منذر خلف الحاج محمد سؤال أسير

رائد الحواري
2020 / 3 / 25

منذر خلف الحاج محمد
سؤال أسير
عندما يختار الشاعر ثلاثة انبياء "المسيح، يوسف، يونس" فالأسماء لها دلالة، حيث تشير إلى العقل الباطن للشاعر، اثنان من الانبياء "المسيح ويوسف"، ظلما من مجتمعهم وأقاربهم، المسيح من يهوذا، وانكار بطرس بمعرفة المسيح ثلاثة مرات قبل صياح الديك وبقية اتباعه، ويوسف من اخوته وامرأة العزيز، ويونس ظلم نفسه: " وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87 " والأسماء الثلاثة فيها حرف السين، والسجن فيه حرف السين أيضا، ويبدو وكأن هناك علاقة ما بين عنوان القصيدة "سؤال أسير" والذي فيه أيضا حرف السين، ومضمونها وأسماء الأنبياء وحرف السين، فالسجن كان حاضر في كل ما سبق، والشاعر يؤكد على أن واقع السجن له أثر سلبي عليه، فظهر لنا بأكثر من وموضع وأكثر من شكل.
وأن يبدأ الشاعر بالمسيح له دلالة:
" ما بين المسيح، وأيُّ مسيح
مناجاةٌ ولومٌ وعتاب، واستنكار الغياب:
"أي إلهي لماذا تركتني"؟"
ـ علما بأن يونس ويوسف سبقوه بالنبوة ـ وأن يكون التناص مع الإنجيل وليس مع القرآن أيضا له دلالة، فهنا يؤكد الشاعر على حالة الوجع الذي يمر فيه، لهذا اختار مشهد صلب المسيح وصراخه "إلهي إلهي لماذا تركتني"، والشاعر لا يكتفي بالتناص مع الانجيل فحسب، فنجده ألمه في الألفاظ المجردة: "منجاة، لوم، عتاب، استنكار، غياب" كلها تشير وتؤكد أن هناك حالة صعبة يمر بها الشاعر.
والنبي الثاني كان يوسف، الذي خانه اخوته، فتركونه في البئر، وخانته زوجة العزيز عندما اتهمته بمحاولة النيل منها:
" ما بين يوسف النبيّ، وأي نبيّ:
دعاء وأدعياء:
الحيلةُ قَدتْ قميصه من دبر "
الشاعر يركز على فعل الظلم الذي وقع ليوسف بعد التهمة، لهذا ركز "قدت قميصه" ونجد حالة اليأس من خلال "دعاء وإدعياء" في المقطع الثالث هناك (جمع/خلط/تشابك) بين يوسف ويونس:
" ما بين يوسف الأسير، وأيُّ أسير :
ابتهالٌ وسؤال:
متى يلفظني هذا الحوتْ "
وهو يركز على سجن يوسف وبعدها مباشرة يتحدث عن الحوت، نتوقف هنا قليلا عند "يوسف، الأسير، أسير، وسؤال" والتي فيها حرف السين، والذي يشير إلى واقع الشاعر في الأسر، السجن، فالشاعر يشبه نفسه بصحاب الحوت "يونس"، و يبتهل ليتخلص من جوف الحوت/السجن.
والمقطع الرابع جاء مغاير لما سبق
"وعادت بعد ألف غياب
قرأت الفاتحة، وصغاى السور
وألقت الكتاب
وتمنّعتْ..
ليلتي من يُشعل شمعتي
ويطفئ عود الثقابْ"
فهو مختلط "عادت"، من الذي/التي عادت؟، والعود بعد ألف عام، وهي مجازية، تشير إلى ثقل الوقت على الأسير/السجن المظلوم، بعدها جاء قرأت، بمعنى أنا الذي قرأت، لكن "وألقت" أيضا (بعيدة) عن القصيدة، فإذا كانت "ألفت كتاب" تكون أقرب إلى السياق، وكذلك "تمنعت"، يمكن أن تكون وتمعنت"، لكن وجدها بهذا اللفظ يشير إلى أن حالة (الاضطراب) هي المهيمنة على الشاعر، فجعلته يبدل الحروف في الكلمة، وهذا دليل/اشارة على الواقع البائس داخل المعتقل/السجن.
واعتقد أن خاتمة القصيدة والتي فيها تمنى بإشعال الشمعة التي تدوم أكثر من عود الثقاب، دلالة على رغبة الشاعر بوجود (أمل) يمده بالطاقة والقدرة على مواصلة بقاءه في جوف الحوت/السجن.
القصيدة منشورة على صفحة صديق الشاعر كمال أبو حنيش