كيف طُردت جمهورية مصر العسكرية من أفريقيا؟ سد النهضة مجرد عنوان

أمين المهدي سليم
2020 / 3 / 30

الصومال ألغت بروتوكول التعاون مع مصر في مجال التعليم في نوفمبر الماضي، وكان قد وقع في 2015، ثم أنذرت البعثة التعليمية المصرية نفسها بالمغادرة وتسليم مدرسة 15 مايوا للوزارة الصومالية قبل 30 ابريل القادم. وكانت الصومال وجيبوتي في منتصف هذا الشهر قد أرسلتا للحكومة الإثيوبية مايفيد أنهما إنسحبا من بيان الجامعة العربية الخاص بسد النهضة، وبذلك إنضما إلى السودان، وهكذا أصبحت كل دول حوض النيل والقرن الأفريقي ضد مصر المعزولة الكسيحة المنفرة الفاشلة.
تحاول حكومة القوادين الخونة اللصوص القتلة العسكريين في مصر أن تعطي الإيهام أن هذه تغيرات مفاجئة وصادمة، وأحيانا تحاول أن تعمم أن سبب الفشل ونفور الشعوب هو التاريخ المشترك بين مصر والاستعمار البريطاني في أفريقيا، وأحيانا بسبب حملات محمد علي وأبناءه في أفريقيا، ولكن كل هذه مجرد أكاذيب ودعاية سوداء ولفتا للأنظار بعيدا عن الأسباب الحقيقية، ولأن الأمر مختلف تماما.
الخيانة والجهل والفشل في موضوع سد النهضة واهدار حقوق مصر كاملة في ماء النيل، وتضييع كل فرص التقاضي والتحكيم الدوليين، هذه الثلاثية السوداء البائسة ليست نتائج سياسات مفاجئة أو مرتبطة بشخص السيسي وجنرالاته الحاليين، هذه توجهات وسياسات مترابطة منذ 68 سنة وبتحديد أكثر منذ إنقلاب يوليو 1952 العسكري الصهيوني.
قبل هذا الإنقلاب بزعامة جاسوس الفالوجا جمال عبد الناصر، وفي ظل الحكم الدستوري المدني كان يفرض على المهندسين والمعلمين والأطباء المصريين فترة تكليف عقب التخرج تتراوح بين 3 سنوات و 5 سنوات للخدمة في الأماكن الغير حضرية في مصر وفي أفريقيا وحوض النيل تحديدا، بالاضافة لبعض الدول العربية، وكانت المدارس ومحطات الري ومقاييس النيل المصرية تنتشر في كل دول حوض النيل دون استثناء، وكانت هناك جامعة مصرية إقليمية في السودان، وكانت تلك المحطات فاخرة جدا ومجهزة بالطباخين والممرضين وملحق ببعضها عيادات ونوادي للسكان المحليين، ببساطة كانت بؤرا ثقافية ووحدات للخدمات الاجتماعية ومنارات حضارية، والأهم أن مستوى المعلم والمهندس والطبيب كان يثير الفخر، فضلا عن أن الطلاب من هذه الدول كانوا يلتحقون مجانا بالمدارس والجامعات المصرية التى كانت تنافس مدارس وجامعات الدول المستعمرة لأفريقيا. وكان في بعض هذه الدول تيارات وكتل سياسية تطالب بالوحدة مع مصر، وكانت ترسل وفودا للتأيد كلما حل بمصر حدث ما، كما حدث خلال ثورة 19.
وغني عن التعريف أن الفنون والثقافة والسينما المصرية والدبلوماسية الأرستقراطية كانت من بين مكونات القوة الناعمة المصرية.
بعد الإنقلاب العسكري الصهيوني بدأت هذه الأنشطة تتقلص وتنخفض ميزانياتها مع الخراب الاقتصادي، والأخطر أن هذه المحطات والمدارس بدأت تخضع للسفارات الممتلئة بالمخابرات والقوادين والخونة العسكريين، وتنفك من سلطة الوزارات المعنية، وبجانب بعثات الشيوخ والقسس من المتطرفين والجهلة وكلاب السلطان، ورجال المخابرات وعمليات تأييد الطغاة والإنقلابات العسكرية والعشائرية، وتوجيه التعليم الأفريقي والأسيوي كله إلى مدينة البعوث الإسلامية ومدارس الأحد، وهكذا فقدت مصر علاقتها بالشعوب، وبدأت الأعلام المصرية تحرق في دول كثيرة بالأضافة لطرد البعثات وتأميم المدارس والمحطات وفصلت جامعة الخرطوم عن مصر في ظل إنقلاب البشير والإخوان الذى دبره ودعمه مبارك ضد الديموقراطية.
وفي هذا الصدد سأعطي مثالا محزنا عن كيف كانت سياسة الحكم المدني قبل إنقلاب يوليو الصهيوني، إذ كان منصب بطريرك الحبشة عندما يفرغ بالوفاة كانت مصر ترسل أسقفا قبطيا، وعندما ينزل إلى مطار أديس أبابا يستقبله في المطار الإمبراطور هيلاسلاسي ويقبل يده ويقدم له قرارا باكتساب الجنسية الإثيوبية ويصير بطريركا لإثيوبيا، وعندما بدأ جاسوس الفالوجا عبد الناصر يمارس البايوسياسة في أفريقيا بدأ يدبر الإنقلاب تلو الإنقلاب ضد هيلاسيلاسي، وبدأ في تشجيع انفصال اريتريا واقليم الأوجادين في محاولة خرقاء ومشبوهة، نتج عنها إنفصال الكنيسة الإثيوبية عن المصرية، وعندما دبر خيانة وكارثة 67 سلمت إسرائيل دير السلطان القبطي الضخم في القدس إلى الرهبان الإثيوبيين.
أما ماله علاقة بنهر النيل ومن ثم سد النهضة؛ فقد اشترطت أميركا والبنك الدولي من أجل تمويل السد العالي في 1956 أن تدخل دول حوض النيل في المفاوضات حول إنشاءه، ولكن عبد الناصر رفض وشن حملة غوغائية مقدمة للمزيد من الجرائم، أحدها كان التأميم الغبي المغرض الخاسر لقناة السويس التى لم يستفد منها الشعب شيئا لأن بلطجية الجيش ابتلعوها، ثم تراكمت الأخطاء عندما وقع عبد الناصر معاهدة مع السودان في 59 وهى تحت حكم إنقلاب من تدبير القاهرة بقيادة إبراهيم عبود لاقتسام ماء النيل تحت زعم بناء السد العالي، وكانت هذه المرة الأولى في التاريخ التى توقع فيها دول المصب اتفاقا من هذا النوع من وراء ظهر دول المنبع، ولم تساوي الاتفاقية في ميزان القانون الدولي قيمة الحبر الذى كتبت به، والأسوأ أنها كانت معولا في هدم اسس رابطة دول حوض النيل، وزرعت روح الضغينة وسوء النية في كل دول المنابع.
لاتستغربوا إذا من افلاس مصر وكساحها وعزلتها عن كل الجماعة البشرية وفي مقدمتها أفريقيا، وليبق لنا حكم جيش الخونة والجواسيس واللصوص والجهلة والبلطجية والمخنثين العسكريين صبيان نتنياهو السفلة. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي