الفنانة التشكيلية العصامية نجاة الكحص : ألواني.. لغتي البليغة

عزيز باكوش
2020 / 4 / 8

نجاة الكحص ذات ال 17 عشر ربيعا وريبيرتوار يضم 32 لوحة تشكيلية ، أنجزتها على مدار السنتين الأخيرتين احتضنها بهو دار الثقافة بجرسيف مارس 2020 ضمن فعاليات معرض نظمته جمعية الجيل الذهبي بجرسيف في إطار الاحتفال باليوم العالمي للمرأة ، هي فنانة بالفطرة من مواليد الفطوشية بجماعة هوارة أولاد رحو ، حوالي عشر كلومترات غرب مدينة جرسيف بالمنطقة الشرقية . ولأنها فاقدة للسمع والنطق ( الصم البكم) ومصنفة من ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن هذه الإعاقة أجبرتها على مغادرة فصول الدراسة في مراحلها الأولى ،صوب حياة ثانية تواجه من خلالها صمت العالم ، واغتراب الروح وأعماق الحيرة التي تسكنها ، لكنها بالمقابل ، صنعت منها تلك الطفلة الذكية المشغولة بالأحداث والأحاديث التي تدور حولها، ما جعلها في وضع متحمس تتحدى فيه كل شيء ، لتبتدع لنفسها لغتها الخاصة ، فكان اكتشافها للألوان وجعلها لغتها البليغة ، اللغة التي يحسها الجميع ويتفاعل معها الجميع، وإن كانت في لحظات معينة تستعصي على الجميع أيضا ، نجاة حاولت أن تترجم أحاسيس الفرح والحزن والحيرة في أعمالها الفنية بلمسة فنية رقيقة ودقيقة، وتفوقت في ذلك بنجاح يبهر .
يقول الشاعر المغربي عبد الحفيظ المتوني ، "إنها تذكرني بالفنان التشكيلي الكبير أحمد قريفلة من تازة ومدرسته الفطرية، ويرى الشاعر صاحب ديوان" سلطان الماء" في الفنانة نجاة الكحص وهي تحط الألوان باتزان شديد على قماش لوحاتها ،كأني بها ترسم وجه أمها التي تصاحبها بحنان وتفهم كبيرين ، إذ تبدو ملامحها مجسمة في كل البورتريهات التي رسمتها الفنانة لمشاهد من حياة مجتمعها الصغير والاعمال اليومية التي تقوم بها نساء قريتها البسيطة (الرضاعة - حياكة الزرابي – طحن الحبوب – قطاف الزيتون – جلب الماء – الغناء والرقص ...)
وبما أن نجاة الكحص ليس لها لغة تدل على انتسابها القبلي أو السلالي ، فقد بدت أعمالها مأهولة بالرموز الأمازيغية ،وهي المنحدرة من سلالة هوارة ، القبيلة العربية، حيث تجيد الفنانة نجاة هذا الاختلاط والانسجام الفطري بين المكون الأمازيغي والعربي في شخصية الإنسان المغربي عامة والجرسيفي خاصة ، وللأهمية فهذا المكون الثقافي الشامل والغني ما سمعت به من أحد ، ولا اقتنعت به من خطيب .إنه خلاصة تأملها في الصمت الرهيب الذي يحيط بعالمها ، وما اكتشفته روحها الفنانة الشفيفة التي تسكنها منذ نعومة أظافرها وطراوة خربشاتها ومشاغباتها الطفولية الأولى . ويصف عبد الحفيظ لوحاتها بالحياة في طبيعتها حيث تشع منها البهجة والفرح ، الألوان الزاهية المشبعة بالنور، النور الهاطل من كل الجهات وفي كل الأوقات على قريتها .
نجاة الفنانة العصامية مشغولة بعيون شخوصها الواسعة ،فهي المفتوحة والمتفتحة على الأرواح ،العاكسة للأحاسيس، عيون تملأها الفرحة والحزن والحسرة ،وعيون مغمضة تعبر عن الرفض وعدم الاهتمام والحياء والغنج أحيانا ، أ وليست للعيون لغة ، أما الرجال في لوحاتها فهم فرسان على صهوات الخيول ( ألعاب الفروسية – الحركة – الصيد ..) وهي إحدى الميزات التي تتميز بها جماعة هوارة أولاد رحو، إذ يحتل فيها الخيل والخيالة مكانة رفيعة في قلوب الناس جميعا على اختلاف أعمارهم وأحوالهم ، فلا يخلو دوار من دواويرها من سربة للفروسية ،أو فرس تربيها العائلات " .