فيروس كورونا يمهد الطريق للظهور على الشاشة أمام لي يسوى ولمايسواش ؟

عزيز باكوش
2020 / 4 / 7

في زمن كورونا ، أصبح المجال مفتوحا على مصراعيه أمام كائنات هوائية مغمورة ، وجدت أمامها هامشا كبيرا من الحرية والوقت الكافي ، وامتلكت تكنولوجيا حديثة بأسعار تفضيلية ، ضمنها تطبيقات تواصلية مجانية سهلة الاستعمال ، فغردت وزغردت وولولت ... كائنات ما كادت تشاهد نفسها على شاشة ضوء حتى حسبت نفسها في مهمة تاريخية ، وأنها وحدها منذورة للتنوير والتثقيف والإخبار. لا نعمم ، لكننا نستهدف طينة بشرية هجينة التربية قوم حين يفتحون أفواههم ، تسبقهم رائحة تزكم و قذارة عبر حجاب ، شريحة من بشر لم ترمم أسنانها ، وتزعم أنها قادرة على ترميم مشاكل وقضايا العالم بتعقيداتها المتوحشة ، كائنات تبدو للوهلة الأولى في وضع غير طبيعي ، تشتم منهم رائحة الحقارة والخسة عن بعد ، تشرع في استظهار الموروث الاجتماعي المضمخ بكلام السوق، زاعمة أنها تقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة . وإنما هي تقدم خدمة عمومية لم يسبق لأحد أن قام بنفس العمل ، و بناء على هذه القناعة تقوم بإشعار الرأي العام المفترض عبر نقل حوادث مختلقة غريبة عجيبة خارقة تتغيا منها الإخبار و الإبهار ، قد تكون هذه الواقعة ناتجة عن فراغ اكتئابي قاتل ، أو تصفية حسابا ما ، أو رغبة جارفة لقتل افتراضي مأجور .

إذا كان الظهور أمام الشاشة باعتباره فن علم دراسة وتكوين كفاءة ومهارة تكتسب سواء عبر معاهد وكليات متخصصة أو داخل ستوديوهات احترافية خاصة تعمق التجربة وتعززها تتيحها بإسهال تطبيقات على مواقع التواصل الاجتماعي بشروط تقنية مؤثرة ومجانية ، فإن تكالب ثنائي يتكون من جائحة كورونا بتهويلاته وارتياباته ومنصات التواصل الاجتماعي بهامش الحرية الواسع ، قلب هذه الحقيقة رأسا على عقب ، ومنح الظهور والإطلالة الذاتية على الجمهور الواسع صفة الاقتحام وهتك حرمات الجمهور الافتراضي ، ومكن الجميع من الإطلالة بوجه ارتجالي و بلا ماكياج ، ودونما أبسط شروط اللياقة ، وأتاحها أمام للي يسوى ولي مايسواش هذه حقيقة لا غبار عليها

وبذلك يصبح فن الظهور الذي يتلقى الراغبون في تلقيه والتعرف على مكوناته النفسية والجمالية تكوينات ودروس علمية ودورات تكوينية أكاديمية تمتد لسنوات تنتهي باختبارات تطبيقية ، ومقابلات انتقائية وكاستينغات مجرد هواية وتسلية ، متاح وفي سوق إعلامية شعبية وسط فوضى بلا مكابح
والحقيقة أن هذه التكوينات المعرفية تشكل فرصا حقيقيا للنجاح في هذا الفن الصحفي النبيل من خلال الاطلاع على الأسس الفنية والأدبية لفن الظهور على الشاشة ومناسبة للتغلب عن الصدمة الأولى أو دهشة المواجهة مع الجمهور حيث يصبح الفرد بعد التكوين النظري والتطبيقي مؤهلا للقيام بهذه المهمة الإعلامية النبيلة، في مناخ من الارتياح والرضى عن النفس.
وليس الأنترنيت اليوم وحدها الوسيلة التواصلية والإعلامية الأكثر سرعة وحداثة من حيث توفير المعلومات والمعارف والأخبار المنشورة بسخاء في جميع بقاع العالم والتي تتخذ شكل نصوص أو صور أو رسائل صوتية أو هم معا،وإنما منصات وسائل التواصل الاجتماعي أيضا بوصفها الوسائط الإعلامية الأكثر تفاعلية التي تتيح للجمهور إمكانية النشر الواسع و التفاعل الذاتي بالرد والتعقيب والاستفسار بكل سهولة ويسر على كافة المحتويات المبثوثة في سماوات الله المفتوحة

