الدين … سلوك ، وليس عبادة فقط !

جلال الاسدي
2020 / 3 / 29

في اسوء محنة انسانية مرت بها ايطاليا في تاريخها الحديث :
( تُوفي راهب إيطالي أعطى جهاز تنفس لمريض شاب مصاب بوباء كورونا لم يكن يعرفه، وقد قضى الأب، جيوسيبي بيرارديلي، البالغ من العمر 72 عاما، نحبه في مستشفى بمدينة لوفيري بيرغامو التي تعد من أسوأ المناطق في إيطاليا التي حل بها الوباء.
من هو الأب بيرارديلي؟
جيوسيبي بيرارديلي الكاهن الرئيسي في بلدة كاسنيجو توفي الأسبوع الماضي في مستشفى لوفيري . وحسب أقوال المستشفى، فقد رفض استخدام جهاز التنفس الذي أحضرته الأبرشية التابع لها واختار إعطاءه إلى مريض أصغر منه سنا . وتناقلت الأنباء أن سكان بلدة كاسنيغو صفقوا من شرفات منازلهم عندما مر النعش من أجل الدفن، إذ لم تجر أي جنازة رسمية له. )
تعليق :
لا نخص هنا ولا نعني دينا أو متدينا بعينه على الرغم من ان بطل حكايتنا رجل دين … ! نحن نحاور ونتحاور مع الجانب الإنساني المشرق من هذا المشهد النبيل بكل روعته وجلاله في احاديث صامتة … يتردد صداها في القلوب اللينة المحبة الخيرة ، ولا علاقة لنا بالقلوب التي قدت من حجر … !
لنا جميعا في هذا الخبر الصادم في عمومه ، والرائع في انسانيته ودفئها كلامٌ يخرج من القلب وينطق بالصدق … ترطبه دموع الأسى والحزن والألم مع الناس جميعا … نرى من خلاله ان الانسانية هي روح الحياة ودينها المشترك ، وهي لغة واحدة وثقافة عامة تجمع كل شعوب الأرض ، وحياة بلا إنسانية كجسد بلا روح … ! والإنسان موقف !!
اذ لا معنى لأي دين أو متدين مهما كان شكله أو لونه … حالما محلقا لوحده في ملكوت أوهامه ، أم حاطا على الأرض ملامسا الواقع … لين القبضة ام شديدها … إذا كان يخلو من نكهة الإنسانية ومذاقها الطيب ، وما تحمله وتبشر به من خير عام لعموم البشر ، وليس لنوع معين دون غيرهم … !
وما قام به هذا الراهب له معاني ودلالات تحتاج الى عمر طويل لاستيعابها … وخليق بها ان تُقرء ، وتؤلف فيها كتبا ! وهي خير الف مرة ممن يؤدي الصلاة آليا كما يحلق ذقنه ، أو كما يعقد رباط عنقه بفكر مشغول بأي شئ … إلا الصلاة نفسها ، ومعانيها وغاياتها !
وخير ممن يبخ كراهيته وحقده في وجه أي شخص يختلف معه في الدين او المذهب ، أو يخالفه الرأي فيهما ! ومن يتوهم ان الدين … أي دين الأهم فيه العبادة المجردة ، وحركاتها الآلية المنسقة فهو واهم ويسئ للدين بقصد أو دونه ! الدين … يفترض ان اهم ما فيه هو السلوك الخيِّر ، والانتصار على هوى النفس وكل ضعفها وخورها !
ليس سهلا احيانا ان تتنازل عن مكانك في طابور الدخول إلى صالة السينما مثلا ، أو مالك ان كنت في غاية الكرم والشهامة إلى شخص آخر لا تعرفه … فكيف بحياتك كلها أو ما تبقى من سنينها بقناعة وطيب خاطر ؟!
ليس واردا ان يتجرد البشر من أنانيتهم وجشعهم وطمعهم في احتواء كل شئ ومنها حياة اطول ولو بساعة واحدة ، ويسمون فوق الاعتبارات الأنانية الزائفة وعبوديتها … كما فعل هذا الرجل الذي حجز له مكانا في الخلد … يليق به ، ولا يتشرف به الا أُناس من امثاله الذين لا يجود بهم الزمان الا ما ندر !
الخير برعم مزروع في داخل كل أنسان ، فيهم من يرعاه وينميه ، وياخذ به نهجا في الحياة ، وفيهم من يهمله ويشوهه ويوليه ظهره … !
والناس معادن … !