ما بعد المسألة الأوربية: مصر وسد النهضة وكورونا والصهيونية

حاتم الجوهرى
2020 / 3 / 27

أطرح في هذا المقال نموذجا استشرافيا معرفيا حرجا ودقيقا للغاية، يستشرف مرحلة جديدة من تاريخ البشرية يمكن تسميتها "حقبة ما بعد المسألة الأوربية"، وفيه أُعَرفُ "المسألة الأوربية" بأنها تلك المرحلة التاريخية من حياة البشر التي تحول فيها النموذج المادي الأوربي (بتمثلاته الليبرالية أو الماركسية) إلى "نمط سائد" بالقوة الناعمة أو الخشنة، ومحاولته استيعاب وتفكيك كل ثقافات العالم الأخرى داخله، والتعالي على تمثلاتها التي ترتبط بالقيم أو الأخلاق أو الدين أو العادات الموروثة، كرد فعل على "اللحظة الخاصة" بظهور المسألة الأوربية، وأزمتها مع رجال الدين منذ العصور الوسطى.

في هذا النموذج الذي أطرحه أرى أن جائحة "كورونا" جاءت في توقيت متشابك ومفصلي للغاية، لأنها جاءت في خضم آخر محاولات الهيمنة الصادرة عن "المسألة الأوربية" التاريخية، التي تمثلت في ترامب/ أمريكا تجاه أهم مركزين حاولا تجاوز "المسألة الأوربية" في القرن الجديد، وهما النموذج الصيني والنموذج العربي (في مصر وصفقة القرن وسد النهضة تحديدا).

كانت آخر محاولات الهيمنة مع الصين حربا تجارية خارج الاتفاقيات الدولية، صمدت فيها وكانت ندا لأبعد حد. وكانت آخر محاولات الهيمنة مع النموذج العربي "صفقة القرن" لكسر همة دعاة الثورة العربية وطموحهم لـ "استعادة الذات" وتفوقها، خاصة بعد تفكيك المؤسسات الأممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وتجاوزها. والحقيقة أن ترامب ليس أحمقا أبدا كما يبدو للبعض! لأن الصين كانت مؤشر القوة الخشنة/ المادية لما بعد المسألة الأوربية بتطورها الصناعي والتقني الهائل، والعرب كانوا مؤشر القوة الناعمة/ الروحية بثورتهم "القيمية" خارج شعارات المسألة الأوربية (الليبرالية والماركسية).

أطرح في هذا النموذج أن الدخول لـ"حقبة ما بعد المسألة الأوربية" سوف يتم في عدة مراكز ومواقع ساخنة ونشطة في العالم، أهمهما المنطقة العربية (وتحديدا مصر) ومنطقة الصين، حيث أرى أن هذين المركزين سيكونان أهم نقاط التدافع الحضاري وصولا لـ "حقبة ما بعد المسألة الأوربية"، وسأركز في جُل هذا النموذج على مصر فقط التي أرى أن موقفها من "سد النهضة" في هذه اللحظة الراهنة بعينها، سيكون "نقطة تحول" في مشروع الهيمنة الذي تمثله "المسألة الأوربية" في تمثلها الأخير مع ترامب/ أمريكا، وأيضا في مواجهة الصهيونية وبدء الطريق لتذويبها في الحاضنة العربية الناهضة، وباعتبار الوقت عامل مهم للغاية في النموذج الذي أطرحه لأن الفرصة الزمنية المتاحة أمام مصر قصيرة للغاية، ولا تتعدى هذا الصيف المقرر فيه أن تبدأ أثيوبيا في حجز ماء النيل والانتهاء من السد.

