الأخبار الملفقة تغزو العقول .

يوسف حمك
2020 / 4 / 13

بين كل لحظةٍ و أخرى نسمع خبراً - دون توثيقٍ - يتم الترويج له حتى تغدو إشاعةً جامحةً يصعب كبحها ، تكترب النفوس و تحرق الأفئدة و تجلب الأسى .
يطلقون العنان لألسنتهم بتأليف الكلمات الملفقة و القصص الكاذبة -دون رادع ضميرٍ - تفسد المحبة و تدنس الصداقة و تؤجج الكراهية .
عقولٌ باتت منبتاً لزراعة الإشاعات و تلفيق الأخبار المضللة . في ظل غياب الحقائق - دون بذل الجهد للتحري عن جادة الصواب .
و ما أغزرها على مواقع التواصل الاجتماعي . معظمها من القلوب المليئة بالضغينة ، و النفوس الكظيمة المسكونة بالمآرب الدنيئة ، أو من الجهات الأمنية المسيسة لنسج خيوط التآمر و ترويج الشائعات و خلق الفتن و اتساع الهوة بين الجماعات و الفئات المعارضة و فك اللحمة بين أفراد المجتمع .

مروءةٌ عجفاءٌ ، و ذمةٌ ضامرةٌ ، و ضميرٌ هشٌ لمؤلفي الأخبار الملفقة بهدف جر الناس نحو الأوهام و تصديق أنبائهم الكاذبة . مع ان الكثير من الناقلين لا يقصدون الكذب و خداع الناس ، ولا البهتان في رمي الكلمة ، أو نشر الأخبار المزيفة .
و سرعان ما تتلقفها الألسن ، و تتناولها الأفواه إلى درجة التصديق و الإشاعة في كل مفاصل المجتمع .

التسرع في تصديق الخبر بغير أدلةٍ ، و العجلة في نشرها دون إثباتٍ ، و إطلاق الحكم بلا قرائن ، يرميك في درك الندم و قعر الألم و غور الحسرة و الشعور بتصغير الذات و إذلال النفس .
و ناهيك عن أن تصبح عرضةً للسخرية .

إن لم يكن الخبر مرفقاً بالقرائن الدالة على صدقه ، استوجب التجاهل و الغفلة عنه ، و تكذيبه إلى حين التوثيق بالأدلة الدامغة و البراهين الجازمة .
من غير اللائق أن تكون لساناً لكل ناعقٍ مغرضٍ خلف الحواجز ، و أذناً لكل ناعبٍ متآمرٍ وراء السواتر ، تسرد أقالوال الزور بلسانٍ جهولٍ .
و من العار أن تكون مساهماً في إشاعة النبأ و الانقياد لطياته و الاستسلام له ، و كأنه من المسلمات البديهية .
بل يجب الانتظار لبيان الأدلة و إتضاح القرائن و إنجلاء البيانات و الإقرار بالشواهد .

و لقتل الشائعات في مهدها علينا نقل الخبر إلى العقل لتدبير أمره ، و بتمرير الحديث إلى الفكر ، و إحالة النبأ إلى مقياس المنطق للاهتداء إلى اليقين بالاستنباط ، و لمعرفة الصدق من الكذب . بدلاً من الهرولة خلف القطيع ، أو العزف على أوتار آلة المغرضين .

و هنا يستذكرني الموقف قولاً للمتنبي شاعر الحكمة و فلسفة الحياة في هذا السياق حينما أوضح في أحد أبياته :
هم نسبوا عني الذي لم أفُه به و ما آفة الأخبار إلا رواتها .

فالمروجون - بلسانٍ عجولٍ نزقٍ - هم سبب البلاء و علة الملمات .
و تفادياً لبلوغ عاقبة الهفوة ، و الوقوع في حصيلة الكبوة ، وَجَبَ محاصرة الشائعة بالادراك و البصيرة ، و تسييج الظاهرة بالكياسة و النباهة ، و تطويق الخبر بالنبوغ و الأناة .
لأن ذلك خير منهجٍ للاستبيان ، و أفضل مسلكٍ للتوضيح ، و أجدر سبيلٍ لاستكشاف الصدق و استجلاء اليقين .