بحيرة البجع 3

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 4 / 6

وانتهينا أنا وصوفيا أخيرا إلى الانفراد مع بعضنا بعد صخب ذاك الاجتماع الذي يقع في شارع ضيق خافت الضوء. ذاك الزقاق ارتسم في خلجات نفسي بسحر كان يتـنامى بمرور السنين. أتـذكر قطة بيضاء تموء من على شرفة إحدى الشقق، كما أتـذكر فتاة شبه عارية تـنـشر الأدباش إلى جانبها وهي تكلمها بكلمات لم أتمكن من سماعها طبعا..
كانت صوفيا تـشعرني بالرهبة والذوبان فيها وعشق كل ما فيها. مشيتها، رائحتها، حتى خصلة واحدة من شعرها تـشعرني بانجذاب ساحر غريب. معها أشعر بنفسي مع العالم كله والعالم كله كأنه غير موجود في الوقت نفسه. انصهار تام فيها وداخلي يرقص برعشة ارتجاجية عظيمة جدا.
كان يغلب علي الصمت نظرا لعمق المشاعر التي تعصف بي في حضرتها، وحتى الكلمات التي أقولها فهي محسوبة جدا فكنت غير عفوي في كلماتي وذلك ما سبب لي ارتباكا إضافيا. أما هي فكانت ساحرة. تتكلم بغزارة وتضحك فهدئت من روعي شيئا فشيئا. كانت ذات خيال جميل وكانت ذات مسحة مثالية رومنسية عميقة جدا، حتى أنها قالت في خضم حديثها ونحن نغادر الزقاق الضيق:
ـ كل من رأيتهم الآن وأنا مثلهم نعتبر أعظم إختراع في هذا العصر هو بندقية "الكلاشنكوف" الروسية. بندقية الثوار. بندقية "غيفارا". صحيح أننا لا نسعى إلى امتلاكها ولا نفكر حتى بمنطق الكفاح الثوري المسلح للأسباب التي ذكرها الرفيق "اندريا"، ولكن الكلاشنكوف نستعملها رمزيا في كل كلماتنا وتصميمنا وبحثنا عن مقاتلة الرأسمالية الحقيرة. كأننا نطلق الرصاص حتى في كتاباتـنا. في مظاهراتـنا. في لعابنا السائل من أفواهنا ونحن نسب ونلعن الرأسمالية الحـقيرة.. إنها دائما مرتسمة في خيالنا، بمثل ما أن غيفارا القتيل بلحيته ووجهه الجميل وعيناه اللتان تـنظران إلى العالم لتقول أن "غيفارا" لا يموت وإنما سيسحـقكم أيها السفلة..
تعـشينا في مطعم شعبي، وهو ما حقـق غبطة كبرى لي، فقـلت لها:
ـ مع هؤلاء أحس أني مع أناس حقيقيـين، مع أحياء بحق. الأماكن البورجوازية تـشعرني بالتكلف والاصطناع وكأني مع أموات يشبه لهم أنهم أحياء. حركاتهم وكلماتهم وابتساماتهم وملابسهم كلها غير حقيقية أي لأجل التغطية على عدم قدرتهم على الحياة الطبـيعية الفعلية..
قالت بانـتـشاء أحدث في نفسي صعقة كهربائية ساحرة:
ـ أوه كم أكرههم. يا إلاهي كم أكرههم. كم أتمنى أن أقضي عليهم.
واسترتسلت من ثم في وصف مظاهر الحقارة، وعظمت دهشتي لكونها من عائلة فاحشة الثراء بمثل ما هي فاحشة الكره لهم. ولكن ما جعلني أعظم من شأنها أكثر فأكثر أنها سردت تاريخ العائلة بكل احتـقار وهي تـقول أنهم في النهاية كبورجوازية أصلهم من فئة الأقـنان اللذين تحرروا ولكنهم لم يتحرروا من حقارتهم التي أورثوها في نسلهم جيلا بعد جيل. قالت:
ـ واضح أنه من المستحيل لمئات السنوات من العبودية التي رسخت انعدام الشعور بإنسانيتهم وبالتالي انعدام القدرة على الارتـفاع إلى الإنساني، أن تـقـلبهم إلى إنسانيين حين تحرروا وأنـشئوا الثروات والأموال، فأصلا تلك الأموال جنوها بالخداع والإستغلال والسرقة والقتل والقرصنة وحتى إبادة الملايـين من الناس. لذلك فهم يزينون أنفسهم ولكنها زينة الجثث فمن فقد إنسانيته هو في الحقيقة فقد معها حياته،فهم بحق أموات وحياتهم مجرد وهم، ولذلك فهم ينظرون إلى الحياة الطبـيعية كوهم لأنهم هم العائشون في الوهم.. أنظر إلى عيون العمال وخاصة تلك التي ينبعث منها الشرر. أنظر إلى بهجة الحياة فيهم..