وإذا كان فن الظهور على الشاشة عموما يتطلب ديكورات ومكياج وإضاءة وفريق عمل متخصص ، حتى يتسنى للمخرج تجويد الرؤية أمام المشاهد ، وبالتالي منحها كافة أشكال الراحة والمتعة في صوتا وصورة . فقد أصبح اليوم المادة الأكثر مشاهدة وبأرقام قياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، بحكم مجانيته وبساطة استعماله . كما أن إتاحته بشروط تفضيلية ، جعلت منه فوضى اقتحامية وهجومية بامتياز . فملايين الفيديوهات المرسولة المنتجة بشكل فردي يتم تقاسمها على نطاق واسع دون طلب إذن أو رخصة من أحد . وبدت هذه الظاهرة في إحدى تجلياتها ظهورا متهافتا سطحيا فجا مقرفا اعتباطيا متهورا غير مدروسة وتافهة وسافلة .. لذلك لم يعد يتطلب الظهور على الشاشة اليوم تكوينا ولا كفاءة ، بل قليلا من الجرأة وكثيرا من السنطيحة
وحتى لا أكون متطاولا ، فإن تواري العديد من الوجوه المشهود لها بالكفاءة المعرفية والمهنية يطرح أكثر من سؤال . حول عدم ظهورها وبالتالي حرمان الجمهور الواسع المتطلع إلى أدائها المشهود له بالرصانة والموضوعية وأدائها هذا الدور التنويري والإشعاعي على منصات التواصل الاجتماعي ، وتوصل الرسائل التي تريد بظهور لائق ، معتمدة تجربتها وخبرتها في المجال. أعرف أشخاصا من عيار ثقيل بحكم توفرهم على أرصدة معرفية وحمولة فكرية رصينة وتصورات مجتمعية عملاقة وهم مؤثرون في المجتمع بأفكارهم ولهم تجربة في الخطابة الناضجة والمسؤولة لكنهم يحجمون على الظهور ويكتفون بما يدونوه من نصوص على صفحاتهم الشخصية.
وأستطيع أن قدم نماذج انطلاقا من علاقاتي الشخصية ومعرفتي بهم ، مثل الدكتور يحيى اليحياوي أمينة الصيباري فتيحة عبد الله عبد الحي الرايس عبد الله الدويب محمد بنيس لحسن لعسيبي محمد بوهلال محمد الزوهري عبد السلام الموساوي الشاعر محمد الفتحي لحسن والنيعام محمد حداد عبد السلام الزروالي ادريس العادل عبدو حقي لحسن أمجون محمد كمال لمريني... وعدد كبير من الأكاديميين والشعراء والمفكرين من أطر التربية والتعليم والسلك الجامعي ... هؤلاء رغم امتلاكهم الأدوات المنهجية والأسس الفنية للظهور الصحفي يتوارون ، مكتفين بالتدوينات والمنشورات التي تترك أثرا إيجابيا في نفوس جمهورهم ومتتبعيهم في وقت نجد فيه أصواتا نشازا بلا رسائل هادفة تغرق الصفحات ويتم تقاسم محتويات منشوراتها الضحلة على السوسيال ميديا بإسهال وبسخاء باتولوجي
لذلك، كم رجوت أصدقائي وصديقاتي الفسابكة رأفة بي عدم تمرير مثل هذه الفيديوهات الضئيلة المعرفة والغارقة في الأنانية التي من حيث المبدأ تأتي صادمة اقتحامية بصورة بروفايل مرعب يوصل الرسالة ويبلغ المعنى دون فتحها، هذه هي الصدارة اليوم الطندوس ، أصوات نشاز، هياكل أومشاريع هوائية بلا رسائل هادفة ، تغرق الصفحات ويتم تقاسم محتويات منشوراتها الضحلة على السوسيال ميديا بسخاء باتولوجي