زيارة السادات إلى القدس لغز سياسي عمره 42 سنة (2 - 2)

أمين المهدي سليم
2020 / 4 / 10

من المنطقي أن هزيمة اكتوبر لم تؤد بالسادات إلى موقف تفاوضي قوي، ولم يكن وجود السوفيت ثم اخراجهم من الحرب ومن التفاوض بين مصر وإسرائيل يؤثر بشيء على الأخيرة، وإن كان قد رفع عنه هو نفسه الكثير من القيود والضغط سواء من السوفيت أو النظم العربية المعادية للسلام، والعاجزة عن الحرب في نفس الوقت. وأقصى ماقدمته المفاوضات إنسحاب إسرائيل من غرب القناة في مقابل فتح قناة السويس وعودة سكان مدن القناة المهجرين. وفيما عدا ذلك كان الاتصالات والوساطات تؤدي من جمود إلى جمود، وخاصة مع تزايد قوة المعارضة اليمينية القومية والدينية المتطرفة في إسرائيل، ورغم الزيارات المكوكية لكيسنجر إلا أن الرئيس الجمهوري جيرالد فورد لم يكن في درجة حماس سلفه المستقيل نيكسون لتحقيق إنجاز السلام في الشرق الأوسط. وبالتالي لم يكن متحمسا كفاية لتحقيق اختراق.
خلال كل ذلك كانت "الجماهير" العربية تتعاطى جرعات زائدة من مخدرات "نصر اكتوبر"، في عملية مقصودة من الأنظمة بما فيها عسكر مصر لإدانة التفاوض نفسه واجهاض كل محاولات السلام، لأنه ببساطة يدعم الشعوب والمجتمات المدنية والحريات والحقوق المدنية، ولذلك ظلوا يديرون الاسطوانة المشروخة أن السلام ليس إلا تحرير فلسطين.
كانت سيارات وأموال صدام والقذافي وبعض دول الخليج البترودولارية قد أغرقت النخب المصرية بكل أشكالها العسكرية والمدنية والإدارية والثقافية والسياسية.، وكان الهجوم على السادات وتدبيج سرديات خيانته شعرا ونثرا سلعة رائجة ومربحة، حتى أن الطعن في عرضه كان عملا محمودا في الصحافة الحزبية، وعلى ألسنة السياسيين والمثقفين العرب، دون رد فعل محسوس من السلطة
واكتمل مشهد الضياع العربي عندما ذهب السادات كي يشرح لحافظ الأسد في دمشق فحوى مبادرته فأعلن رفعت الأسد عن قرار "عدم خروج السادات من دمشق إلا ميتا"، واستلزم الأمر ركوب حافظ الأسد سيارة السادات واجما مكفهرا لتوصيله إلى المطار لحمايته، وطلب السادات من الوفد المصري أن يسبقه إلى المطار نظرا لخطورة الموقف.
ليست صدفة أن حافظ الأسد هو نفسه وزير الدفاع الذى أعلن عن سقوط القنيطرة في حرب 67 قبل سقوطها، بل أنه المتسبب في سقوطها (أو تسليمها) مع الجولان، وتردد يومها خبرا وبقوة أن حافظ ورفعت باعا الجولان لإسرائيل ب 100 مليون دولار، ولكن الحقيقة التى ليست مجرد خبر أنهما حصلا على وعد أهم بمساندة إنقلابهما في 1970. هل هى صدفة أن عبد الناصر أشعل نفس الحرب بدون أي داع أو سبب وسلم خلالها سيناء بالكامل لإسرائيل؟
كان اليمين الإسرائيلي وكل قوى التوسع تعرف أن السادات في موقف ضعيف، وأنه يرأس نظاما بدائيا مركزه جيش فاسد رث جشع تاريخيا، ودولة متفسخة تسيطر على نخبها ثقافة قومية فاشية ورجعية معادية للشعب وللعصر، وأنه معزول عربيا، وكانت لليمين التوسعي خبرة تاريخية في الاعتماد على الفاشيات العربية الحاكمة المعادية للديموقراطية وللسلام، بل والتعاون معها في تحالف موضوعي سواء كان مباشرا أو غير مباشر، منذ تحالف عبد الناصر وبن جوريون في تطويق واسقاط مبادرة موشيه شاريت للسلام، ويمكن القول باطمئنان أنها كانت أكثر مشاريع التسوية عدالة ونظرا