برج الأحلام

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 4 / 11

كل الأمكنة شبه فارغة. المكان خافت الضوء والزمان معتم. ليلة باردة من ليالي الشتاء القارصة الجميلة. طاولتي المربعة المغطاة بغطاء أخضر كانت بالقرب من فوهة المصعد، ملاصقة للجدار الأخضر المثـقـوب بعدة نوافـذ مستطيلة الشكل. نوافذ طويلة قليلة العرض مزدانة بأضواء شاهقة وأخرى منخفضة، ونحن الآن في الطابق السابع من برج الأحلام، وسط المدينة الصاخبة. يسمونها بكل فخر واعتـزاز بنيويورك الثانية..
تبدو كل الأمكنة شاغرة حتى أن صاحب المطعم الحانة تراه دوما شارد الذهن على كرسيه الطويل الذي تـتـقـدمه آلة حاسبة. دائم التحسر على أيام زمان وأناس زمان الذين كانوا يتـدفـقـون كالموج الهادر. يردد دوما هذه الكلمات: " يا حسرة على أيام التـقدمية "..
.. مما يعزز ذلك الإحساس بكونك في مدينة نيويورك هو تـناهي صوت سيارات الشرطة والإسعاف باستمرار، وفي بعض الأحيان صوت الطائرات المروحية. يمكنك أن تتخيلها مدينة حية جدا وصاخبة جدا جدا..يمكنك تخيل وجود عصابات مسلحة وتجارة مخدرات وجرائم أموال وسرقات بنوك ومعارك ضارية في البورصة ومراكز أبحاث وصناعة التكنولوجية والى غير ذلك من الأشياء العديدة التي يمكنك تخيلها في نيويورك المزيفة هذه..
بقدر مخالفتي للشروط الاقـتصادية في وضعي المعاشي بقدر إصراري على ارتياد مثل هذه الأمكنة التي أنزلق إليها كلما اعتصر جيبي بقدر من المال اللازم لذلك. لا أعرف حقيقة ما مكمن السحر فيها. هل هي رغبة بورجوازية أم هو الشوق إلى الإناث شبه العاريات المتحررات هنا أم هو نداء البيرة بمحاذاة السماء؟.. لا فائدة تُرجى في البحث عن سر الرغبة فعـقلي مزيج عجيب من فرويد وماركس وهيغل وكانط إلى أبي نواس والترمذي وشرحبيل ابن حسنة وخالد ابن الوليد بل حتى معاوية ابن أبي سفيان إلى المعري بغفرانه و دانتي بجحيمه و ارنست همنغواي بمصارعي ثيرانه، وغيرهم كثير من الأشباح التي تسبح في فضاءات عقلي ووجداني المُـبـهم المُـتـقـلب...
تبدو حياتي مضطربة مثل عقلي الحائر. تناقض صارخ بين واقعي وكينونتي. كأني أتدحرج بين الأسفل والأعلى. كأني أتمزق وأتـشرذم. أكاد أنمحي من جهة وفي الجهة المقابلة أرفض الإنمحاء والتـشضي كما تجدني أحيانا أرفض الملموس كله. قمت بالكثير من الأعمال الجسدية التي تـنـتهي بإنهاك الجسد وإهانة الروح. تجدني أبكي دون أن أبكي ولكن بسيجارة تـشتعل فقط. أعمال البناء والصباغة وتركيب الأسقف الجبسية وفي بعض الأحيان لعب دور الوسيط في عملية بيع سيارة أو منزل، ولكن الراسخ في كل ذلك هو لحظة التحرر من الكسل ثم التحرر من العمل والتحرر من فراغ الجيب كما هو التحرر من الكآبة فأشتري كتابا أطالعه أو أكتب قصة ربما تعرف طريقها إلى النشر وهكذا.. ينمحي الزمان باستمرار والأمكنة تكاد تـنمحي.. ربما لأجل ذلك كله تجدني أعشق برج الأحلام...
طاولته ذات الغطاء الأحمر في العمق ـ يقابلني ـ وطاولتهن تتوسطنا على الجانب الأيمن من القاعة. تـنـشرن عبيرهن الساحر ومحياهن المشرق وسيقانهن النحيفة شبه العارية توقد لهبا عذبا في المكان. يقابلني وجه تصبغه حمرة خفيفة. شخص أنيق تتدلى من معـصمه ساعة فاخرة وعلى طاولته علبة مارلبورو. يكاد لا ينظر إلى شيء وهو ينظر إلى كل شيء ولكنه دائم الإلتـفات إلى الخارج. ربما إن تسلل إلى عتبات ذاته ألهبته نار الجحيم. ربما هو هارب منها دوما.. ربما هي النار هنا، في الوجدان، في الأعماق ولكن إلى متى ستضل هاربا من ذاتك يا مسكين؟
انك ستكتـشف ذات لحظة خزي نفسك وإن كنت عاريا حتى من جسدك الذي ستـنهشه ديدان الأرض..