توقيت جائحة "كورونا" الحرج حضاريا للغاية

حقيقة المصادفة أو مشيئة القدر هي التي جاءت في هذا التوقيت الحرج للغاية بـ "جائحة كورونا"، بعد مسيرة من الحرب التجارية على الصين، والضغط على مصر لقبول "صفقة القرن" من خلال "سد النهضة"، لب النموذج الذي أطرحه هنا هو العلاقة التي نشأت ربما بالصدفة، بين الجائحة وبين محاولة أمريكا الهيمنة على الصين ومصر، وتمديد صلاحية تمثلات المسألة الأوربية الفلسفية والأيديولوجية والفكرية واقعيا، وأقدم في تصوري هذا أهمية الوعي بـ"مفصلية اللحظة" التاريخية للتحرك العاجل في مواجهة "سد النهضة" في ظل "متغير كورونا" الجديد، مقيما علاقة بين عدة متغيرات هي: جائحة "كورونا"، وسد "النهضة"، والصهيونية، وأمريكا، والصين، ومصر.

"سد النهضة" أحد "عتبات" التدافع الحضاري
وصولا لما بعد المسألة الأوربية

خلاصة النموذج الذي آطرحه والعلاقة بين هذه المتغيرات؛ أن الدخول لـ"حقبة ما بعد المسألة الأوربية" سيكون في عدة مواقع موزعة بالعالم أو سمها "عتبات" للتدافع الحضاري، ستشهد هذه المواقع المعارك الخشنة أو الناعمة للدخول في "حقبة ما بعد المسألة الأوربية"، واحدة من أهم هذه "العتبات" ستكون في النموذج العربي، وسيكون فيها على مصر المبادرة وانتهاز اللحظة التاريخية، للولوج لعالم "ما بعد المسألة الأوربية" وتحقيق التفوق إقليميا ودوليا.
هذه العتبة في النموذج العربي/ المصري على وجه الدقة؛ هي إما ضبط مشروع سد النهضة على المواثيق الدولية بالتفاوض والقوى الدبلوماسية الناعمة التفاوضية، أو حال إصرار أثيوبيا على مخالفة القوانين ورفض القوى الدبلوماسية الناعمة، لابد حينها من لجوء مصر للقوة الخشنة، بعد شرح وجهة نظرها للعالم وتحديث خطابها الدبلوماسي الناعم وفق الوعي بمفصلية اللحظة الحضارية وأحقيتها فيما تدعو له، لوقف فرض "قواهد اشتباك" سياسية وعسكرية جديدة بالمنطقة.
أعطي هذه الخطوة أهمية كبرى في عالم ما بعد المسألة الأوربية، لأن أمريكا والصهيونية هما من يقفا وراء مشروع سد النهضة، ولأن الصهيونية هي المركز أو "العتبة" الوحيدة الكبرى المتبقية من تمثلات الهيمنة والاستعمار والاستعلاء الأوربي على العالم (سواء بتمثله الماركسي أو الليبرالي).

سد النهضة نقطة تحول النموذج العربي مع الصهيونية
وكسر شوكة تمثلات ونتاجات "المسألة الأوربية" البالية

حقيقة الأمر أن كسر شوكة "سد النهضة" سيكون أحد أهم مؤشرات الدخول لـ"حقبة ما بعد المسألة الأوربية" بتمثلاتها، وسيكون نقطة التحول في الصراع مع الصهيونية وبداية تحجيمها وتذويبها الحضاري في النموذج العربي الجديد، ومنظومة قيمه الحضارية الكامنة داخل طبقات "الثورات العربية"، خاصة بتصالح "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري مع مطالب "الثورة"، والوعي بموضوعية الانتقال لدولة المؤسسات ذات التوصيف الوظيفي المنضبط، وكذلك الوعي بالقيمة المضافة لإعمال "الفرز الطبيعي" لأفضل المواهب الموجودة في المجتمعات العربية، وتصحيح بنية "التراتب الاجتماعي" لتقوم على العدالة والكفاءة، وتقديم "نمط حضاري" سائد جديد يقوم على المجتمع الفعال، و"الثورة القيمية" على تراكمات السياق التاريخي الخاص بالذات المصرية (والعربية لحد بعيد)، ذلك الذي اعتمد على "التكيف" وأخلاقه ومنظومة قيمه، ليكون تصور "الثورة القيمية" في النموذج العربي هو أحد أهم محطات أفول "المسألة الأوربية" وحقبتها، والدخول لما بعدها.