للمستقبل، دعاها عضو الكنيست عن حزب المابام اليعازر ليفنة في 1954 ب"هجوم السلام"، وكان شاريت ضابطا سابقا في الجيش العثماني، ثم الرئيس السابق للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، وكان يتقن العربية ببراعة، وعاش في قرية عربية هى "عين سينيا"، كان صورة إسرائيلية مشابهة للسادات مبكرة متقدمة لنوايا السلام والتعاون والتعايش بصورة تتسم بالنقاء والتفاني، حتى أسقطه هذا التحالف التاريخي بين قوى العداء للديموقراطية والسلام العربية وبين قوى الإستيطان والتوسع الإسرائيلية. ثم أعاد حسني مبارك تكرار نفس الجريمة بالتحالف مع شارون وعرفات لتطويق واسقاط مشروع كلينتون وباراك للسلام في سنة 2000، مما يثبت ويؤكد أنه قانون وقاعدة راسخة داخل الصراع، وليس من غرائب الأمور أن نفس النظام العسكري ونفس الجيش يفوض السيسي ليبيع جزر تيران وصنافير والممر البحري الدولي ويسقط حقوق مصر في ماء النيل، ويهدر حصة مصر في غاز المتوسط، بعد أن قام مبارك بالتمهيد لكل ذلك بترسيم جائر للحدود البحرية والاقتصادية، وكل ذلك لحساب حكومة نتنياهو المعادية للسلام والمساندة لهم في عدائهم للشعب المصري وكرامته وحرياته.
إنفتحت كوة ضوء وأمل في موقف السادات الصعب عندما وفد إلى البيت الأبيض الرئيس الديموقراطي جيمي كارتر، وكان ذلك الأساس الصلب الأول لتحرك أو لنقل مغامرة أو مخاطرة السادات، ولكن في نفس الوقت لايوجد شريك سلام أصلا في حكومة إسرائيل بقيادة مناحم بيجين ورئيس الكنيست الفاشي المتطرف إسحاق شامير، ولم يكن في إسرائيل آنذاك من هم أكثر تطرفا وعدوانية ماضيا وحاضرا منهما.
أعتقد أنه لايمكن حساب قرار السادات بالذهاب إلى القدس بالمؤشرات العقلية فقط، ولا بالظاهر من الصورة فقط، بالتأكيد كانت لديه دوافع وجدانية، وربما قيمية أخلاقية، وربما دوافع سرية، ولكن في كل الأحوال كانت فعلا تاريخيا خارقا وفريدا وفيه الكثير من الشطط، وهذه صفة الكثير من التحولات في التاريخ.
نزل السادات إلى مطار اللد ولم يكن رد الفعل المساوي لمغامرته داخل المطار حيث احتشدت كل الشخصيات المؤثرة في إسرائيل بكافة توجهاتها ووظائفها، كان رد الفعل الجدير بالتأمل خارج المطار في مسافة ال 50 كم بين مطار اللد والقدس، حيث احتشد الإسرائيليون على الجانبين في مشهد يقاربه نسبيا ولا يساويه مشهد استقبال رفات تيودور هرتزل كي تدفن في إسرائيل. قالت لي أكاديمية إسرائيلية أنها كانت قد وضعت طفلها في المستشفى قبل أيام من يوم الزيارة، ويومها كان موعد الطفل ليفتح عينيه على الدنيا؛ فأصرت ضد نصائح الأطباء أن تكون رؤية السادات على الطريق هى المشهد الأول الذى يراه الطفل.
لم يكن المسار بعد ذلك سهلا كما هو معروف، كانت لغة الجسد والعبارات العنيفة هى السياق المتوقع بين بيجين والسادات، وحاول بيجين افشال المبادرة بكل الطرق الدبلوماسية وغير الدبلوماسية، إلى أن كانت الليلة الأخيرة في الزيارة الأخيرة إلى إسرائيل عندما قال بيجين للسادات على مسمع من د.مصطفى خليل :"أنا لاأثق بك وسنبحث عن من نثق به"، كان تهديدا ورفضا عنيفا في ذات الوقت. وطلب السادات تجهيز الطائرة للمغادرة في الساعة 8 صباحا، وفي عبارات سريعة لخليل تحدث عن ضياع كل شيء وأنه يفكر في الاستقالة.
