة الدول الفقيرة الخبثاء عرفوا كيف يستجرون المساعدات المالية من الإدارات الأميركية الحمقاء وهو أن يعتقل عدد من الشيوعيين المعروفين وزجهم في السجن وإحلان العداء للشيوعية فسرعان ما تغدق الإدارة الأميركية ملايين الدولارات .

وهكذا وجد الرئيس نكسون في العام 70 خزائن المال فارغة تماما وأن نظام الإنتاج في قصور ذاتي لا يستطيع أن يزود الدولة بأية فوائض مالية فكان أن اضطر نكسون إلى انسحابه من معاهدة بريتون وودز (Brettonwoods) وانكشاف الدولار طالما أن نظام الإنتاج في أميركا لم يعد ينتج فائض القيمة الأمر الذي يعني بالضرورة أنه لم يعد نظاماً رأسمالياً .
عندما تحققت الإدارات الأميركية المتعاقبة من أن السياسة الحمقاء التي أسس لها عدو الشعب الأميركي هاري ترومان والتي قضت بتكريس كل مقدرات الشعب الأميركي لمقاومة الشيوعية وانتهت تلك السياسة بهزيمة نكراء في فيتنام إذاك فقط قررت عصابة ترومان – مكارثي أن تلعب دور شمشون الجبار وتهيل الهيكل على رأس البشرية جمعاء . نقلت نظام الإنتاج الرأسمالي إلى شرق آسيا حيث كانت رياح الشيوعية تعصف بقوة وباتت أميركا على سعتها سوقاً مفتوحة للصناعات الشرق أسيوية
ذلك ما انتهى إلى خبل الشيوعيين المفلسين أيتام خروشتشوف ليدعوا أن أميركا كانت وما زالت امبريالية .