مؤشرا ما بعد المسألة الأوربية: القوة الناعمة عربية والخشنة صينية
(الثورات العربية، وصعود طريق الحرير)

كان العالم يعيش لحظة مفصلية شديدة التدافع بالفعل في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي شهدت بروز متغيرين رئيسين، الأول هو ظهور "ثورات الربيع العربي" وأثرها على النموذج القيمي/ الأيديولوجي المُتخيل الأوربي (ليبرالية وماركسية)، والثاني هو تطور النموذج الحضاري الصيني بفكرة تقديم البديل لكل أبنية الغرب الصناعية والتقنية، وأثره أيضا على فكرة مركزية التجربة الأوربية وجناحيها المتخيلين لإحداث النهضة (الرأسمالي والشيوعي)، كانت البوادر تبشر بشدة بقرب تجاوز المسألة الأوربية ودخول البشرية حقبة ما بعدها، حاول التدخل الأمريكي/ الغربي تعطيل النموذجين وكان أقرب للنجاح مع النموذج العربي، بوصول ترامب للسلطة ومشروعه لتركيع العرب/ مصر عن طريق "سد النهضة" لتمرير "صفقة القرن".

متغير "جائحة كورنا"
وأثره المباشر على المُقدس الأوربي الناعم (الليبرالية والماركسية)

ظهور متغير "جائحة كورونا" وساقته المقادير ربما ليتمم مرحلة من تاريخ البشرية، كانت كل الحلقات تضيق على النموذج العربي وتحاول تثبيط النموذج الصيني في الوقت نفسه، لقد شغلت المسألة الأوربية العالم وأردات أن تتحول لديانة عالمية جديدة وتبتلع كل الثقافات خارجها، دعونا نعيد تعريف "المسألة الأوربية" باختصار بأنها حالة الرد فعل تجاه سيطرة نموذج ديني على أوربا في العصور الوسطى، دفعتها لإنتاج فكرة مركزية مضادة لهذا النمط تقوم على العلمانية/ المادية البحتة ونبذ القيم الروحية والأخلاقية، وأنتجت المسألة الأوربية صراعا داخليا مركزيا حاولت أن تصدره للعالم، وهو صراع جناحيها العلمانيين الماديين في الشكلين الليبرالي (الرأسمالي) والماركسي (الشيوعي)، والأصل في واقع الأمل أنهما وجهين لعملة واحدة، وهي المادية المفرطة والحساسية النفسية الحادة تجاه القيم الروحية/ الأخلاقية/ الدينية، بحيث إذا قلنا متلازمة (سيندروم) المسألة الأوربية لابد أن يتبادر للذهن على الفور أن المقصود بها، هو الحساسية المفرطة تجاه الجانب الروحي والقيمي والأخلاقي والديني في الظاهرة البشرية، التي انتقلت لأتباع التيارين المتنافسين (والمترافقين في الآن نفسه) عبر العالم.