وقبل منتصف الليل كانت المفاجأة الأخرى بعد استقبال الشعب الإسرائيلي، وهى مجيء الجنرالين إيجال يادين وعزرا فايتسمان سرا إلى الفندق واجتمعا بمصطفى خليل حتى ساعات الفجر الأولى في حوار هدفه التأكد من نوايا السادات تجاه السلام. وعندما طلب خليل من السادات في السابعة صباحا تأخير موعد الطائرة وشرح له ماحدث قال له السادات في لهجة ريفية غير مصدقا :"والنبي؟"، وفوجيء الجميع ببيجين يحضر إلى الفندق ويعود أمل السادات في إنقاذ مبادرته. الذى لايقل أهمية عن ذلك هو صدور بيان من أكثر من 1500 ضابط في جيش الدفاع الإسرائيلي بينهم عددا كبيرا من الجنرالات بعنوان "نريد السلام والآن"، وكان هؤلاء هم نواة حركة "سلام الآن". (كتبت كل هذه الأحداث عن ذلك في جريدة الحياة الدولية قبل رحيل د.مصطفى خليل تحت عنوان :"اغتيال السادات : الانتصار الوحيد للنظام العربي قبل السقوط".
معروف كيف أضاع الفلسطينيون والعرب مبادرة مؤتمر مينا هاوس تحت ضغط السوفيت والبعث ومربع "الصمود والتصدي"، وقيل أن القوات السورية في لبنان حاصرت عرفات ومنعت وصول الدعوة إلى المؤتمر إليه، ولكنني أشك في هذه القصة لأنني أعتقد أنه استسلم بالضرورة لموقف الجناح العسكري والمخابراتي المتصلب في النظام المصري وجماعة الصمود والتصدي العربية، كما أنه أعاد الكرة عندما تحالف مع مبارك وشارون لاسقاط آخر مشروع معقول للسلام وحل الدولتين في كامب ديفيد 2.
لم يكن يمكن تحت أى ظرف الاعتماد على النظام العربي في الإتجاه إلى السلام، وربما كان هذا ماسهل على الرئيس كارتر التوصل إلى اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل، لأن الضغط على بيجين (في بعض الأحيان اضطر كارتر لتوبيخ بيجين إلى درجة الشخط والإهانة) كان أسهل من الضغط في نفس الوقت وبجانبه على أطراف عربية فوضوية لاتريد السلام وعاجزة تماما في نفس الوقت عن الحرب. ومن يقرأ اتفاقية الإطار "معاهدة كامب ديفيد" يمكن أن يصدم بفقرات الحكم الذاتي الفلسطيني لمدة 5 سنوات ثم حق تقرير المصير لأول وآخر مرة في تاريخ الصراع.
تثبت تجربة السادات ومأساته الكاشفة مدى التلازم اللصيق بين السلام وبين الديموقراطية، وأنه لاسبيل للخلاص من اليمين الفاشي في إسرائيل إلا بالتخلص من حكم الاقطاع العسكري والعشائري في الشرق الأوسط. ومن المساخر أن أغلب الوفد المصري المرافق للسادات اعترض بطرق متعددة على المفاوضات دون أن يقولوا شيئا سوى الشعارات البعثية الكاذبة الجوفاء، وبعد الاستقالة المبكرة لوزير الخارجية إسماعيل فهمي أستقال الوزير الثاني محمد إبراهيم كامل ود.محمد البرادعي، ولم يكن كل ذلك سوى إنصياعا للثقافة القومية الفاشية ومسمومة، والأهم أن كل هذه المواقف كانت تحت ضغط جنرالات الأسواق السوداء ومخابراتهم للأعمال القذرة، في جيش تأسس منذ 140 سنة تقريبا على "العزوة" الريفية و"الغنيمة" الإسلامية، ولم يكن غريبا أن مؤسسيه وعلى رأسهم أحمد عرابي ومحمود سامي البارودي كانا أسرع مهزومين في التاريخ وأسرع هاربين من المعركة التى نتج عنها احتلال الإنجليز لمصر (استغرقت معركة التل الكبير 20 دقيقة)، وتبين أن أغلب القادة العسكريين اللذين دعاهم التاريخ المزور ب "الثورة العرابية" كانوا عملاء للإنجليز طبقا للوثائق المؤكدة، وما أشبه الليلة بالبارحة، ولكن هذه المرة لصالح اليمين الصهيوني الفاشي التوسعي، ومشروع إسرائيل الكبرى. "تمت" #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي