كيف تواطأ اليسار والإخوان مع الجيش في عسكرة وتخريب اقتصاد مصر؟

أمين المهدي سليم
2020 / 4 / 13

من البديهي القول أن التناقض بين الفكر اليساري وبين الدين السياسي هو تناقض بنيوي واقعيا ومعرفيا وأيديولوجيا، ربما تتفق رؤاهما أحيانا في مواقف سياسية تكتيكية تفرضها تعقيدات الواقع، ولكن مالايمكن تصوره أن تتفق رؤاهما ولأمد طويل في السياسات الاقتصادية وخاصة الاقتصاد الاجتماعي والسياسي، ولكن حدث هذا في مصر، وكم في مصر...
تصريحات من يدعي النظام وأتباعه أنهم رجال أعمال مثل حسين صبور ورؤوف غبور ونجيب ساويرس، وترديدهم لمقولة ترامب عن الاختيار بين الصحة وبين الاقتصاد، تبين بعدها ببساطة أنها مجرد مقدمة وتجهيز كالعادة لسياسات النظام العسكري، ولكنها فتحت باب التكرار الممل لتشوهات اليسار والناصريين عن كليشيهات الرأسمالية والاستغلال والتوحش وما إلى ذلك من تنويعات اللغة الخشبية الجوفاء والعاجزة عن الخروج من تمثلات دولة الاقطاع العسكري المركزية، كيف يمكن أن تكون هناك رأسمالية في ظل اقطاع عسكري مركزي؟.
وإذا كان هذا حال اليسار؛ فموقف الإخوان ومدمني الفتن الطائفية أكثر فسادا وتواطؤا ومشاركة، تماما كما هم أحد أذرع العسكر السياسية والاجتماعية هم أذرعهم في تسويق منتجات الأسواق السوداء العسكرية واقتصادهم القذر. ظلت منافذ الإخوان لمدة 14 سنة قبل وبعد ثورة يناير تبيع هذه المنتجات وتستخدمها في تلويث الانتخابات لصالح أهداف العسكر قبل وبعد ثورة يناير إلى أن جاء موعد مرحلة التحجيم كالعادة بعد كل استخدام لهم من العسكر في 30 يونيو 2013.
كان اليسار الداجن اليولياوي الوثيق الصلة بالأجهزة من أهم الأقنعة التى تسترت ورائها عصابات العسكر لتوسيع اقتصادهم القذر وابتلاع أسواقهم السوداء لأغلب أنشطة الأقتصاد والتجارة المدنية، بل وكل أنواع الملكية، والمجهود الاجتماعي للمصريين، وفي الوقت الذى صرخوا فيه ضد الخصصخصة (وكأنه كانت هناك خصخصة حقا وليس تنافسا بين الأسواق السوداء العسكرية والمخابراتية) وضد القطاع الخاص "الجشع" لم يذكر أيا منهم في كتبهم ودراساتهم المتعددة أى نقد للاقتصاد العسكري الذى ابتلع كل موارد مصر ومرافقها وأرضها وجزرها وسواحلها، بل إن بعضهم كتب مرارا يهون من شأن الاقتصاد العسكري مثل د.محمد السيد النجار، ولم يجدوا تفسيرا لإنهيار الاقتصاد سوى تكأة الفساد وغياب التخطيط، كما ذهب د.عبد الخالق فاروق في كتابه "هل مصر بلد فقير حقا"، ودون أن يشير بعبارة واحدة إلى سيطرة شبكة مافيا لواءات الجيش على كل أنشطة الإدارة بكافة أشكالها في مصر كهيكل موازي وخادم لاقتصاد الجيش، وكأن النظام العسكري وجيشه ليس بؤرة كل الفساد والقمع والخيانة. ومن الطبيعي والمنطقي أن ينحدر الحوار حاليا حول من يزعم أنهم رجال أعمال في مستنقع مصر العسكري، وفي ظل كارثة الوباء إلى ملاسنات طائفية منحطة.
لم تكن دوافع عبد الناصر بعد إنقلاب يوليو العسكري المشبوه إلى التمصير والحراسات ومصادرة ممتلكات العائلة المالكة والمتمصرين واليهود والرأسماليين والتأميم و"تصفية الاقطاع" و"حماية الثورة" ومصادرة "ممتلكات الثورة المضادة"، لم يكن كل ذلك إلا بوابة لعسكرة الاقتصاد وتخريب المجال المدني اقتصاديا كما سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وتوج كل هذا بتشكيل الهيئة الاقتصادية في 1961 تحت رئاسة المشير عبد الحكيم عامر. وكانت الملكية العامة والقطاع العام بهذا التشوه والتخريب هو الذى وفر تكلفة القمع على نطاق واسع (يمكن القول أن أحد أسباب نجاح الثورة التونسية غياب الملكية العامة والقطاع العام اللذان يوفران تكلفة القمع). كان اليسار يصف سلوك عبد الناصر التخريبي بالعدالة الاجتماعية، وازالة الفروق بين الطبقات، بينما هو على نحو واضح لالبس فيه يدمر المجتمع المدني ويرسخ حكم الفرد والديكتاورية العسكرية، ولم يكن الإخوان أقل هزلية ونفاقا حتى أن أحد أبرز شيوخهم وهو محمد الغزالي لم يكتف بترديد الكليشيه المنافق الأجوف "الاشتراكية الإسلامية"، بل طالب باستلهام الاشتراكية الماوية وفرض زي موحد على النساء والرجال في مصر.
