إعصار الكورونا يشل حركة الحياة .

يوسف حمك
2020 / 3 / 29

كانت الحياة نابضةً بالنشاط ، وافرةً بالحركة ، غزيرةً بالدأب و المثابرة ، معنيةً بمشاغل الناس . بالرغم من الحروب و مخلفاتها من المجازر و الفظائع و أعمال النهب ، و تدمير وجه البلاد الجغرافيِّ و الديموغرافيِّ و الإبادة الجماعية ، و أمواج الناس المبعثرة تشريداً و نزوحاً ، و هدم معالم المجتمع من كل الجوانب . و ناهيك عن أشكال الاحتلال و المزيد من مسميات العدوان .

إلا أن صادفتنا صفحةٌ هامدةٌ راكدةٌ من صفحات الحياة .
و لأول مرةٍ قدرة الجبابرة و الطغاة باتت مشلولةً ، تتساوى مع قدرة المستضعفين المعدومة بالأصل . في كفتي الميزان تتعادل القوتان .
و لسخرية القدر أمام جبروت الكورونا كلتاهما منبطحتان .
و في مواجهة أصغر و أدق فيروسٍ ينحني القاهر ، و يمتثل المتكبر قبل المقهور المنكسر .

المشاعر تبلدت ، و الأحاسيس في طريقها إلى النضب ، و جداول الحب لم تعد تنساب بغزارةٍ ، و صدى الصوت يعود إليك متصحراً يابساً ، و عمق الروح طالته أكسدة البلادة و الكسل .
رضوخٌ و استسلامٌ ، و حالة ذعرٍ في أوج نشاطها .

و لأن قدرة المختصين المتمرسين و حنكة المتحكمين غدت معدومةً لدفع البلاء ، فالعضلات في حالة استرخاءٍ ، و النبض منخفضٌ إلى درجة الخدر ، و هرمون التوتر ينعش بشكلٍ متسارعٍ ، ولا شيء يحفز الحركة بوتيرةٍ أسرع .
كوابسٌ مرعبةٌ .. اضطراب النفس ... اختلال النوم ......
الطرقات أطبقت أحداقها مستسلمةً لنعاسٍ ثقيلٍ ، البيئة كلها هامدةٌ ، و عزيمة الشوارع خاملةٌ تتأرجح بين اليقظة و النوم ، و الأرصفة موحشةٌ كئيبةٌ يسكنها صمتٌ مطبقٌ .
محطات القطار ينتابها ألم صدمة فقدان زحامها ، و تختزن في أحشائها وجع غياب ركابها و النزلاء .
المدارس تعطلت ، و الجامعات و المعاهد قاعاتها من طلاب العلم أُفرغت بالمطلق ، كما كل المؤسسات التعليمية .
الأنشطة التجارية محظورةٌ .. المحلات و صالونات الحلاقة أُقفلت أبوابها ، يستثنى منها متاجر الأغذية و مخازنها و الصيدليات و المرافق الصحية .
الشركات العالمية الكبرى توقفت أعمالها ، كما الحدائق العامة و صالونات التجمهر للأفراح و الأتراح .
الزيارات بين الأحبة و الأقارب اُمتنعت ، و الخمول أوصلهم إلى عالم السكينة و الوجوم .
حتى دور العبادة أضحت خاويةً مهجورةً ، و من ضجة التراتيل و التكبير و رنين النواقيس بكماءٌ خرساءٌ ، لم يعد يُسمع فيها سوى صدى نعيق البوم .
حالة طوارئ عامةٍ تعم البلدان شرقاً و مغرباً ، و العالم كله يتحصن و يتقوقع ، و يمارس إجراءاتٍ احترازيةٍ لكبح انتشار فيروس كورونا اللعين .

سخريةٌ لاذعةٌ من شلل قوة المتحكمين بالعالم في مواجهة سطوة كورونا .
فيروسٌ تافهٌ ألقى العالم كله في رعبٍ و ورطةٍ ، يصعب الخلاص منها .
يلثم خد القويِّ المستحكم ، و يمد إليه يد الموت قبل العاجز الخائر ، ليعيش الناس في أسوأ أيامهم .
وباءٌ متغطرسٌ أكان وجوده مفتعلاً مصطنعاً أو تلقائياً عفوياً ، فهو القاهر الغالب ، و حتى اللحظة فهو منتصرٌ و فائزٌ .
و في مقابل بأسه لا أمان ولا طمأنينة ، و كأن الحياة بلغت خريف عمرها تنتظر النهاية .
لم يعد هناك ما يردعه حتى اللحظة سوى سلاح الصدفة ، و الأنظار كلها برسم ترصد المحصلة و ترقب الختام ، لتخطي حواجز الحيرة و إعادة سريان الدم في أوردة الحياة المتفائلة بالطمأنينة و الجمال ، و نمو بذور الحب و التواصل و المواظبة على العمل و الإبداع .