ظاهرة المؤقتين الجدد وضمور المرجعية الوطنية (1-4)

ميثم الجنابي
2020 / 3 / 26

ظاهرة المؤقت وعابرو السبيل!


إن استقراء التاريخ السياسي للأمم يبين بأن ظاهرة المؤقتين أو العابرين عبر ممرات السلطة ودهاليز المغامرة القذرة هي الصفة الملازمة لمراحل الانتقال العسيرة، أي المراحل التي تشكل الانقلابات الراديكالية فيها نتاجا لصدفة طارئة أو تدخل أجنبي أو انحطاط للدولة والنخب. وهي الحالة المجتمعة في ظروف العراق الحالية. فقد جسدت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية مقدمة وشرط الانحطاط الشامل في الدولة والمجتمع والنظام السياسي والثقافة. مما افرز بدوره ظاهرة انحطاط النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وليس مصادفة أن تبرز وتنمو ظاهرة المؤقتين بين النخبة السياسية بوصفها الصيغة الأكثر إثارة وإشكالية بالنسبة لآفاق البديل الوطني العراقي والديمقراطي الاجتماعي.
وإذا كان من الصعب إطلاق تسمية المؤقت على إنسان أو فئة أو حزب، انطلاقا من أن لكل شيء اجله، فإننا نعلم أيضا، بأنه لا يظهر شيئا في الوجود إلا وقبله ضرورة. بمعنى أن ظهور الأشياء والأفعال محكوم بمنطق ما كانت تدعوه الفلاسفة القدماء بصيرورة الكون والفساد، أي النشوء والفناء. وهو أمر يجعل من الممكن فهم ماهية المؤقت بمعايير الرؤية الواقعية، لكنه لا يبررها من حيث كونها ظاهرة سياسية. وذلك لان «منطق» وجود الأشياء محكوم بسببية انسيابها في وحدة الظواهر، بينما حالة وجودها في العلاقات السياسية بشكل عام وعند النخبة السياسية بشكل خاص هو خروج على منطق السياسة بوصفها فن وعلم إدارة شئون الدولة بما يكفل ضمان وحدتها وفاعليتها في تحقيق مهماتها الذاتية.
فعندما ننظر إلى حالة وفكرة المؤقت في وجود الأشياء، فإننا نستطيع تحسس وفهم بل وتذوق طابعها المفارق بما في ذلك في وجود الإنسان. بل يمكننا القول، بان المفارقة الكبرى لظاهرة المؤقت فيه تقوم في أنه يمثل بحد ذاته تجسيدا محيرا لها من وجهة نظر العقل والمنطق. وذلك بفعل تضارب وجوده ووجدانه. فوجوده مؤقت ووجدانه يسعى للخلود. وهو تناقض لا يحسمه في نهاية المطاف سوى الموقف الأخلاقي للإنسان نفسه. وليس اعتباطا أن تواجه الدعوة الإسلامية منذ بدايتها فكرة الزمن الساري بالزمن الأخلاقي، أو فكرة الدهر الفاني بفكرة الإحياء الخالد. فالدهر الذي رفعته الجاهلية إلى مصاف المنشئ المفني لكل وجود وموجود كان يتضمن الإقرار بالقوة العابثة في ترتيب الأشياء، ومن ثم الإقرار بوجودها العرضي. وعادة ما تؤدي هذه الرؤية في النهاية إلى صنع منظومة العبث. وهو الأمر الذي يدخلها أيضا في صراع مع الرغبة الجامحة في رؤية النظام في وجود الأشياء والعلاقات. وهو تعارض وجد صيغته الأولى في منظومة القبيلة بوصفها القوة التي تحكم عبارة العقل، وهاجس الوجدان، ونطق اللسان، وحركة الأيدي والأرجل، واندفاع الجسد الفردي والجماعي. لكنها تبقى مع ذلك عاجزة عن صنع وتأسيس الحق المجرد. فالحق المجرد هو المتسامي فعلا عن ابتذال «منظومة العبث» أيا كان نوعها. وليس اعتباطا أن يكون الرد الإسلامي الأول على هذا العبث بحقيقة بسيطة تقول بان كل شيء هالك ويبقى وجه ربك ذي العزة والجلال. فالمال والبنون وكل ما ارتقى إلى مستواها من قوة أو اعتقاد هي مجرد ظنون عرضة للزوال. وهي حقيقة أبدية مازال الإنسان نفسه عرضة للزوال بوصفه جزء من تاريخ الزمن الساري، أي العادي والمؤقت.