وانـتعاشة العشاء الأخير كأنها وقعت في الجنة. روحي خائضة في مسرات جوانية عظمى. تختلج نفسي ببحر بزرقة صافية مملوحة بشذاه الخالد الرائع، وهي البحر. يا إلاهي.. ما هذا؟ شيء لا يطاق لفرط حسنه وجماله. صعب جدا أن نحتمل الفردوس ونحن في الأرض، مازالت فيزيائـيتـنا وفق فيزيائية الأرض.
رائحة المدينة معطرة برائحة جميلة. الأشجار على جوانب الطرق. البعض يمارس رياضة الهرولة وآخرون يقودون دراجات هوائية ولكن السيارات تملئ الطرقات، والمحلات الجميلة بأضوائها المختلفة، والجميلات يملأن الفضاء بعريهن وجمالهن..
رأسي يكاد ينفجر من فرط اللذة، فاقـتـرحت أن نـشرب شيئا من البيرة. قبلت الفكرة بكل سرور، وأخذتـني إلى حانة شعبية. الحانة روادها من العمال والموظفين الصغار. فيها مثـقـفين وهي تعرف جلهم وأغلبهم مدرسين. تحدثت مع أغلبهم بروحها المرحة وكلهم إذ التـقوها فرحوا بها، وجلسنا في إحدى الطاولات أخيرا بعد عناء الانتـقال من طاولة إلى أخرى وهي كالفراشة. في الطاولة التي استـقر رحالنا عندها، كان فيها مدرس فلسفة ومدرس تاريخ وطالب جامعي وفتاة ذات شعر أحمر قصير نحيفة تدرس علم الأديان. وجدت ذلك غريـبا فملامحها مناقضة للأديان فهي ذات جاذبية جنسية واضحة.. لكن، لماذا الجاذبية الجنسية مناقضة للأديان؟ ألا تقوم الأديان على نفس الجاذبية، وأليست الجاذبية الجنسية جاذبية كونية ؟
الفيلسوف تكسو وجهه ذو اللون الأرجواني العـريض لحية ذهبية اللون.عيناه ضيقـتان بزرقة غامقة، وهو يدخن سجائر بنية اللون. مظهره كأنه أحد آلهة اليونان الغابرين. ضحكته القصيرة كأنها موسيقى كنسية. في الحقيقة حضوره ساحر جدا. يتكلم بسخرية عن كل شيء. هذا العالم الذي نعيشه اليوم هو الوهم بعينه. إننا كائنات مؤلينة. لقد صنع الإنسان الآلة ولكن في الحقيقة الآلة هي التي صنعته وجعلته كائـنا غريـبا وخطيرا على الطبيعة والأرض، وخطير على الآلهة وخطير على نفسه لأنه في النهاية هو مجرد امتداد لتلك المكونات. ما تصنعه يصنعك وما تملكه هو الذي يتملكك.. أنظر كم تبدو سعيدا باقـتـناء أول سيارة. لكن لست أنت الذي تمتلكها في الحقيقة وإنما أنت اقـتـنيت مستعبدا لك. أولا، يجب أن تبني لها مرآبا، وثانيا يجب أن تخصص لها ميزانية في الصيانة ودفوعاتها للدولة واستهلاكها من البنزين، إضافة إلى سهرك على تـنـظيفها وتـزيـيتها وتغيير زيتها وهلم جرا، أضف إلى ذلك أن قانون الكون يقوم على الحركة والسيارة توفر لك الحركة ولكن بجسد لا يتحرك وبالتالي تخرجك من قانون الطبيعة الذي يقول بحركة جسدك، وحين تتحرك بواسطة آلة وجسدك ثابت في مكانه فإنك تـقـتل قانون الحركة الكونية في جسدك وبالتالي في مجمل كيانك فتغادر الحقيقة والحياة الحقيقية وتعيش نفسك فطريا كوهم إنسان أو ضل إنسان، لأن فكرة الإنسان مبنية وفق القوانين الكونية وحين تعكسها فانك تخرج نفسك من الحياة في هذا الكون.. سعداء بالسرعة وعصر السرعة وهو عصر الاحتراق. احتراق الحياة. أنت تـفتـقد إلى متعة التأمل ومتعة الطبيعة فأنت تـفتـقد إلى الحياة.. نحن كائنات يملؤها الغرور وتحسب نفـسها فائـقة القدرة وجميع التاريخ السابق هو إنسان واهم والحقيقة أن العكس تماما هو الصحيح.. نحن غادرنا عصر الإنسان لندخل عصر الأوغاد.. نحن في مملكة الأوغاد العالمية..
