واشنطن- هافانا: وحشية الرأسمالية وترامب

كاظم الموسوي
2020 / 4 / 8

منذ انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية في كوبا وقفت واشنطن ضدها وعملت على محاربتها بكل المجالات، ولا سيما تشديد الحصار الإقتصادي والسياسي، وحاولت بشتى الأساليب إسقاط القيادة التي كان فيديل كاسترو والحزب الشيوعي على راسها وتحالفاتها مع البلدان الاشتراكية وطليعتها الاتحاد السوفيتي حينها، ولكن الجزيرة الصغيرة استطاعت الصمود والتحدي ايضا، رغم محدودية إمكاناتها وهي تبعد عن الولايات المتحدة الأمريكية عشرات الكيلومترات، وتمكنت بعدد سكانها الذي بقي صامدا على أرضها الان، بحوالي أحد عشر مليون مواطن، الوقوف شوكة في خاصرة الجارة المعادية الكبرى، فيما يسكن ما يقارب السبعين في المئة من سكان فلوريدا، الولاية الأمريكية المواجهة لكوبا، من الكوبيين المعارضين للسلطات الكوبية. (ما يقارب مليون ونصف المليون كوبي في فلوريدا، وأقل منهم بقليل في كاليفورنيا ونيويورك)، وفي هذه الظروف المعقدة تطورت جمهورية كوبا وقيادتها وبنت لنفسها استقلالها وقدراتها الإنسانية التي فاضت للمساعدات والتضامن الإقليمي والدولي. وعاشت كوبا تحت استمرار عقوبات الحصار مع مختلف الإدارات الأمريكية وتهديدات عصابات المعارضة الكوبية المدعومة من الأجهزة الأمريكية المعادية لكوبا، دولة وخيارات وطنية ومنهجا امميا.
تمتلك كوبا، في مجال الطب والبحث العلمي فيه، واحدة من أعلى النسب بين الطبيب والمريض في العالم حيث تبلغ 82 لكل 10000 شخص، وهي نسبة مميزة في الخدمات الصحية عالميا. ودعمت مؤخرا في ما يتعلق بالفايروس الجديد الذي اجتاح العالم وشغل الناس، فارسلت فرقًا طبية ومساعدات لأكثر من 50 دولة حول العالم بما في ذلك إيطاليا وإيران التي شهدت آلاف الوفيات بسبب تفشي جائحة الكورونا. وضمن التنسيق والتطورات العالمية لوقف انتشار الفايروس واقرار منظمة الصحة الدولية بهذه الأخطار وحاجتها كغيرها من الدول للتعاون والتضامن الدولي قامت بما يمكنها من دور ومساعدة، وانتظرت هي الاخرى من يساعدها ويوفر لها ما ينقصها من معدات وأدوية ومستلزمات صحية.
إضافة الى الحصار التاريخي الأمريكي لم يتوقف الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب من تصعيد العقوبات وتشديد الحظر على الشعب الكوبي. ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض، اتخذ ترامب سلسلة من الإجراءات المتصاعدة ضد الجزيرة، لعل أهمها السماح برفع دعاوى في المحاكم الأميركية للمرة الأولى ضد الشركات الأجنبية التي تستخدم ممتلكات تعتبرها هي لاغراضها مصادرة من السلطات الكوبية، عن طريق رفع التعليق في إبريل/نيسان الماضي عن البند الثالث في قانون هلمز- بورتون، المعلّق منذ بداية فرض الحظر على كوبا، واستمر كذلك خلال جميع العهود الرئاسية الأميركية. رفع التعليق هذا، لم يغضب فقط الأميركيين المهتمين بالتجارة مع كوبا، بل كندا ودول الاتحاد الأوروبي، الذين هددوا بالاحتكام إلى منظمة التجارة العالمية، فيما اعتبرته الجزيرة الصامدة محاولةً لخنقها. وحسب صحيفة المورننغ ستار البريطانية يعتقد أنها كلفت 1.2 مليار دولار سنويًا في المبيعات والصادرات المفقودة، بينما تقدر الحكومة الكوبية أن الحظر كلف الجزيرة نفسها 753.69 مليار دولار على مدى ستة عقود. ولكن بدلاً من تخفيف العقوبات الأمريكية الصارمة، صعد ترامب الأعمال العدائية داعياً الدول إلى رفض الدعم من كوبا، التي أرسلت فرقًا طبية الى جميع أنحاء العالم للمساعدة في جهود احتواء انتشار الكورونا.