" لماذا لا تتبنى كاتبا يبحث دوما عن الصدق مع ذاته؟ يلهث وراء الصفاء الخالص، يبتغي رؤية النور الذي تغشى له الأبصار.. صنيعك هذا ربما يمهد سبيلك إلى المصالحة مع ذاتك. ربما ساعتها تلمح النقاء الذي في أعماقـك. كاتب بحاجة إلى مالك مثلما أنت محتاج إلى صدقه وأفكاره أو قلمه.."
كثيرة هي رنات هاتـفه. يتكلم بهدوء وثـقة. تبين من بعض كلماته المتـناهية إلى مسامعي أن سيارته مرسيدس حمراء اللون كما انه متـزوج وله شركة. كان في باريس الأسبوع الفارط وبعد أيام سيطير إلى برلين.. هذا ما أمكنني سماعه نظرا لما يفصل بيننا من طاولات عدة ولثرثرة الغادتين الفاتـنـتين الضاحكتين في أغلب الأحيان وللأصوات المتـناهية من الأسفل، من المدينة الزائـفة..
ماذا يمكنني أن أفعل بقـلمي؟ فتاتان غنيتان ورجل غني و أنا قلم فقير. هل أزف الزمان الذي يترادف فيه الثراء الثـقافي مع الثراء الاقـتصادي؟ هل أتى الوقت الذي يتصالح فيه العقل مع الواقع؟ أينـقـشع الزيف وتولد المدينة الحقيقية؟
هل يمكنني إقناعه تخليد نفسه بكتابة سيرته الذاتية؟ ولكن كيف؟ ربما يقبل تجميل سيرته ولا أعتـقد في نفسي قادرا على تـشيـيد أقـنوم كاذب. إن لم يكن قد انطلق من ميراث فانه انطلق من الصفر ولكن أيهما يا ترى؟ الصفر الاقتصادي أم الأخلاقي أم كليهما؟ أيمكنني تصديقه؟ أيمكنني الاستمرار؟
إنتـقـلت إليهما. إحداهن من الممكن أن تـقـتـنع بصورتها في مثل هذا الوضع المغري على غلاف كتاب يتحدث عن مغامراتها العاطفية و وقائعها الجنسية و رحلاتها و أفكارها ومجمل أهوائها وآرائها وطموحاتها.
كان يجب علي أن أفكر بتركيز ولكني انتبهت إلى السقف الجبسي ذو الخطوط المتوازية والمتـقاطعة. منظر جميل ولكني أدرك جيدا أن ما ورائه شبه أعمدة من الشعر الأبيض. من الأفضل دوما أن يكون نظر الإنسان محدودا ليستمتع بالوجود الظاهر. لو تسنى لنا رؤية الذرات التي تسبح في كل مكان لما أمكننا العيش. طيف جسدنا لا نراه وذلك أفضل. جميل أن لا يمتد بصرنا إلى أبعد من زرقة السماء.
الغادتان تـشربان البيرة وتتحدثان بشراهة ومتعة طفولية. كأن العالم متبخر حولهما. سيقان عارية ذات تكوين دقيق ووجهان متوردان وعيون ساحرة تسترق النظر إليك وإحداهن ذات نظرة موحية أبهجتـني.. ثم.. تـناهت إلى مسامعي أسماء ذكورية عدة تـليها ضحكات. هاتف كلتيهما لا ينـقطع عن الرنين.
ـ مجدي.. يا حبي .. أوه. أين أنت؟
ثم تسخران وتضحكان من الشخص المتكلم أو تعلقان عن أشياء حدثت في المسبح أو في ملعب التـنس.. من الواضح أنهما تتلاعبان بالذكور. جسدين شهوانيين ثائرين.. أوه.. يجب أن لا أفكر إلا في السيد القابع في العمق يقابلني. يتكلم بهدوء ويشرب بهدوء أما أنا فأبدو متوترا لكثافة الأفكار المضطربة بعـقلي. عقلي صاخب جدا وعقله متـنعم بهدوئه رغم صخب رنات هاتـفه.
أتى النادل القصير البدين بخطوات خفيفة شبه راقصة. ناداه العمق بإشارة من يده طالبا قارورتين والفتاتان كذلك أما أنا فلم يتبقى في جيـبي غير ثمن قارورة واحدة وعلبة دخان وأجرة التاكسي، أما في الغد فسأبحث عن ثمن قهوتي وسأبحث عن شيء من النقود تعمر جيـبي. ربما أطلب من صاحب المقهى أن أكتب مقالا عنه وعن مقهاه وعن إيمانه العميق بالرسالة التي يقدمها مقهاه للمجتمع مقابل شهر أتنعم فيه بالاستهلاك مجانا لديه. أتصور أنه سيتـقبل الفكرة بحماس كبير بل من الممكن أن تـقـفـز بضع ورقات نقدية من جيبه إلى جيبي لفرط حماسته.