رهيب.. رهيب هذا الفيلسوف. مطرقة نيتشه أراها أمامي. يا لها من مطرقة مهيـبة وجميلة ويا لها من وقار.. وقار الحقيقة العارية.
في الأثـناء كانت صاحبة الشعر الأحمر، تـنظر إلي بين الحين والآخر وعيناها الزرقاوان تبعثان إشعاعات كونية لذيذة في جسدي. كانت تـتـفوه بكلمات متـقطعة بين الحين والآخر تعرب بها عن سخطها من اللهاث في الحياة. من بـينها:
ـ هاري آب.. هاري آب.. حياتـنا هاري آب.. لهاث مقيت.. اللهاث الوحيد الطبيعي والجميل على السرير..
صوفي بحيرة البجع تعقب على الفيلسوف قائلة :
ـ يجب أن نناضل من أجل العودة إلى الطبـيعة.. وجه الأرض شاحب جراء جرائم عصر الصناعة والرأسمالية وشحب وجه الإنسان. حتى العبودية كانت عبودية واضحة أما الآن مشوهة.. كل شيء في هذا العصر مشوه.
قال الفيلسوف:
ـ صوفي الغاضبة الثائرة يا لروعة الشعلة المنبثـقة من كيانك الرائع.. لولا الغضب لما تـقدم التاريخ..اغضبي واغضبي واغضبي أيتها الشعلة الحمراء..
وكانت القوانين البيولوجية الحقيرة تلح علي ولم أعد أحتمل الضغط عليها للاستمتاع بجلسة السماء.. نهضت وقـلت أني ذاهب لأتخلص من ضغط الكلى، فقالت ذات الشعر الأحمر:
ـ حسب فهمي، يعني أنك ذاهب لتـتبول..
يا له من سقوط مفجع ولكننا في النهاية كائـنات حقيرة. كلنا نـتبول، بمن فينا الزعماء والأنبياء..
ولكن ما من شيء يتبخر، فرأسي مدوخ في السكر والسماء، حتى وأنا أفتح سلسال السروال، ولكن ما أن مسكت بسوئتي حتى تملكني إحساس حقير منافي للحالة العامة التي كنت أسبح فيها، ولكن في نفس الوقت لم تـقضي على متعتي وإنما هو نوع من الإحراج البسيط، لكوني أمسك بزبي لأوجهه نحو المبولة. فهذا الكائن الحقير هو ليس رمزا وإنما هو واقع الحقارة المستوطنة في وسط جسمنا تماما والذي يصر على أن ينـتـشلنا من حالتـنا السمائية الملائكية دوما. كأني أريد إقـتلاعه من مكانه. في تلك اللحظة تذكرت تاريخ الخصيان وقلت أنهم متخلصون من هذا الإحساس فهذا العضو الحقير يغدو لديهم مجرد خرطوم مياه ويفتـقد لكل حقارة مرتبطة باللهاث، وبالتالي فهم كائنات سماوية سعيدة. حتى لهاث الفراش الذي استـثـنـته الشعر الأحمر من مذمتها فهو مذموم لدي. كم أكره أن أكوم تاريخا من الحقارة..و ها هو يستـفـزني برقة ملمسه ولكنه على الأقـل نائم وهو ينفر البول لشدة الكبح الذي كبحته بفضل إرادتي الواعية. الحقيقة في الإرادة الواعية وهذا العضو الحقير هو مجرد هراء. الحقيقة الرائعة هي صوفي بحيرة البجع الملائكية السماوية والفيلسوف الجميل المهيب الرائع الواضح في أفكاره والواثق جدا من نظرته للحياة ومن رفضه للواقع، واقع الأوغاد. عصر الوغادة..