لكن الزمن قابل للتمحور في اتجاه الخلود الفعلي حالما يصبح مرآة ينعكس فيها وجه الحق. إذ لا يعنى الإله ذي العزة والجلال سوى المقدس الفعلي الذي يسمو عن الابتذال بمعايير ما هو عرضة للزوال السريع. فالمال والأبناء والجاه (السلطة) هي أجزاء من تيار الزمن الساري ما لم تتحول إلى ذرات في فلك الحق، أي ما لم يصبح الحق معيار ومحك الكينونة الفعلية للفرد والمجتمع والدولة. وبهذا المعنى فقط لا اعتراض على المؤقت من حيث كونه جزء من ظواهر الوجود. بل يمكن اعتباره فضيلة، لأنه ينتزع منا على الأقل وهم الخلود المزيف. لكنه يصبح رذيلة حالما يتحول إلى جزء من «اختيار» سياسي واجتماعي واقتصادي، أي حالما يصبح موقفا تمليه رؤية أو نفسية عابرة. حينذاك يصبح المؤقت نفيا للخلود القائم في الحقيقة القائلة، بان هلاك الأشياء هو توكيد لحقيقة المطلق. وهي حقيقة تتجسد بصور شتى، لكنها تشترك في تعبيرها عن مساعي الإنسان لتأسيس فكرة الحق أو الجمال في العقل والضمير والوجود.
ويقف العراق الآن أمام هذه الإشكالية المؤرقة لعقله وضميره ووجوده، باحثا عن مطلق يقيه التخلص من رذيلة المؤقت التي حكمته في غضون أربعة عقود متتالية من القهر والطغيان. وتبرهن عقود الزمن هذه على أن الاستبداد عرضة للفناء السريع كما لو انه لم يكن شيئا. وتبقى حقائق التاريخ الفعلية القائلة بان المطلق الوحيد في تاريخ الأمم هو قدرتها على صنع انسجامها الذاتي، أي صنع مرجعيات ثباتها مع النفس.
إذ لا مرجعيات، كما يبرهن تاريخ الأمم جميعا، غير مرجعيات الحق والحقيقة والعدل والنظام والحرية والمساواة. إذ تؤسس هذه المرجعيات من حيث الجوهر لماهية الثبات الديناميكي، الذي أكثر ما تحتاجه النخب السياسية من اجل نقل العراق من عبث التوتاليتارية واستبدادها وزيفها وظلمها إلى نظام الديمقراطية وحقوقها وعدلها ومساواتها. وقد تبدو هذه المعادلة مبسطة من حيث تيسيرها حل الإشكاليات الكبرى التي يواجهها العراق، لكنها تغريه في مواجهتها باعتبارها جزء من مقدمات وجوده المستقبلي وشروط حياته الخاصة. بمعنى أنها تحتوي على قيمة الثبات الجوهرية في الحياة، انطلاقا من انه لا ثبات فعلي في الحياة خارج قدرة الأمم على حكم نفسها بنفسها أو اخذ زمام مصيرها التاريخي بيدها ونقله إلى الأجيال اللاحقة، بوصفها العملية الدائمة لتحويل الزمن إلى تاريخ. من هنا خطورة ظاهرة المؤقتين بشكل عام والمؤقتين بين النخب السياسية بشكل خاص. وذلك لوقوفه للمرة الأولى أمامها بوصفها ظاهرة مستقلة نسبيا عن واقع وآلية الراديكالية السياسية التي جعلت من نقل الحثالة الاجتماعية والأطراف إلى هرم السلطة ومراكزها أسلوب التصنيع غير المباشر و«البعيد المدى» للمؤقتين، أو الانتهازيين والوصوليين. أما ظاهرة المؤقتين الجدد فإنها من طراز آخر، وذلك لمحاربتها اللسانية العنيفة للإيديولوجية، مع تمسكها بشعارات إيديولوجية اعنف، وخلو سلوكها العملي من أي تمسك بما تقول. وهو الأمر الذي يجعلها بالفعل إحدى اخطر وأقسى القوى السياسية بالنسبة للفكرة الوطنية والاجتماعية ومضمون السياسة بوصفها علما وأدبا.