فجأة ينظر إلي. أركز ناظري في ناظريه. تملؤني البهجة فها هو الأمل ينبثـق من جديد. لقد خاطبني النادل قائلا:
ـ أهلا بالأديب المتربع.
يبدو انه سيهتم لأمري. المال والفكر قوة وبعث حضاري. للحظة بدا انه يحمل وقدة الخلود والإنسانية.. ولكنها تـتـسارع دوما خيبات الأمل إلي.. إنطـفـأت نظرته بسرعة ثم شردت بسرعة خارج المكان برمته. أتراه احتـقرني أم أشفق علي أم كلا الأمرين معا ؟؟
" أنا الذي أحتـقرك وأتـقـزز منك فروحك نـتـنة وعقلك خائـر.. ماذا تملك أنت؟ مرسيدس حمراء وعقارات وحظوة كاذبة بين الناس ومتع حيوانية زائـلة؟ أنا أحتـقر كل هذا. أنت قـزم مقارنة بي.. لقد عشت أنا زمن الإنسانية كله أما أنت فمجرد فـقاعة في الزمن.. عشت عصور بابل و اشور وممالك الصين وعشت في قلب الصحراء العربية أتابع تطور القبائل المتـقاتـلة إلى إمبراطورية وحضارة عظيمة. عرفت الإغريق وقصص الآلهة عندهم واطلعت على ما فاض به فلاسفتهم كما عشت عصر الأنوار في أوربا وعشت عصر الثورة الصناعية ومن العقلانية إلى ثورة الجسد، وتهت في أرجاء روسيا صحبة تولستوي وتشيخوف وغوغل ومكسيم غورغي، وأنا أعيش في جميع أرجاء العالم بعقلي ووعيي ووجداني.. أنا أضخم منك بما لا يقدر وإحساسي بالمتعة أقوى بألف ألف مما تحس لأنك متـقزم متـورم بحساباتـك ومشاغلك التافهة أما أنا فحر طليق كالأطفال أبحث عن الجمال وأعيش لحظات عشق وسمو لا يمكن لك ان تتخيلها أبدا أبدا..".
ـ أنت أوهام متآكلة. أنت نرجسية كاذبة مغرورة. ستغرق ذات لحظة في الماء الذي تـتعشق من خلال سطحه ذاتـك. أنت لا شيء سوى فـقاعة.. هل ذهبت إلى باريس وبرلين وستوكهلم ولندن مثلي؟ هل عرفت البشر مثلي؟ هل امتلأ فراشك بغير الأوهام؟ أنا التهمت الشقراوات والسمراوات أشكالا وألوانا. أنا أتمتع باحترام الناس وتـقديرهم رغم كل آثامي وجرائمي. أنا القوي الجبار الشبعان فلا حاجة لي بقلمك وأوهامك..
كدت أقـذفه بقارورة ولكن النادل كان قد أخذها. لا أتصور نفسي قادرا على القيام بفعل مماثل، فتركيبتي النفسية والعقلية توجب تمظهر انفعالاتي في الخارج إلا عبر الورق أو الكلمات أو السجائر المشتعلة بلهفة.. أبدو هادئا ولكنني بركان دائم السيلان. يا له من تـناقض ويا له من " أنـا " أكاد أضيق به ذرعا. إني أتمزق والخوف كل الخوف أن أتـقـزم ولو كان ذلك ما بيني وما بين نفسي. وجدتـني أغرق في شبه بكاء وتلك الساقين المرمريتين تتلامسان بشهوة عارمة متـقدة،" وإنها إلى جانبي فتمرر أصابعها الطويلة الرقيقة على خدي ماسحة دموعي وتسألني بصوتها الرخيم عن مشكلتي، فأقول:
ـ مشكلتي أني لا أجيد شيئا غير الكتابة. مشكلتي أني كاتب فقير شبه معدم أتلقى الحـسنات التي تكاد تجعلني أعيش من أبي أو من الأشغال الشاقة على جسدي النحيل الذي لم يُخلق إلا للتـفكير والكتابة.. مشكلتي أني أحيانا لا أجد ثمن قهوة أو علبة سجائر ولا جريدة أو كتاب. مشكلتي أني آلة دون طاقة كافية لتـشغيلها. يا للخواء المرعب. يا للظلام الدامس، يا للضياع المخيف.."