الكذب … في ذكراه !

جلال الاسدي
2020 / 4 / 2

مالنا نتأفف من الكذب ونعتبره وصمة او سُبة … الا ندري ان حياتنا كلها معفرة في الكذب من الرأس حتى اخمص القدم … كذب في كذب ! اخلاقنا معظمها كذب ، ولا تمت إلى الحقيقة في شئ ، وحتى البعض يقول بان الأديان كلها كذب في كذب ، وأيضا يقال بان الرجل يجب ان يكون كذوبا ، والا فانه سيبقى ماسخا لان الكذب كما يؤكدون ملح الرجولة ، والمرأة لا تستذوق الرجل الا إذا كان مملحا بالقليل منه !
على ان لا يزيد عن حده فينقلب ضده ، فيصبح مبتذلا من كثرة الاستعمال ، ويتحول صاحبه إلى مدمن كذب ، وعندها ستخيب في شفائه كافة الوصفات … !
الأديان يجيز بعضها الكذب كما الإسلام في ثلاث لاداعي إلى ذكرها ، وإلا تحول الأمر عندنا إلى موعظة دينية وهو ما لا نريد ! لونوه فمنه الأبيض والأسود والوردي ، وهو في حقيقته كذب واحد ، وأعطوه يوما ودونوه في سجلات التاريخ … يحتفون به كل عام ويتبادلون النوادر فيه ، ويقولون : ما اجمل الكذب في الربيع ! على الرغم من ارتباط هذه المناسبة بمذبحة مروعة دبرها الاسبان للمسلمين بعد تحريرها منهم ! والغريب ان الصدق لا أعياد سنوية له … !
ويا ليته انحصر في هذا اليوم وكفى المؤمنين شر الكذب ، ولكنه يشاطرنا الحياة ويجري معنا مجرى التنفس … فهو أزلي منذ انطلاقة اول شهيق في هذا الوجود ، وسيستمر إلى الأبد لان لا حياة اجمل بدونه … فهو المنقذ احيانا ، والمضحك احيانا أخرى شرط ان تتناوله باعتدال حبة بعد الأكل ، أو ملعقة قبل النوم … أما الإفراط فيه فقد يرديك مهالك الردى …
وهو احيانا ضروري قد يخلصك من مصير لا تتمناه لنفسك ، يعمل عمل التقية كانه توأمها ، وقد نتعلق به كأمل اخير في النجاة … !
في أيامنا هذه مثلا تتلوى الألسن هامسة بالكذب ليل نهار … الكل يكذب على الكل في دائرة مضحكة ! الحكومة تكذب ، السياسي يكذب ، رجل الدين يكذب ، الرجل العادي يكذب وخصوصا على زوجته ، المرأة تكذب ، وكأن السماء تمطر كذبا ! لهذا انتشر الظلم بين العباد والخيانة الزوجية بين الأزواج … وهكذا … وهكذا
يقولون أيضا إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ، وإلا ستقع في المحظور … لهذا في أساليب التحقيق وكشف الحقائق يجبرون المتهم على اعادة إفادته عدة مرات حتى الجزع ، ويبحثون بين أسطرها عما قد يكون نسيه ، ولم يتذكره فيدمغونه في وجهه ، وتظهر الحقيقة عدوة الكذب اللدود … وينتصر الحق المظلوم دوما !
فالكذب قد يكون فنا كما الجنون … ! واحياناً يكذب المرء حتى على نفسه وهذا وارد كثيرا خاصة عندما يريد ان يوهم نفسه بامتلاك شئ يتمناه ولا يناله … يهيم متخيلا حلما عذبا يتصور فيه انه آدم في الجنة ، فيدفع بها إلى عالم ليس لها ، ولم يكن يوما مخصصا لالاعيبها فيقع ضحية اوهامه كما يقع الأعمى في الجب !
ويقول المثل ان للكذب حبل قصير واليكم الحكاية :
يروى أنه كان لتاجر غني من بغداد 10 خدام، وفي أحد الأيام تبين له أن أحدهم قد سرق منه كيساً فيه ألف دينار، أخذ التاجر يفكر كثيراً، ويبحث عن طريقة يكشف فيها السارق، وبعد تفكير عميق أعطى كل واحد من خدمه حبلاً طوله نصف متر، وقال لهم أن يحضروا إليه صبيحة اليوم التالي ومعهم حبلهم لأن السارق سوف يطول حبله 10 سنتيمترات. وفي صبيحة اليوم التالي حضر جميع الخدام، فنظر في حبل كل واحد منهم، فوجد أن جميع الحبال بنفس الطول كما أعطاهم إياها سابقاً ما عدا واحداً كان أقصر بعشر سنتيمترات ، فعرف أنه السارق .
انهي : لم يولد الأنسان الذي لم يكذب في حياته … ولن يولد !!