كورونا تنزع الأقنعة جميعها

خالد الصلعي
2020 / 4 / 9

ان المتتبع للتراشقات الجديدة بين اقطاب العالم الكبار ، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين ، ثم الاتحاد الأوروبي الذي سيخرج مفتتا من هذه الأزمة الكونية ، سيلاحظ انتقال الصراع الى قضايا نوعية ، أي جديدة ، هي بنت المرحلة ووليدة هذه التجربة القاسية .
فالاعلام لا يزال يلعب دوره الاستقطابي ، يقوم بمحو الذاكرة وغسل الأدمغة ، ونقل المعارك الى ساحات الخصوم . هكذا تقوم الآلة الاعلامية الغربية بلوك الاتهامات لروسيا باغراق السوق الاعلامية بالمغالطات والأخبار الزائفة ، فترد روسيا أن تلك بضاعتكم وقد ردت لكم . في حين تدافع الصين عن شفافيتها في التعاطي مع المعلومات التي تهم وباء كورونا .
في نفس الوقت بدت الدول العربية في موضع لا يحسد عليه ، تتبنى استراتيجية النعامة ، لكنها تستأسد على شعوبها بصك قوانين غاية في الغرابة ، لتأكيد سطوتها وجبروتها .
قبل يومين فقط لم يقف دونالد ترامب عند حدود التشكيك في دور المنظمة العالمية للصحة ، بل تجاوز ذلك الى الاتهام المباشر باخفائها لمعلومات حيوية عن وباء كورونا . وهو ما هدد على اثره بوقف مساعداته المالية عن هذه المنظمة العالمية . في ضربة قوية لمؤسسة تحوم حولها شبهات كثيرة ، بل ان رئيسها نفسه متورط في أعمال تصل حد الجريمة حين كان وزيرا للصحة ببلده اثيوبيا ، كما أنه اول رئيس لهذه الهيأة يترأسها دون أن يكون طبيبا .
واذا كانت هذه الاشارة حول "تيدروس أدهانوم غيبريسوس " ، لمجرد وضع الأمور في نصابها ، فان تداعيات وباء كورونا ، وما أثارته من عواصف وزلازل في العلاقات على أرض العلاقات الدولية ، لا يخرج عن دائرة الصراع حول تدبير شؤون العالم وقيادته . ولعل تعنت روسيا في موقفها من عقد لقاء بين منتجي النفط من منظمة أوبك + ، يفسر لنا مدى الصراع القائم بين الفاعلين الدوليين الذي يؤثر حتما على الأتباع والحلفاء من الصغار ، كالمملكة العربية السعودية في قضية خفض او رفع انتاج النفط .
وقد عرت عمليا قرصنة والسطو على مبيعات ومساعدات أجهزة ومعدات طبية في عرض البحر أو على البر أو في مراكز البيع عبر عملية الارشاء ، عن غياب الأخلاق الانسانية عن مجموعة من قادة وساسة العالم الذين يدعون نشر الديمقراطية والعمل على ازدهار العالم . الأمر الذي كشف حقيقة السياسات الدولية المبنية على اساس التغلب والاستنزاف والسطو . تماما كما حدث مع شركة ألسطون العالمية قبل سنوات حين حولتها الولايات المتحدة الأمريكية الى شركة أمريكية بعدما سطت عليها من دولة ذات نفوذ عالمي هي فرنسا.
لكن وباء كورونا وضع العالم أمام حقيقته ، سواء تلك الدول المدعية للتقدم والازدهار ، او تلك المعتمدة على سياسة القهر والتدجين .
هكذا اذن يبدو العالم ، سيادة الاستئساد والتفنن في الخداع وكيد المكائد ، وانتهاج سياسة "مناعة القطيع " . لتتوارى كل ادعاءات الديمقراطية الزائفة ، والعدالة الاجتماعية المفترى عليها ، واحترام حقوق الانسان المنتهكة في اصولها وفروعها . ها نحن نعايش ونوثق لكل هذه الابتذالات والبذاءات ، بعيدا عن أي اسراتيجيات حقيقية تعلي من شأن الانسان وتخدم غاياته السامية .
من المعلوم أنه في ظل هذه الجائحة ستنهار اقتصادات مجموعة من الدول ، وقد تقوم مؤسسات القرض الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بابتزاز الدول المدينة في عز ضائقتها المالية والاقتصادية ، ما يجعلها تحت رحمة الدول القادرة على مساعدتها تحت شروط أكثر اجحافا وظلما . وكما يبدو واضحا فان الدول الأقدر على تنفيذ هذه الاستراتيجية هي الصين وروسيا اللتان استعدتا جيدا لهذه المرحلة ، كما يبدو .
ونحن نراقب من بلداننا المتخلفة كيفية نهوضها من هذه الكبوة ، وما هي السبل التي ستنهجها وأي الأطراف ستتشبث بها .