المسألة الأوربية والتأثير المزدوج (الفعل ورد الفعل):
حركة الاستعمار وحركة التحرر

أزمة المسألة الأوربية أنها حاولت ضبط كل تمثلات الوجود البشري حول صراعها المركزي بين جناحيها الماديين العلمانيين، أو ما بين الماركسية والليبرالية، وقدمت تعاليا معرفيا متعجرفا ونافيا للآخر للغاية إزاء كل الثقافات الأخرى وتمثلاتها الثقافية والاجتماعية، وحاولت ليّ عنق معظم الثقافات التابعة لها لتأخذ إما هذا التمثل أو ذاك، واتسم القرن الماضي بأنه كان قرن ثنائية المركزية الأوربية بامتياز، وأقصد بالثنائية هنا مستوى آخر وهو أثر المسألة الأوربية عن إنتاج فعل ما يولد بدوره رد فعل مضاد له، والمثال الرئيسي لهذه الفكرة هو ظهور حركة الاستعمار كفعل نابع من المسألة الأوربية ثم ظهور رد فعل مضاد لها في حركات التحرر منها، حيث تبلور مثلا مشروع الاستعمار الغربي حتى ما قبل الحرب العالمية الثانية، ثم ظهور الرد فعل عليه المتمثل في دول ما بعد الاستقلال وأنظمتها الأقرب للعسكرية بعد الحرب ذاتها.

نجاح النموذج الصيني
وكبح "الصهيونية" -تمثل المسألة الأوربية- للنموذج العربي

أما مع نهايات القرن العشرين ودخول القرن الحادي والعشرين، نجحت بعض النماذج في تجاوز مرحلة "دولة ما بعد الاستقلال" سواء اجتماعيا أو صناعيا أو عسكريا (وهذه نقطة مفصلية مهمة وأحد نقاط الاتكاز في الإشارة لظهور حقبة ما بعد المسألة الأوربية)، ونجحت بعضها في التمرد على تمثلات المسألة الأوربية وقوالبها الجاهزة لتحقيق التنمية كالنموذج الصيني مثلا، وبدرجة أقل حدثت طفرات مماثلة في الهند والبرازيل وتركيا وغيرهم، ورغم أن النموذج العربي قدم في مطلع العقد الثاني من القرن الجديد مفارقة "الثورة القيمية"، بعيدا عن تمثلات المسألة الأوربية وصراعها التقليدي بين اليمين واليسار وتمثلاتهما في العالم العربي، إلا أن الثورة العربية فشلت في اختراق الطبقة السياسية السميكة وتشوهاتها ولم تفشل أبدا في النفاذ لقلوب الناس والتعبير عن المسكوت عنه والمقهور فيهم، إنما ليستمر انعقاد حال النموذج العربي عند "دولة ما بعد الاستقلال" وتثبيت معادلاتها، بسبب آخر دعم استمرار تراتبات القرن الماضي في الحالة العربية وتمركزها حول المسألة الأوربية، وهو وجود دولة الهيمنة و"الكبح الوجودي" التي زرعها الغرب أي "إسرائيل"، حيث "إسرائيل" في حقيقتها العارية هي التمثل الأبرز للمسألة الأوربية في العالم، في شكلها الليبرالي والماركسي أيضا على عكس كل ما يظن أو يروج بعض المثقفين العرب.

الصهيونية ربيبة المسألة الأوربية وتمثلها الأبرز (ليبرالية وماركسية)
ويعد تذويبها أحد أهم "عتبات" الولوج لـ"حقبة ما بعد المسألة الأوربية"

أقصد أنه على عكس ما يروج معظم المثقفين العرب المتأثرين بالثقافة الماركسية تحديدا، كانت الصهيونية نتاجا ووليدا لجناحي المسألة الأوربية الماركسية والليبرالية معا، ولم يكن أحدهما ضدها والآخر معها! حيث دعمها السوفيت الماركسيين طمعا في أن تكون دولة للاحتلال التقدمي (مثلما اشترط عليهم لينين في الكومينترن أو المنظمة الشيوعية العالمية)، ودعمتها بريطانيا الليبرالية لتكون مخلبا لها في الشرق العربي (وعد بلفور وما تلاه) وترعي مصالحها بالشكل الليبرالي الرأسمالي، جناحا المسألة الأوربية كلاهما دعما الصهيونية في العالم العربي وأردا لها أن تكون تمثلا إما ماركسيا أو ليبراليا، كانت الصهيونية بلا منازع هي الابن الشرعي الأكثر حضورا وتأثيرا للمسألة الأوربية، وأي تعامل معها خارج هذه المقاربة سيفتقد لأطر الصورة الكاملة، بل أدلت الوجودية الأوربية بدلوها في الأمر أيضا وبسطت جناح ولايتها على الصهيونية، فقدم جان بول سارتر فيلسوف الوجودية الأبرز في القرن العشرين أطروحته حول "الصهيونية الوجودية"، ودعمها في كتابه المعروف "تأملات في المسألة اليهودية".