زادت واشنطن في قرارات الحظر الامريكية بمنع وصول المساعدات الطبية لكوبا، واعتبرتها الصحيفة البريطانية ووسائل إعلام أخرى شاهدا لوحشية الغرب المتوحش. ودليلا صارخا كشف بممارساته وقوانينه وحشية لا تتلاءم مع الزمن المعاصر وتتناقض مع كل المفاهيم الإنسانية الأساسية، فبدلا أن تقدم هي المساعدات الإنسانية منعت وصول مساعدات إنسانية مرسلة من بلد آخر لكوبا. وكانت مؤسسة علي بابا الصينية قد تبرعت بأكثر من مليوني قناع و400.000 مجموعة تشخيص سريع و 104 أجهزة تهوية لمحاربة انتشار الفايروس التاجي. وكانت الإمدادات موجهة ل 24 دولة في المنطقة بما في ذلك الأرجنتين والبرازيل وشيلي وإكوادور والدومينيكان وبيرو. لكن واشنطن منعت وصوله إلى الجزيرة الاشتراكية تحت تبرير قوانين الحصار الأمريكي. الأمر الذي دفع وكالة مكافحة المخدرات الكوبية الى انتقاد استمرار الحصار الاقتصادي الأمريكي وانتهاك حقوق الإنسان بعد وقف وصول هذه المساعدات الطبية الحيوية من الصين، واتُهمت الوكالة واشنطن بالتعامل ب "وحشية الغرب المتوحش" ، واستخدام اندلاع جائحة الكورونا كفرصة متاحة للإستعمار الأمريكي في تنفيذ خططه العدوانية ضد دولة كوبا.
كما اتهم مدير حملة التضامن مع كوبا روب ميللر الولايات المتحدة الأمريكية "بوحشية الغرب المتوحش" باستخدام جائحة الكورونا كفرصة "لمحاولة خنق الثورة الكوبية" . وهو أمر فشلت في القيام به منذ أكثر من 60 عامًا. وقال: "من ناحية أخرى ، تظهر كوبا مرة أخرى إنسانيتها وأمميتها من خلال تقاسم خبرتها الطبية في جميع أنحاء العالم للجميع بغض النظر عن البلد أو اللون أو الثروة أو العقيدة". واضاف "أحث الجميع على الانضمام إلى الدعوة المتزايدة لإنهاء الحصار الإجرامي، مؤقتًا على الأقل، للسماح لكوبا بالمساعدة في كسب المعركة ضد الفيروس في الداخل والخارج". وسبق ان وقع أكثر من 15000 مواطن أمريكي على عريضة تطالب الرئيس الأمريكي برفع الحظر عن دولة كوبا، الذي تم تطبيقه منذ عام 1962 في مخطط استعماري لخنق الاقتصاد والإطاحة بالحكومة الثورية.
تتميز كوبا عن غيرها في المجال الصحي خصوصا، حيث يذهب أكثر من 28000 طالب طب كوبي من بيت إلى بيت لرفع مستوى الوعي حول فايروسات الكورونا وفحص السكان. وأعلن في كوبا رسميا عن إصابات مؤكدة بفايروس كورونا ، مع وفيات تم الإبلاغ عنها ، لكن ظلت مخاوفا من إصابة ما يصل إلى 3000 شخص مع أولئك الذين يشتبه في إصابتهم بالفايروس للعلاج في مرافق العزل التي تديرها الدولة. وهي تجري اختبارًا سريعًا مع 100000 مجموعة في البلد. كما تجرى الاختبارات على جميع الموجودين في مراكز العزل ودور العجزة والمسنين لأنهم الأكثر عرضة للانتشار السريع للمرض.
كل هذا التقدم والتطور في هذا الجانب بالذات، إضافة الى الجوانب الأخرى، هو من عوامل قوة كوبا وصمود الجزيرة، وخصوصا في تضامنها ودعمها الانساني ورغم كل جهود واشنطن لتشويه جهود الإغاثة التضامنية الدولية، وحصارها ومنع الدول من دعمها، ظلت كوبا تكافح من أجل دعم مواطنيها والعاملين في المؤسسات الصحية ودول تحتاج التضامن والمساندة في العالم، فاضحة وحشية الرأسمالية الأمريكية ورئيسها ترامب ومعلنة إنسانية كوبا وقيادتها ونموذجها الصامد. وبقيت كلمات فيديل كاسترو عن ارسال أطباء للشعوب وليس قنابل خالدة تردد مع الوفود الكوبية الطبية.