بحث بسيط عن مصادر ثروة رجال أعمال النظام العسكري مثل أحمد بهجت وأحمد عز وآل ساويرس وفريد خميس ومحمد أبو العنين وهشام طلعت مصطفى وابراهيم كامل أبو العيون وجبر والسلاب وغيرهم بالعشرات، يكتشف ببساطة أنه لايوجد تاريخ مبرر للثروة ولا منابع معروفة، وأنها ثروات مفاجئة ريعية ومخابراتية تغطت بفبركات إعلامية وتزييف. والأخطر أنه سيكتشف أنه خلال العشرة سنوات الأولى من حكم مبارك تمت تصفية كل من تبقى من عصر جاسوس الفالوجا عبد الناصر من آخر رجال أعمال حقيقيين أبا عن جد نادرين مثل أبو الفتوح وجورج حكيم وجنيدي والبليدي، كي يلحقوا بنفس مصير أحمد باشا عبود وأبو رجيلة والغندور ويعقوبيان وسباهي والشوربجي والشبراويشي والبستاني وشيكوريل وبنزايون والجزار ونادلر وفرغلي وناصيبيان وزوتس وجانا كليس وبهنا فيلم وغيرهم بالآلاف.
كانت أعين عصابات يوليو العسكرية الصهيونية منذ الليلة الأولى على الاقتصاد المدني وخاصة بند الملكية بكل أشكالها تخريبا وجشعا، وهكذا انتهى بنا الحال إلى اختزال الدولة والوطن والمجتمع وكل الأراضي والاصول الرأسمالية الوطنية في جيش خائن وجبان ومحشو بالجواسيس واللصوص، وحتى أن أحد جنرالات البلطجة واللصوصية والخيانة اسمه محمد نصر وهو المسؤول عن الشئون المالية العسكرية قال بوقاحة ونطاعة :"هذا الاقتصاد عرق الجيش وسنقاتل من أجله ولن نسمح للدولة أو أي أحد أن يضع يده عليه".
ومن المضحك أن يتخيل أحد في ظل هذه الأوضاع أن أحدا يتمتع بالحرية الاقتصادية حتى يصبح رجل أعمال، مثير للسخرية جدا أن ينظر إلى نجيب ساويرس باعتباره رأسمالي بينما يستثمر أمواله في الجزائر (منذ 25 سنة) وكوريا الشمالية وسوريا والباكستان، هذه دول الإرهاب والظلام، وهؤلاء واجهات مخابراتية للصرف على أنشطة مخابراتية هدامة وأعمال إرهاب دولية وتجارة سلاح خارج القوانين الدولية.
وأعتقد أنها تشوهات عقلية ونفسية شاذة تصيبني بالدوار عندما أقارن من هو مثل حسين صبور والمجرم هشام طلعت مصطفى وأضرابهم بالبارون امبان أو ب عثمان محرم وميشيل باخوم ونعوم شبيب وباولو روسي وأنطونيو لاشياك وسموحة وشركات الشمس وأطلس والعبد وسوارس وحسن علام وغيرهم عشرات أسسوا مدن مصر وضواحيها الجميلة في ظل العصر المدني.
ولم يكن خارجا على المألوف أن يقترح نطع في برلمان المخابرات سرقة المدنيين بقانون اجباري للتبرع لحساب صندوق المال الأسود المشبوه "تحيا مصر" التابع للجاسوس العسكري سيسي، وأن ينتهز هذا الفرصة لزيادة الأراضي الوطنية المخصصة للجيش وأن تضع الأسواق السوداء العسكرية القذرة ايديها على كل المخزون الطبي والعلاجي في مصر دون احتجاج واحد.
تعلم عصابات العسكر أن أي مجال من مجالات الحرية المدنية تتحول إلى ديناميكا تفتح على غيرها من حريات، بمعنى أن الحرية الاقتصادية في الديكتاتوريات العسكرية في جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية تطورت حتما إلى حريات سياسية، كما تحولت الحريات السياسية في شرق أوروبا إلى نشاط اقتصادي حر وسوق مفتوحة، وهكذا أيضا الحريات الاجتماعية لابد أن تكتسب ديناميكية تطورها إلى حريات اخرى، ولذا صادر العسكر كل الحريات لتدمير المجتمع المدني وإنهاء كل مقاومة.
الرأسمالية الحقيقية في العالم تتذبذب طول الوقت وطبقا لقوانين الجدل ومنسوب الوفرة وقوة المجتمع المدني ونوع الحكم بين اعتبار العمل علاقة اجتماعية يقوم فيها رأس المال أيضا بأدوار اجتماعية وبيئية ومدنية تحسن من شروط الحياة في العالم، لذلك لم يعد أثرى أثرياء الرأسمالية في تجلياتها الجديدة المؤسسة على الاقتصاد المعنوي يملكون أموالهم من أمثال بيل جيتس وستيف جوبز وروكزبرج، وبين أن تتحول الحياة الاجتماعية إلى وسيلة إنتاج ويتحول العمل إلى سلعة تحسب فقط في بند التكلفة. ناهيك عن الجدل البنيوي داخل الرأسمالية بين رأسمالية الطلب الكلاسيكية السائدة، وبين رأسمالية العرض المرتبكة التى تنهش المجتمع والعمال والفقراء التى جلبها اليمين الشرس لأمثال دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون.
وأعتقد أننا في وضعية الاقطاع العسكري المركزي لاعلاقة لنا بأي من تنويعات الرأسمالية أو تجلياتها، لأنه لايمكن أن توجد علاقات الإنتاج الرأسمالي، ولا أي نوع من توزيع العمل الاجتماعي في ظل اقطاع عسكري مركزي بربري وخائن ومتخلف.
#أرشيف_مواقع_أمين_المهدي