ما بعد "سيندروم" (متلازمة) المسألة الأوربية
تجاوز رهاب الأخلاق والقيم والروح والدين

من ناحية أخرى ولنعود للتعميم في بناء نموذج "حقبة ما بعد المسألة الأوربية" ودور مصر المفصلي فيه، في هذه اللحظة الراهنة تحديدا (فترة الشهرين المقبلين أو الثلاثة)، لنقول أن انتصار مصر في ملف سد النهضة ومعه استمرار وصمود النموذج الصيني، سيؤدي في المحصلة النهائية وبعد تحولهما لنمط يحتذى، لتجاوز "سيندروم" (متلازمة أو عقدة) المسألة الأوربية، المرتبط بـ"فوبيا" (رهاب) الأخلاق والقيم والروح والدين، خاصة بعد ما سببته "جائحة كورونا" من أزمة لقيم المجتمع المادي الغربي ، وتسريعها لعملية ظهور الأزمة الأخلاقية ببعدها المادي القح في أوربا، والتي جسدتها بعض التصريحات حول "مناعة القطيع" التي قدمها رئيس الوزراء البريطاني، وتصريحات ترامب الرئيس الأمريكي حول أهمية استمرار الاقتصاد والحفاظ على الوظائف على ما سواه! ستسرع هذه التصريحات وموقف الاتحاد الأوربي الذي يعتبره البعض متأخرا للغاية فيث نجدة إيطاليا، وظهور بعض عمليات القرصنة تجاه شحنات المساعدات الطبية، ستسرع ربما من عملية تبلور النموذج الصيني كمركز اقتصادي ومالي وتقني كبير، نجح في السيطرة على الجائحة ببروتوكولات مشددة، وسيظل النموذج العربي الناعم (الثورة القيمية) ينتظر المصالحة بينه وبين "دولة ما بعد الاستقلال" ليكتمل جناحا البديل الناعم (العربي) والخشن (الصيني) لـ"المسألة الأوربية" وتجاوزها.
إذن سيظهر عندنا نتاج أول للظرفية التاريخية ككل، وهو تراجع النموذج الأوربي وتفجر أزمته داخليا بعيد عن متلازمة المسألة الأروبية التاريخية (الحساسية تجاه القيم الروحية والأخلاقية)، أي أن النموذج سيكون قد أكل نفسه أو تجاوز ظرفيته التاريخية تماما التي تمفصلت حول أزمة العصور الوسطى وتراتبها السياسي الاجتماعي، وستتبلور تيارات جديدة داخل النموذج الأوربي تبحث عن تمثلات حضارية جديدة خارج تمثلات المسألة الأوربية المتعددة ليبرالية وماركسية، أي عمليا سنكون داخل مركز ظهور "المسألة الأوربية" وتبعاتها؛ قد دخلنا بالفعل في "حقبة ما بعد المسألة الأوربية".