وهي الحالة التي تميز عموماً واقع النخب السياسية العراقية الحالية. ففيها نعثر ونرى ونسمع نموذج المؤقتين الجدد. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان العراق يقف للمرة الأولى في تاريخه السياسي الحديث أمام ظاهرة المؤقتين في النخب السياسية، أي أولئك الذين يشبهون عابري السبيل العاديين. إلا أن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في أن الأوائل لا يجمعهم بالأواخر سوى التشابه الشكلي في «العبور». ولكل منهما منطلقه وغايته. فالعابرون (المؤقتون) في ميدان النخب السياسية هم كيانات مؤثرة في مجرى الزمن لا غير، بمعنى أنهم قادرون على تخريب ما يمكن تخريبه واخذ ما يمكن أخذه، إلا أنهم ليسوا قادرين على ترك أثر إيجابي في التاريخ. وذلك لان حقيقة التاريخ تراكم نوعي للتجارب الإيجابية الفعالة. وليس مصادفة ألا نعثر في العراق الحديث على تاريخ جدي، لكنه مليء بأزمنة الخراب. ولعل زمن الدكتاتورية الصدامية هو من بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد. إذ يواجه الآن آثارها ونتائجها المريرة. وذلك لان الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية ليس فقط عملية بناء، بل وعملية تحلل واندثار. مما يجعل منه في حالات كثيرة أشبه ما يكون بسيل عارم يجرف كل ما فيه وما يقف أمامه. وهي عملية مؤلمة وقاسية في الوقت نفسه، لكنها الشرط الضروري لامتحان الجميع. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن التحول العاصف لاندثار مرحلة بأكملها قد جرى بصورة راديكالية وبمساعدة قوى خارجية، من هنا صعوبة التحكم العقلاني في إعادة ترتيب الأمور والتحكم القانوني بمجرى التحولات. فالمجتمع غير قادر على رؤية حقوقه وواجباته، كما انه يعاني من ضعف شبه تام في قواه المادية والمعنوية، أما القوى السياسية فإنها هي الأخرى تعاني من ضعف بنيوي في قواها الاجتماعية ورؤيتها الإستراتيجية. كل ذلك يجعل المجتمع ونخبه السياسية في مستوى متقارب من حيث الحافر والرؤية في التعامل مع مجريات الأحداث. وهي الحالة التي تجعل من ظهور المؤقتين أمرا حتميا.
إذ ليست ظاهرة المؤقتين سوى الصيغة الأدبية للطفيلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهي ظاهرة دائمة في تاريخ المجتمعات والدول. لكنها تتخذ في مراحل الانتقال طابعا فجا وفاجعا بسبب انهيار مؤسسات الدولة الرادعة وتشتت المجتمع في صراعات جزئية هائلة مع ما يترتب على ذلك من ضعف للتكامل الاجتماعي والوطني. الأمر الذي يجعل منها قوة عابرة، أي مؤقتة بكافة المعايير. وليس هناك من شيء يحكم وجودها غير الاعتياش الدائم على حالة المؤقت في النظام والحقوق. وبهذا المعنى تشكل «الوريث» الفعلي لبقايا الماضي. (يتبع.....)