كورونا : سؤال الأهلية بين الشيخ و الطبيب

عزيز باكوش
2020 / 4 / 4

كورونا : سؤال الأهلية بين الشيخ و الطبيب
رفع شيخ داعية قبل أسبوعين فيديو يروي فيه ملحمة تاريخية ، وتوبلها بالجائحات مستشهدا ببضع آيات قرآنية ،ومرويات وأحاديث متباينة ، عندما تنتهي من مشاهدة الشريط في حوالي 25 دقيقة ، تحس كما لو أنك أمام فقيه ضليع في محراب خطبة يوم جمعة عادي فجميع الأحاديث والمرويات معلومة لدى السامعين ، لكن الشيء غير المعلوم هو الرقم القياسي للمشاهدة ،حيت تعدى الرقم بضعة ملايين مشاهد على منصة اليوتيوب .

في المقابل وعلى الجانب الآخر، يعالج طبيب خريج جامعة الطب بفرنسا أو غيرها من المؤسسات العلمية المشهود لها بالكفاءة والخبرة الأكاديمية ، تجليات الجائحة وفق آخر ماجادت به المختبرات العلمية ، ويوجز في أساليب الوقاية ويتطرق الى خطورة الجائحة بالصورة والصوت ، لينتهي الرقم إلى بعد أسوعين الى 20 ألف مشاهدة أو يزيد بقليل هنا تحديدا . يتعمق السؤال ، لماذا يثق الناس بالشيخ الداعي ، ولا يقيمون وزنا لكلام الطبيب ؟

ليس سيئا أبدا ، أن يكون عصرنا عصر الشيوخ والدعاة ورجال الدين بامتياز. بدل عصر العلوم والمختبرات ، فمنذ 14 قرنا للشيوخ والدعاة السيادة والريادة في الوعظ والإرشاد والفتوى والتوجيه وكلامهم شبه مقدس وفتاويهم في الصدارة ، لا سيما زمن الأوبئة والجائحات . ليس لأنهم الأقرب والأنجع دائما إلى الجمهور ،في المجالس والمنتديات العائلية وعلى محراب يوم الجمعة فحسب ، بل لأن كلامهم الذي ينهل من القرآن والسنة مرغوب ومطلوب ومسموع دون أدنى تحفظ ، وآراؤهم وملاحظاتهم في المواضيع المطروحة للنقاش سديدة وقابلة للإقناع وللتطبيق على الفور بلا منازع.هذا ما يؤكده الموروث والتواترات في الرواية والنقل التاريخي منذ بداية الدعوة حتى اليوم.

ولأن المجال مفتوح وحرية الرأي مكفولة ، سوف نرى على الجانب الآخر من هذه المعادلة ، آراء وطروحات ووجهات نظر من زوايا مختلفة ، يبسطها بعض المشتغلين في مجال الفكر والأدب والفنون والعلوم ، لكنها تفكك وتركب بعيدا عن القرآن والسنة ، معتمدة آلية ومنهجية يقرها البحث العلمي الصرف، ولأنها كذلك ، أي أنها لا تنهل من الموروث الديني ، و تسبح خارج عباءة الدين ، فهي معرضة للتبخيس بالضرورة ، هذه الطروحات يتم الاستخفاف بأصحابها لأول وهلة ، و لا تحظى مضامينها بالقبول وفقا لمبدأ الاختلاف رحمة ، بل يتعرض أصحابها للتهجم وللتنكيل من قبل الجمهور ذاته ، رغم أن هؤلاء المشتغلين فكريا خارج عباءة الدين ، مؤمنون بنفس العقيدة ومتدينون
الأنكى من ذلك ، يطالبون بحرق أصحابها وشنقهم والتنكيل بهم وتلفيق تهم متعددة كالإلحاد الخروج عن الملة ، حيث تعتبر هذه التهم سببا كافيا للإدانة على الرغم من أن ما يدلون به مجرد رأي ، والرأي في الموروث الديني نفسه و عند العموم لا يفسد للود قضية .
طبعا ليس لأي أحد حق في توجيه اختيارات الناس، ولا نية لنا في تحديد أذواقها وقناعاتها ، وليس لنا أي تحفظ في قناعات الجمهور ومواقفه من هذا الرأي أو ضده ، لكن ما هو مخالف للعادة في تقديرنا ، هذه الموازنة غير العادلة لزوايا النظر ، ففي حين يحظى الفكر والأدب والثقافة والفلسفة العلوم والأجناس الإبداعية بتعدد مشاربها بحظ أقل واهتمام جماهيري لا يرقى لطبيعة وأهمية الموضوع الذي يطرحه . نجد الدروس الدينية المكرورة التقليدانية في المقدمة وعلى رأس هرم المتابعات والمشاهدات والمشاركات وهو ما تمور بها المنصات الكوكبية ومواقع التواصل الاجتماعي من إشادة بالدروس والعبر والمرويات التي يقدمها شيوخ ورجال دين من مختلف المرجعيات والايديولوجيات الدينية .
ليس لدينا استمارة موجهة ، ولم نقم باستمزاج رأي عبر منهجية علمية مدروسة ، لكن ، ما يمكن استنتاجه عبر تحويمة خفيفة على الطوندوس ،سواء عبر المكتوب الورقي والحمولات الرقمية ، أو على معظم مواقع التواصل الاجتماعي ، يؤكد هذه الحقيقة . ويشجع على مجرد طرح السؤال عن الأسباب الحقيقية لهذه المفاضلة .