"عتبة" النموذج الصهيوني وتذويبه في النموذج العربي الكامن
ما بعد المسألة الأروبية ووضبط ملف "سد النهضة"

إن أبرز تمثلات المسألة الأوربية والمعقل الرئيس المتبقي لهيمنتها في العالم هو الصهيونية ودولتها، كاد ترامب أن يضغط بقوة ليمرر ملف "سد النهضة" كورقة ضغط على مصر لتقبل بتنفيذ صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، "جائحة كورونا" جاءت في وقت حساس للغاية من الضغط على مصر (لتصب أيضا في صالح مصر)، والمدهش واللافت للنظر أنه سيكون هناك أثر إقليمي وعالمي لملف "سد النهضة" في الدخول مرحلة "ما بعد المسألة الأوربية"، أقصد أن مصر إذا أوقفت محاولة تغيير "قواعد الاشتباك" الأساسية معها بصفتها دولة المحور في العالم العربي، فستكون قد شاركت في وضع لبنة كبرى أساسية في نظام "ما بعد المسألة الأوربية" التي كانت ترعي الصهيونية، مصر تملك الفرصة الآن إذا حجمت "الملف الإثيوبي" لتبدأ في تثبيت الهيمنة، ومن ثم دفعها للوراء بالتصالح مع المشروع الحضاري لـ "ثورات الربيع العربي" كإضافة للأمن القومي المصري والعربي، سيكون أحد مؤشرات حقبة ما بعد المسألة الأوربية، هو قدرة النموذج العربي على ردع هيمنة الصهيونية وتذويبها شيئا فشيئا في النموذج الحضاري الكامن الذي قدمته "الثورات العربية"، ودعوتها لـ"استعادة الذات" والالتزام بـ "مستودع الهوية" الخاص بها.

الخاتمة:
سيناريو محتمل لصعود النموذج المصري وأمنه القومي
(من شهرين إلى ثلاثة للتنفيذ وإلا فلا.. )

الظرف الاستراتيجي مهيأ للغاية لكي تستعيد مصر المبادرة وتؤكد على أمنها القومي، وعلّ "جائحة كورونا" هي "نقطة التحول" والمصادفة النافعة التي أشرت لتحينها والبحث عنها في مقال سابق، للتحول للقوة الخشنة في التعامل مع الملف ردا على سياسة "حافة الهاوية" التي اتبعها ترامب في إدارة الملف معنا مع خلال الطرف الأثيوبي.

إذا تحركت مصر الآن وقدمت الشكوى لمجلس الأمن وباستخدام كافة أشكال التصعيد البروتوكولية ذات الصلة المتبعة، بضرورة إجبار أثيوبيا على الوقف الطوعي للعمل في السد لحين الاتفاق على شروط تشغيله وبناءه، وإذا لم تلتزم أثيوبيا بالأمر وبعد حشد الرأي العالمي لعدالة الموقف المصري ووجاهته، لابد حينها من التحرك العسكري وفق المحدد الذي سبق وأشرت إليه –في مقالة سابقة- وهو "ضبط رد الفعل" العسكرى الإثيوبي وتحجيمه، وما يتطلبه ذلك من إجراءات عسكرية حاسمة يعمل عليها المتخصصون ويحددونها.

الآن هو الوقت المناسب للغاية للطرق على الحديد وهو ساخن، أمامنا مدة من شهرين إلى ثلاثة، أثيوبيا إذا لم تحترم ما يمر به العالم من ظروف قاسية مع "جائحة كورونا"، ولم توقف من نفسها مخططها لحجز المياه من طرف واحد ودون اتفاق عادل هذا الصيف يخضع للأعراف الدولية، على مصر وبعد الحشد السياسي والعسكري التأكيد على "قواعد الاشتباك" السياسي والعسكري القديمة، وضرب السد دون هوادة ومعه كل ما يشير به الفريق العسكري الذي سيكلف بالمهمة، تحت عنوان ومحدد سياسي واضح ومعلن هو "ضبط ردالفعل الأثيوبي" أيا كان ما يتطلبه ذلك المحدد.

وستكون مصر قد قدمت بذلك أحد المحطات المهمة في التأسيس للنموذج العربي واستعادته، وفي تحجيم الصهيونية والعمل على تذويبها في المحيط العربي، والأهم وضع لبنة رئيسية في "حقبة ما بعد المسألة الأوربية" والولوج إليها، بالتوازي والتنسيق مع النموذج الصيني.