وأخيرا أتابع القطرات الأخيرة من البول بكل تؤدة وسكر وأنا مطمئن لعودتي لسمائي. وأمسح فوهة لعنتي بورق التواليت، ثم أخبئ هذا العار وكأني أريد دفنه في طيات جسدي النحيف الذي يفتـقد إلى أي طية. أخرج من فـوهة الحقارة وإذ بي أرى أمامي الشعر الأحمر مبتسما. كانت ترتدي تنورة سوداء قصيرة وساقيها عاجيتان بيضاوين تلتمعان. هذه الصورة تسكرني. عمودي اللذة الممتدتان من تنورة قصيرة. سحر الوجود هما. بهجة الحياة وألق الروح. في الحقيقة أقـف هناك ويقـف كل العالم هناك. إضافة إلى ذلك فهي لذيذة بشكل رهيب. نظرتها شهوانية وكل ما فيها شهواني وهي تدرس علم الأديان. هاجمتـني بشفتيها تـقبلني في فمي، وبسرعة سرحت أصابع يدها تتحـسس إيري.. ومن ثم، ترجعني إلى المبولة وتـفتح سلسال السروال وتجذب شعلتي فتجده قضيـبا صلبا فتغرقه في فمها، وهكذا تـنسحق كل السماءات أمامي وتـشتعل نار الجحيم الرائعة، ومؤخرتها البيضاء الصغيرة ذات التكوين الهلالي الرائع بين يدي وأنا برمحي أخترقها و تخترقـني لذة عارمة كأنها النار الحمئة المسنونة الهوجاء، وهي تتأوه بصوتها الرقيق المغري الشهواني وأكاد أطير، ويكاد، بل هو كل ما حولي انتـفى وغاب وكلي هناك أمام ردفيها وجسدها العاري المتوهج الساحر الرائع المهول في شهوانيته الماحقة....
شهوة عارمة هي، ولكن كذلك، ممارسة الجنس في مكان عام هو ثورة ومتعته رهيـبة، ورائحتها اللذيذة المُسكرة، وبياضها الساحر وليونة بشرتها الأصفى من الزبدة، و شيطانيتها الجنسية الرائعة، فبكل ثـقة في النفس تـذيب قضيـبي في فمها، وبكل ثورة تعري نفسها تماما. هي التي تعري نفسها. في الحقيقة إن كان من تأريخ واقعي في تلك المهمة في المدينة الأوربية التي قضيت فيها مدة شهر، فهي ذات الشعر الأحمر..
أما صوفي فلم أجدها حين عدت إلى الطاولة. فهمت أنها تبعتـني أو بالأحرى تبعت الشعر الأحمر، وأنها رأت ما كان بيننا هناك..
حينها،كنا في عصر ما قبل الهاتف الجوال، ولا أملك رقم الهاتف القار كما أني لا أعرف مقر سكناها. عدت إلى تلك الحانة مرارا إلا أني لم أجدها. ذهبت مرتين إلى الشقة التي حضرت فيها اجتماع الرفيق "اندريا"، إلا أنه ما من مجيب لطرقاتي. عدت مرارا إلى النهر وموعدي الأول معها هناك إلا أني لم أجدها.. اندثرت في الواقع المادي المقيت.. يا إلاهي كم أحببتها، بل هي الحب..هي الحب.. نسمات السماء هي.. صوفيا الرائعة. صوفيا الثورة الروحية الإنسانية العالمية. كم بكيت لذكراها. كم استحوذت على خيالي وكم استحوذت على كياني.. رابطي بها رهيب وشيء غير معقول، وإلى اليوم بعد كل هذه السنوات فهي منغرسة في أعمق أعماقي..
إنها تترائى لي ليس في خيالي فقط بل في الواقع.. صورة "غيفارا" التي انتـشرت كملصقات على جنبات الشاحنات والمريلات في بلدي هي بفعل أعمال "الشعلة الغيفارية" وبالتالي صوفي بحيرة البجع. "غيفارا" في المظاهرات ضد العولمة، وثم "غيفارا" تُرفع صورته في الثورة المصرية ضد الدكتاتور حسني مبارك وثم صورة "غيفارا" في ثورة اليمن لأجل الديمقراطية ودولة الحرية والعدالة الاجتماعية.. أتابع كل ذلك فتحضر صوفيا الملائكية أمامي بحضورها السمائي الثوري المستقبلي الرائع الخارق في روعته..
ـ إنـتـهـت ـ